الأمن المجتمعي

الفخ الذي يسير إليه النشطاء بأرجلهم

المجد – خاص

لطالما كان صاحب النَفَس الأطول هو الذي يكسب في نهاية المطاف..

هذه هي المعادلة التي يعتمد عليها رجل المخابرات في عمله، سواءً كان في تتبع المطلوبين وكشف خباياهم، أو في إسقاط الناس في شراك التخابر والعمالة، ذلك أنّ الصبر وطول النّفس يعتبر فنّاً من فنون الأمن، فأيّ الطرفين يتقنه بشكل أفضل ولوقت أطول، سيحظى بالظّفر في المعركة الاستخباراتية.

هذه المعادلة انطبقت قديماً على المطاردين الذين يعيشون في حياة أمنية مغلقة تحسباً للأخطار المحدقة بهم، فإن هم أطالوا الصبر على الظروف الأمنية استطاعوا النجاة بأنفسهم، وهم إن لم يفعلوا، وجدوا أنّ مطارديهم أطول نفساً منهم، فينتظرون منهم لحظة “الارتخاء الأمني” ليجهزوا عليهم ويضربوهم الضربة التي تودي بهم.

وليس فتية الكهف الذين آووا إليه عنا ببعيد، “وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا” (الكهف 19)، هؤلاء الفتية قد فطنوا إلى أن بعد المسير وطول الزمن -الذي ظنوا أنهم ناموه- ليس كافياً لإبعاد الخطر المحدق بهم بل كانوا متيقنين أن عدوهم متربصٌ بهم ينتظر منهم زلة بسيطة كشراء الطعام علناً.

ذات الأمر يتكرر مع رجال الأمن والاستخبارات في يومنا هذا، فمهما تطور العلم واستُحدثت الآليات والتقنيات، تبقى الأسس الكلاسيكية الأصيلة في العمل حاضرة، وتبقى القواعد الرئيسية مُحافظة على شكلها وحضورها، فهي ما تزال تُدرَّس وما تزال مادة للتدريب عند إعداد المختصين، فالجَلد والصبر وطول النفس والتربّص للفرصة المواتية والمناسبة سلاح فعّال لم ينضب ونقطة مميتة حين الضرب عليها بدقة.

مواقع التواصل الاجتماعي، تلك الساحة الكبيرة التي يتواجد عليها النشطاء والشباب والشابات بشكل عام لفترات طويلة، ليست بمنأى عن براثن أجهزة المخابرات التي تراقبها وتتابعها على مدار الساعة بحثاً عن أية معلومات أو رصدا لأية زلات أو تصيّدا لأية طرائد يمكن افتراسها تحت نير الإسقاط أو الابتزاز.

هذه المواقع والتطبيقات أصبحت بما لا يدع مجالاً للشك جزءً أصيلاً من حياتنا اليومية، نستفتح بها صباحنا ونتجول في أروقتها خلال نهارنا ونستمتع بجديدها بقية يومنا ثم نختم بها مساءنا، يزيد ذلك أو ينقص باختلاف المستخدم، ولكن، هذا هو واقعنا اليوم كبشر بشكل عام.

وكما هي العادة، لكل جديد عيوب ولكل غريب ثغرات، فتجد الكثير من المختصين وغير المختصين يُحذرّون من أخطارها، ومن كونها عيونٌ وآذانٌ تدخل إلى بيوتنا وتشاركنا لحظاتنا الخاصة، وبالفعل تجدنا نحرص دائماً على كثير من الجوانب الأمنية خلال استعمالنا هذه التكنولوجيا الجديدة، من ضمنها الأسلوب الأشهر لمقتني أجهزة الحاسوب المحمول بطمس عدسة الكاميرا بشريط لاصق، ثم تتدرج التصرفات والسلوكيات الأمنية خلال التعامل مع هذه الأجهزة باختلاف ثقافة ومكانة وطبيعة شخصية المستخدم.

لكن، وبالعودة إلى المعادلة الأمنية أعلاه، نجد أن حالة من التعود والاطمئنان تسود جو العلاقة بيننا وبين أجهزتنا الذكية والتطبيقات الفعالة عليها، ما يؤدي إلى ظهور ثغرات أمنية واضحة وجلية نعتقد مع الزمن أنها مستحيلةُ الاختراق فنستهين في سدّها وإبعاد خطرها. في هذه الأثناء يكون رجل المخابرات أو المُبتزّ ينتظر أن نصل معه إلى حالة الاطمئنان هذه لينقضّ علينا مُحققا غايته التي انتظر من أجلها كثيراً.

المطلوب من رواد هذه المواقع والنشطاء عليها أن يُحافظوا على حالة الحذر والانتباه لثغرات هذه الأجهزة وتطبيقاتها على مدار الساعة، وأن يطردوا أي شعور بالملل من اتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على خصوصياتهم بعيدة عن متناول أيدي المخبرين، وأن يبقوا في أذهانهم حضور المعادلة الأمنية الهامة: “صاحب النفس الأطول هو الرابح”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *