المجد | ماذا نفعل بعد احتلال القاهرة في المساء؟!
 
التفاصيل » عين على العدو » 2011-07-25
 

من أسرار العدو الصهيوني

ماذا نفعل بعد احتلال القاهرة في المساء؟!

 

المجد-

بعد تعتيم لأكثر من '40' عاماً من قبل دولة الاحتلال على وثائقها السرية، فقد قررت أن تفرج عن بعضها، وأن تستمر في التعتيم على بعضها، لما تدعيه من أن النشر لبعض هذه الوثائق سيعرضها للخطر الشديد، ويهدد الأمن القومي الإسرائيلي.

 

ويسأل الضابط الاسرائيلي «مازحا»: ماذا نفعل بعد احتلال القاهرة، في المساء؟!!

حالما قررت الحكومة الإسرائيلية الرضوخ للضغوط الشعبية والقانونية ووافقت قبل عدة شهور على كشف التقرير السري للجنة «أغرنات»، التي حققت في إخفاقات حرب أكتوبر 1973، توقعت «الشرق الأوسط» أن يكون ذلك التقرير وثيقة بالغة الأهمية للقارئ العربي. وعندما راجع مراسلنا نظير مجلي هذه الوثيقة، في مخدعها في الأرشيف الإسرائيلي، وجدناها فضلا عما تضمنته من معلومات لفهم طبيعة تلك الحرب وخباياها من الجهة الإسرائيلية، تكشف جوانب مثيرة من أسلوب الحكم في إسرائيل والتناقضات فيه، وما هو دور قيادة الجيش في الحياة الإسرائيلية السياسية والاقتصادية، والمفاهيم الإسرائيلية عن العرب وكيف يقيمون القدرات العربية وما هو نوع العلاقات بين إسرائيل ومختلف دول العالم والدور الأميركي في هذه الحرب وما تعكسه من علاقات مميزة وحدود هذه العلاقة وتكشف الكثير من الأسرار المثيرة، التي يوجد فيها شركاء عرب أيضا، وفي بعض الأحيان يمكن اعتبارها أسرارا خطيرة. وتنفرد «الشرق الأوسط» ابتداء من اليوم في نشر استعراض للتقرير ومقاطع كاملة لأهم أجزائه ولأول مرة في الصحافة العربية، بعد الحصول على الوثائق الإسرائيلية، ونستهله بحلقتين عن الحرب التي عرفت في اسرائيل والعالم بـ«حرب الأيام الستة» وأسماها العرب «نكسة 1967»، كونها المنعطف الذي قاد الى حرب 1973.

 

ثلاث مقولات، اثنتان منها قيلتا كنكتتين والثالثة قيلت في لحظة اعتراف غير عادية، تلخص ثلاث مراحل أساسية من التاريخ الإسرائيلي، وتكشف عن جوانب مثيرة في طريقة التفكير في المجتمع الإسرائيلي، هي:

 

ـ «آخر من يغادر مطار اللد يطفئ نور الكهرباء»، وقد قيلت قبيل حرب 1967 بدافع الخوف من هجوم عربي حربي يؤدي إلى هرب الإسرائيليين من إسرائيل ذاتها. وقد راجت هذه المقولة في تلك الفترة بشكل ساخر، بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية في إسرائيل والشعور بأن إسرائيل باتت في خطر الانهيار، ولم يبق للإسرائيليين سوى أن يشدوا الرحال ويتجهوا نحو مطار اللد مغادرين. والمطلوب فقط أن يفطن آخر من يغادر، أن يطفئ نور الكهرباء. ـ بعد حرب 1967، التي تمكنت فيها إسرائيل خلال ستة أيام من احتلال شبه جزيرة سيناء المصرية وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان السورية، سادت أجواء انتصار في الدولة العبرية تحولت نشوته إلى عنجهية وغرور بالغين، أثارا انتقادات داخل إسرائيل نفسها. وقد انتشرت آنذاك النكتة التالية تعبيرا عن مدى ذلك الغرور: «ضابطان اسرائيليان مصابان بالملل، قال أحدهما للآخر: أنا أقترح لكسر الملل، أن نحتل القاهرة. فأجاب الآخر: نعم، ولكن هذا لا يكفي لكسر الملل. فماذا سنفعل بعد الظهر؟».

 

ـ حرب أكتوبر 1973، صدمت الإسرائيليين عدة مرات. أولا لأنها فاجأت الشعب (وليس القيادة، كما سيتضح لاحقا)، الذي كان مطمئنا بأن العرب لن تقوم لهم قائمة بعد هزيمة 1967، وثانيا لأن العرب قاتلوا وحققوا الانجازات العسكرية، وثالثا لأنهم اكتشفوا أن وسائل الإعلام الإسرائيلية كذبت عليهم ولم تقل لهم الحقيقة عن مجريات الحرب ونتائجها الحقيقية. فكما هو معروف، فقد داهمت جيوش مصر وسورية الجيش الإسرائيلي في أراضيهما المحتلة، ودارت المعارك لمدة تزيد على عشرين يوما، وتدخلت الدول العظمى وأجبرت إسرائيل في مرحلة معينة على وقف القتال. حينذاك، وفي لحظة اعتراف نادرة، سمع البعض رئيسة الحكومة الإسرائيلية، غولدا مئير، وهي تقول يصوت خافت: «كم نحن صغار أمام الكبار». بعد أربعين سنة من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية الشاسعة، يبدو ان هذه المقولات الثلاث وإنْ امّحت من الخطاب الجماهيري أو القيادي في إسرائيل في السنوات الأخيرة، لكنها لم تمح من الذاكرة. وما زالت تترك أثرها على المجتمع الإسرائيلي. ولكي يفهم أثرها المستقبلي، لا بد من عودة إلى الماضي ونبش الوثائق التي سمح بفتحها.

 

ما قبل حرب 1967

 

* في الثالث والعشرين من مايو (أيار) 1967، قام رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال اسحق رابين، بدعوة رئيس الوزراء، ليفي اشكول، إلى مقر رئاسة أركان الجيش في تل أبيب ليجتمع بالجنرالات أعضاء رئاسة الأركان وتقويم الموقف العسكري الجديد، الناجم عن قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر إغلاق مضائق تيران في وجه السفن الإسرائيلية التي تستخدمها للدخول من البحر الأحمر إلى خليج العقبة (في إسرائيل يسمونه خليج ايلات).

 

لقد كانت هذه محاولة من رابين للضغط على اشكول حتى يغير موقفه الرافض لإعلان الحرب على مصر. ووجد اشكول نفسه محاطا بعاصفة من الضغوط العسكرية التي لم تخل من محاولات تخويف وتهديد، كما يقول المؤرخ الاسرائيلي، توم سيغف، في كتابه «1967، وقد غرت البلاد وجهها» (دار النشر «كيتر» ـ2005). وتولى عملية الضغط كل من رابين نفسه وقائد هيئة الأركان العامة، عيزر فايتسمان (الذي اصبح وزيرا للدفاع في حكومة مناحم بيغن وساهم بإقناعه في قبول اتفاقيات كامب ديفيد مع الرئيس المصري، انور السادات، ثم انتخب رئيسا للدولة العبرية)، وقائد سلاح الجو، مردخاي هود، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، أهرون ياريف، قائد لواء جيش الاحتياط في الجنوب، أرييل شارون.

 

المعلق العسكري في صحيفة «هآرتس»، زئيف شيف، الذي كان يومها مراسلا عسكريا، كتب عن موقف شارون من هذه الجلسة في ما بعد (هآرتس – 1 يونيو/حزيران1967)، قائلا بأن اشكول حضر اللقاء برفقة بعض الوزراء والجنرالات الذين حاولوا حثه على اعلان الحرب فورا وبلا أي تأجيل. وأضاف ان شارون كان حادا في طرحه. ثم اقتبس ما قاله له شارون نفسه عن تلك الجلسة، والذي يفهم منه ان فكرة الانقلاب العسكري خطرت بباله وربما ببال جنرالات آخرين غيره، بسبب رفض اشكول: «تصور لو كانت هناك امكانية تنفيذ انقلاب عسكري ضد الحكومة. فقد كان بإمكاننا أن نطلب (أي الجنرالات) فرصة للتشاور. وخرج الجنرالات من الغرفة التي أبقينا فيها رئيس الوزراء والوزراء المرافقين له. لم يكن علينا أن نعمل الكثير. كنا نغلق الباب عليهم ونأخذ المفتاح معنا ونتخذ القرارات المناسبة فلا يعرفن أحد بأن الأحداث اللاحقة تمت بقرار من الجنرالات». بعد الحرب، تم ذكر هذه الأقوال بأنها قيلت بجدية عن امكانية تنفيذ انقلاب عسكري، مع أن شارون أنكر ذلك وادعى انه قالها بالمزاح. ولكن معظم الباحثين والمؤرخين الإسرائيليين الذين كتبوا عن هذه الفكرة، اشاروا الى أن الجنرالات الاسرائيليين كانوا سيجدون طريقة لإلزام الحكومة بالخروج الى الحرب، حتى لو بانقلاب عسكري. والسبب في ذلك أن الجيش كان قد خطط الحرب واستعد لها سنينا طويلة. فمنذ انتهاء حرب 1956 (العدوان الثلاثي، الاسرائيلي ـ البريطاني ـ الفرنسي على مصر)، وقادة الجيش، مسنودين بالمعارضة السياسية اليمينية، غاضبون على الحكومة لأنها وافقت على الانسحاب من سيناء «من دون مقابل جدي». ورئيس الحكومة الإسرائيلية الأول، دافيد بن غوريون، الذي كان يحلم بأن تمتد حدود إسرائيل إلى سيناء جنوبا ونهر الأردن شرقا وكان يطمع بالسيطرة على الجنوب اللبناني أيضا، حتى نهر الليطاني، كان يقول: «ليس كل الأحلام ممكن تحقيقها». بيد ان العسكريين لم يتنازلوا عن تلك الأحلام، كما دلت التطورات المستقبلية. المؤرخ توم سيغف يقول ان رئيس اركان الجيش، تسفي تسور، قال في اجتماعه الأول مع رئيس الحكومة الجديد، اشكول (يونيو/ حزيران 1963)، ان مصلحة إسرائيل تقتضي توسيع حدودها. وذكر أن الحدود المفضلة هي: قناة السويس جنوبا ونهر الليطاني شمالا ونهر الأردن شرقا. وبعد بضعة أشهر من ذلك الاجتماع كانت بأيدي الجيش خطة باسم «فرغول» ترمي الى احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية.

 

وفي شهر أغسطس (آب) 1966، حدث تطور بالغ الأهمية بالنسبة للجيش الاسرائيلي، حيث نجح «الموساد» (المخابرات الاسرائيلية الخارجية) في الحصول على طائرة «ميج ـ 21» وتعريف الغرب لأول مرة على أسرارها. كانت تلك طائرة مقاتلة في الجيش العراقي. الطيار منير الردفة، الذي كان قد غضب من ارغامه على القاء متفجرات على قرى وبلدات كردية في شمال العراق، عبر عن تذمره أمام شخص ما خلال عيادته شقيقه المريض في تركيا. وكان لهذا الشخص ارتباطاته مع «الموساد». وحسب فيلم سينمائي وثائقي بعنوان «العصفور الأزرق» للمخرج شموئيل امبرمن، فإن الردفة وقع في مصيدة من دون أن يعرف ولكنه في ما بعد تورط عن كامل الوعي ووافق على الهرب من العراق بطائرة «ميج ـ21» الى إسرائيل. وحسب الفيلم فإنه قبض 50 ألف دولار عن هذه العملية، ولكنه قال انه يعرف أن بإمكانه قبض مبالغ أكبر بكثير من هذا ولكنه لا يفعل ذلك من أجل المال بل من شدة حقده وغضبه على النظام الحاكم. وقوع هذه الطائرة بالذات بأيدي إسرائيل رفعت معنويات الجيش الإسرائيلي، إذ تم إجراء دراسات حولها وحول أسرارها بمشاركة خبراء أميركيين وفرنسيين وبريطانيين. وتمكنوا من الاهتداء الى نقاط الضعف في الطائرة. بالاضافة الى ذلك فإن مكانة إسرائيل العسكرية عموما ومكانة «الموساد» بشكل خاص ارتفعت لدى الغرب وأصبح المجال مفتوحا أكثر للتعاون الأمني بين إسرائيل ومختلف أجهزة المخابرات في العالم.

 

واعتبر الاسرائيليون هذا الانجاز تحولا استراتيجيا بكل المقاييس لصالح اسرائيل في الشرق الأوسط والعالم.

 

بذور الحرب

 

* اعتادت اسرائيل طيلة وجودها على تصدير أزماتها الداخلية إلى الخارج. وقد جاهر بهذا الرأي احد كبار أصدقاء إسرائيل، هنري كسينجر، وزير الخارجية الأميركي في كتاب مذكراته. وسنة 1967 كانت اسرائيل في أشد حالات الأزمة. فمنذ مطلع العام 1966 وهي تعاني من ركود اقتصادي شديد ومتفاقم. أسباب الركود تعود الى الانخفاض الحاد في الهجرة اليهودية من الخارج، التي أدت بدورها الى الركود في فرع البناء. فطرد عشرات ألوف العمال من أعمالهم. الاستثمارات الأجنبية انخفضت بنسبة 55 في المائة في سنتين. جدول الغلاء ارتفع بنسبة 8 في المائة، التي كانت تعتبر عالية جدا بالمقاييس الإسرائيلية. مقابل ذلك، استمرت الحكومة في مصاريفها العالية وبدأت ترشح الى الجمهور أنباء عن الفساد المستشري في الحكم. وعندما سئل عن هذا الوضع، رئيس الحكومة، اشكول، وهو الذي أشغل سنين طويلة منصب وزير المالية، أجاب ان المشكلة تكمن في الجمهور الذي اعتاد على الغنى الفاحش والتبذير غير العادي. وقال ان الحكومة خططت هذا الركود حتى تعيد الجمهور إلى حجمه الطبيعي. وفي الوقت نفسه تفاقمت شكاوى اليهود الشرقيين في إسرائيل من التمييز العنصري ضدهم، وبدا أنهم لم يعودوا يحتملون الاستمرار في التعامل معهم على هذا النحو ويطالبون بتغيير جذري في السياسة. ولكي يثبتوا جديتهم بدأوا في تنظيم مظاهرات صاخبة، استغلها اليمين المعارض، بزعامة مناحم بيغن، أحسن استغلال. ثم تبين ان هجرة مضادة من إسرائيل قد أخذت تتفاقم وبات عدد المهاجرين منها أكبر من عدد المهاجرين اليها، وقد قرت الحكومة فرض الكتمان على هذه الحقيقة بواسطة سن قانون يجعل موضوع الهجرة مسالة أمنية يجب أن لا ينشر عنها شيء إلا بعد أن يمر على الرقابة العسكرية. وإلى جانب ذلك، تراكمت الأحداث العسكرية على الحدود مع سورية.

 

الماء عنصر خلاف أساسي

 

* قضية المياه كانت إحدى القضايا الأساسية التي دأبت إسرائيل لطرحها على رأس جدول علاقاتها مع سورية. خلال حرب العدوان الثلاثي سنة 1956، استغلت إسرائيل انجازها العسكري في الجنوب واحتلت قريتين في المنطقة المنزوعة السلاح بينها وبين سورية، ضمن خطتها للسيطرة على منابع نهر الأردن. وفي سنة 1964، نفذت إسرائيل مشروعها لحرف مجرى نهر الأردن من منابعه، بحيث يصبح تحت سيطرتها شبه التامة. سورية اعتبرت الأمر اعتداء فظا على حقوقها في هذه المنابع وسرقة في وضح النهار لمواردها الطبيعية، وإسرائيل ادعت انها تدافع بذلك عن نفسها لأن سورية بدأت العمل في مشروع لحرف مجرى النهر لصالحها.

 

رئيس الوزراء ليفي اشكول، كان معروفا بحرصه على المياه وقد كتب في مذكراته انه رأى المياه مثل الدم. موشيه ديان، الذي أصبح وزيرا للدفاع لاحقا، اعترف في مذكراته بأن اسرائيل افتعلت عدة صدامات مع سورية لكي تجبرها على ترك مصادر المياه والأراضي المحيطة بها. ومما كتبه: «ان 80 في المائة من الصدامات جرت بسبب محاولات اسرائيل السيطرة على مناطق كانت منزوعة السلاح بين الطرفين. كنا نرسل جرافة الى الأراضي السورية وننتظر أن يطلق السوريون عليها النار. فإذا لم يفعلوا، كنا ندفع الجرافة عميقا أكثر حتى تثور أعصاب السوريين، فيطلقوا النار. هم يطلقون رصاصة ونحن نرد بالمدفعية وفي بعض الأحيان بسلاح الجو». ويقول ديان أن هذه الاعتداءات لم تكن بمثابة موقف استراتيجي، انما أرادوا تيئيس السوريين حتى يتنازلوا عن مقاطع معينة من أراضيهم لصالح اسرائيل وبذلك يتم تعديل الحدود بحيث تصبح مصادر المياه تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة.

تأسيس «فتح»

* في سنة 1965 تأسست حركة «فتح» الفلسطينية وبدأت تنفذ عمليات فدائية ضد أهداف إسرائيلية من خارج الحدود، وبالأساس من الأراضي السورية ثم الأردنية (من الضفة الغربية ومن جنوب الضفة)، وحظيت هذه المقاومة بدعم بارز من سورية بشكل خاص ثم من مصر. وقد نفذت هذه الحركة 120 عملية عسكرية ضد اسرائيل خلال 18 شهرا قبل الحرب، مثل تفجير أنابيب مياه وزرع الألغام على الطرقات والسكك الحديدة وتفجير محطات لتوليد الكهرباء وأسفرت هذه العمليات عن مقتل 11 اسرائيليا (3 منهم مدنيون والبقية عسكريون) وإصابة 60 بجروح (نصفهم عسكريون). اسرائيل رفضت التعامل مع «فتح» كتنظيم فلسطيني يناضل من أجل القضية الفلسطينية، وذلك من باب الاستخفاف بالفلسطينيين أولا، وثانيا من أجل مواصلة إغفال القضية الفلسطينية كقضية شعب يناضل من أجل الحرية ويستحق دولة حسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة ([قرار التقسيم لسنة 1947، الذي رفضه العرب). وكان من السهل على إسرائيل أن تظهر تلك العمليات «نشاطات ارهاب تديرها سورية»، مع العلم بأن الإسرائيليين كانوا على علم بالخلافات بين قادة «فتح» وبين سورية. وقد تجاهلوا ذلك باعتبار ان الهجوم على سورية سيكون أسهل، وسيكون مفهوما أكثر في العالم.

وفي بحث جرى في هيئة رئاسة أركان الجيش الاسرائيلي في 23 يناير (كانون الثاني) 1967 خرجوا بتوصية الى الحكومة: «يجب علينا أن ننفذ عملية كبيرة ضد سورية». والحديث عن العملية الكبيرة جاء بادعاء أن العمليات السابقة كانت 'صغيرة' وغير مجدية. ومن العمليات «الصغيرة» التي كانت قد سبقت هذا البحث، هجوم على بلدة قلعت الأردنية انتقاما من «فتح»، مع انه تبين في ما بعد أن هذه القرية لم تؤوِ رجالات «فتح». وهجوم آخر على قرية السموع جنوبي الخليل في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1966 والتي هدم فيها عشرات البيوت الفلسطينية (الأردن أعلن عن هدم 100 منزل نتيجة الهجوم وإسرائيل تحدثت في العلن عن 40 بيتا وفي وثائقها السرية تحدثوا عن 60 بيتا)، وقد ادعت اسرائيل أن خلية فدائية خرجت من هذه القرية بالذات لكي تفجر سكة حديد إسرائيلية وتزرع ألغاما في طريق سيارة عسكرية. وقد أثارت العملية في السموع مشكلة مع الأميركيين، حيث انها لم تفهم لماذا انتقمت اسرائيل من الأردن، في الوقت الذي بات واضحا فيه أن سورية هي التي تشجع الفلسطينيين من «فتح» وليس الأردن. وحسب المؤرخ سيجف، فإن نيكولاس كتسنباخ، أحد كبار موظفي الخارجية الأميركية، وصف هذا العمل الاسرائيلي في حديث امام وزير الخارجية الإسرائيلي، أبا ايبن، فقال: «لقد فعلتم كما لو أنني اريد أن أصفع سفيركم في واشنطن على وجهي، ولأنني لا أجرؤ على ذلك قمت بصفع سكرتيرتي». وقد فهمت اسرائيل الرمز جيدا، أن لديها ضوء أخضر لضرب سورية. نقاش حاد حول الحرب

 

 

* في اسرائيل عموما، وفي قيادة الجيش الاسرائيلي بشكل خاص، ساد عداء غير عادي لسورية والسوريين. «لقد أحببنا أن نكرههم»، كتب السكرتير العسكري لرئيس الحكومة آنذاك، ليئور، في مذكراته. وأضاف انه لاحظ بأن سورية تحولت الى عقدة بالنسبة لرئيس الأركان رابين.

وفي سبتمبر (أيلول) 1966، نشرت مجلة الجيش الإسرائيلي «بمحانيه»، مقابلة مع رابين بمناسبة رأس السنة العبرية، أفصح فيها عن خطته الاستراتيجية تجاه سورية، فقال ما معناه ان الحرب القادمة مع سورية ستقع حتما وسيكون هدفها الاطاحة بالنظام السوري ـ «الرد على عمليات سورية، إن كانت متمثلة في عمليات التخريب أو في حرف مياه النهر أو الأعمال العدوانية، يجب أن تتم ضد منفذي عمليات التخريب وضد النظام الذي يساند هذه العمليات ويعمل بنفسه على حرف مجرى مياه الأردن. هنا يجب أن يكون الهدف تغيير قرار النظام وتصفية دوافع نشاطاته. المشكلة مع سورية إذن هي من الناحية الجوهرية مع النظام».

رئيس الوزراء اشكول، الذي كان سمح لرابين أن يجري تلك المقابلة بشرط أن لا يتكلم في سياسة الحكومة، اعتبر هذا التصريح تجاوزا نكثا للشرط وتوريطا لإسرائيل أمام العالم بأنها تريد إسقاط النظام السوري. وقد سارع الى إصدار بيان ينتقد فيه رابين بشكل موارب ويقول فيه إن إسرائيل لا تتدخل في شؤون سورية الداخلية. ويكشف ليئور بأن صياغة البيان كانت حذرة للغاية، فمع ان اشكول بدا غاضبا لدرجة هستيرية من تصريح رابين وأراد أن يوبخه علنا، إلا ان مساعديه وبعض وزرائه مثل أبا ايبن ويسرائيل غليلي خففوا من حدة بيانه وقالوا له ان رابين يتمتع بشعبية كبيرة في الشارع وانتقاده بلهجة شديدة قد يدفعه الى الاستقالة وفي هذا ضرر كبير لإشكول.

 

لكن القضية لم تقتصر على رابين واشكول ولم تكن شخصية بينهما. كلاهما أرادا ضرب سورية. والفرق أن اشكول أراد ان تتم العملية بالتنسيق مع دول العالم، كما حصل في حرب 1956. فهو رجل اقتصاد معروف. ولم يكن عسكريا بارزا (خدم في الجيش البريطاني بعيد الحرب العالمية الأولى وكان كل مرة يحصل على درجة عسكرية يفقدها بعد مدة قصيرة بسبب مخالفة ما). يحسب حسابا ليس فقط للقوة العسكرية، بل يحاول ضمان استثمارات أجنبية لبلاده وسياحة وعلاقات تعاون في المجالات التكنولوجية والعلمية والثقافية ويحافظ على علاقات جيدة مع الأدباء والعلماء والمثقفين، ويعرف أن كل هذا يحتاج من القائد أن يدير علاقات جيدة مع دول العالم. وقد عرف عنه أنه رئيس الحكومة الأول الذي اقام علاقات جيدة مع الولايات المتحدة (الرئيس الذي سبقه، بن غوريون، ركز علاقات اسرائيل بالأساس مع فرنسا وبريطانيا وكان حذرا من تعميق العلاقات مع واشنطن خوفا من إغضاب الأوروبيين).

وكان اشكول حذرا من زيادة نفوذ الجنرالات من قادة الجيش، على عكس سابقه الذي قرب الجنرالات اليه وتعامل معهم بشيء من الدلال. كما كان اشكول يحسب حسابا للحزب الديني القومي الشريك في الائتلاف، بزعامة يوسف شبيرا، الذي اتبع خطا سياسيا معتدلا (على عكس قيادة هذا الحزب اليوم التي تعتبر يمينية متطرفة وتقود المستوطنات اليهودية المتطرفة في الضفة الغربية). فقد هدد هذا الحزب عدة مرات بالانسحاب من الائتلاف إذا نفذ الجيش عملية حربية ضد سورية أو الأردن أو مصر. وكان دائما يطلب التروي.

 

بالمقابل، كان الجيش يستخف باشكول ويعتبره قائدا ضعيفا. وكثيرا ما كان ينفذ عمليات عسكرية أكبر بكثير من حدود القرار الحكومي بشأنها. في مطلع سنة 1967، نفذ الفلسطينيون عملية تفجير في ملعب لكرة القدم في بلدة مهجورة تدعى «ديشون» قرب الحدود مع سورية، فقررت الحكومة ضبط النفس ورفض اشكول ضغوط رابين لانتهاز الفرصة وتوجيه الضربة الى سورية. فقام الجيش بتنظيم حملة تحريض على رئيس الحكومة في الصحف. وسرب أنباء عن «غضب قيادة الجيش من قيام الحكومة بتكبيل أيديها» وعن «قرارات حكومية تمس في قوة الردع الاسرائيلية». ونجح الجيش في إحداث انقسام بين الوزراء.

ودامت النقاشات شهورا طويلة واحتدمت أكثر وأكثر من يوم لآخر، مع كل عملية تفجير فلسطينية ومع كل تصريح لقائد عربي. ولم يتردد الجنرالات في اطلاق التصريحات عن ضرورة حرب شاملة مع سورية. قائد اللواء الشمالي للجيش، دافيد العزار (الذي أصبح رئيسا للأركان في حرب أكتوبر 1973)، قال: «يجب البحث عن حل سياسي عسكري شامل ضد سورية». وكذلك فعل رئيس قسم العمليات، الجنرال رحبعام زئيفي (الذي أصبح فيما بعد قائدا لأحد أشد الأحزاب الاسرائيلية تطرفا وقتل بأيدي شبان من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في أكتوبر 2001 في القدس عندما كان وزيرا للسياحة). فقال ان الجيش الاسرائيلي غير مبني لحرب صغيرة أو لعمليات دفاعية. وانه يحتاج الى حرب شاملة ضد سورية لكي يوقف العمليات الفلسطينية، و«بهذه المناسبة ـ أضاف ـ نحل الى الأبد مشكلة المياه في الشمال». لقد أدى النقاش حول عملية حربية شاملة الى منح الجيش حرية العمل في العمليات «الصغيرة». وأصبح الجيش يرد على كل عملية تفجير أو اطلاق رصاص من سورية، بعملية أكبر. وكان رئيس الوزراء اشكول يتراجع شيئا فشيئا عن معارضته هذه العمليات. وفي يوم الجمعى 7 أبريل (نيسان) 1967، أطلق السوريون الرصاص على جرافتين اسرائيليتين دخلتا الأرض المنزوعة السلاح، فاستغل رابين، الذي كان في الشمال، هذه الحادثة ليتصل مع اشكول بواسطة سكرتيره العسكري ويخبره بهلع: «انني اراهم بعيني كيف يطلقون القذائف نحونا». وسأله إن كان يأمره باستمرار عمل الجرافتين، وقبل أن يجيبه صاح رابين: الآن أطلقوا قذيفة أخرى. فتأثر اشكول وطلب منه أن تواصل الجرافتان عملهما وأن يرد الجيش على القصف. فسأل رابين إن كان مسموحا له أن يستخدم سلاح الجو. فوافق اشكول ولكنه اضاف شرطا بألا يصيب المدنيين.

 

وانطلقت الطائرات على الفور وأسقطت ست طائرات سورية مقاتلة، أربع منها أسقطت بالقرب من دمشق.

الشرق الأوسط

 

 
 
 
شارك بتعليقك
مواضيع ذات علاقه
 
حرب غزة تطيح بقادة ألوية ووحدات الجيش الصهيوني
اشكنازي يعلن فشله في ايجاد شاليط!!
العرب.. بين الضعف والاستضعاف
لماذا دعاوى الحوار الآن ياعباس ؟!
 
 
 
اخترنا لك
بالفيديو: هكذا تكافئ دولة الاحتلال من خانوا بلادهم لأجلها !
 
"رامون" القاعدة التي تحوي أقوى المقاتلات الجوية
 
صفات اليهود من خلال القرآن الكريم
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع © المجد الأمني 2008 - 2018