المخابرات والعالم

قصة العميلة العرجاء … “فرجينيا هال”

المجد – وكالات

طارد البوليس السري النازي لفترات طويلة، عميلة سرية غير معروف هويتها، فقط يعلمون أن لديها إصابة في القدم جعلتها عرجاء، وكانت هذه هي المعلومة الرئيسة في كل محاولات الكشف عنها، فقد كانت سمة مهمة واضحة، جُنَد من أجلها العديد من العملاء المزدوجين، وهي: «إنها الأخطر من بين كل جواسيس الحلفاء، علينا إيجادها وتدميرها».

كان لدى البوليس النازي العديد من الأسماء الرمزية لهذه العميلة: «جيرمين»، و«كاميل»، و«ديان»، وأيضًا «نيكولاس»، في الحقيقة كانت كل هذه الأسماء لسيدة معقدة الذكاء والموهبة، يعرفها الأصدقاء والجيران في بالتيمور باسمها الحقيقي، فيرجينيا هال.

ولدت فرجينيا هال (Virginia Hall) عام 1906 لعائلة ثرية، وكان لديها شغف كبير باللغات وحس المغامرة، فدرست اللغات في كلية رادكليف وبرنارد، وتقدمت لدراسة اللغات كذلك في أوروبا ليتم توظيفها في النهاية كاتبةً في السفارة الأمريكية في مدينة وارسو. تم تكليفها في عمر 27 سنة بمهمة دفعتها للذهاب إلى مدينة أزمير في تركيا؛ حيث تتعرض لحادثة أثناء الصيد كلفتها فقدان قدمها اليسرى في ما تحت الركبة، لتتعايش بعد ذلك مع قدم خشبية لم تعقها عن إتمام ما كان مقدرًا لها القيام به، لكن في الوقت نفسه، قضت هذه الحادثة على حلمها القديم بأن تلتحق بالسلك الدبلوماسي بصفتها موظفة خدمة أجنبية للولايات المتحدة.

بعد أن رُفضت في الوظيفة التي كانت تحلم بها، قدمت هال استقالتها من وزارة الخارجية الأمريكية عام 1939، لتلتحق فورًا بالعمليات التنفيذية الإنجليزية الخاصة.

أثناء عودتها بالقطار من فرنسا عقب سقوط باريس في يد المعسكر النازي عام 1940، التقت هال، مصادفةً، بأحد المسؤولين في العمليات التنفيذية الإنجليزية الخاصة، فجنّدها لتصبح أول امرأة تعمل لدى المؤسسة الإنجليزية جاسوسة متخصصة في تشغيل وتحليل إشارات الراديو في فرنسا.

ظلت هال تعمل جاسوسة في ليون مدة عامين، كانت خلالها تعمل مراسلة صحافية لصحيفة «نيويورك بوست»، خلال هذه الفترة، علمت هال بشأن مكتب الخدمات الاستراتيجية الذي أنشئ حديثًا، وكان السلف وقت الحرب العالمية الثانية لوكالة الاستخبارات الأمريكية بتكوينها الحالي، فانضمت للمكتب سريعًا، وكان ذلك سببًا في عودتها المحفوفة بالمخاطر إلى الأراضي الفرنسية.

خلال فترة عملها في فرنسا، تنكرت هال في هيئة بائعة لبن، وصبغت شعرها باللون الرمادي لتبدو أكبر سنًّا، كما ارتدت تنورة طويلة لتخفي إعاقة قدمها. نقلت هال الكثير من المعلومات الحيوية إلى لندن، منها تنسيق هبوط المظلات التي تحمل الإمدادات والأسلحة التي تم تسليمها لجماعات المقاومة، كما أخبرت القوات البريطانية بكل التحركات الألمانية على الأراضي الفرنسية، وقد ساعدتها التدريبات التي تلقتها على خداع أجهزة التنصت الألمانية؛ لتبقى رسائلها إلى لندن مشفرة.

قامت هال في تلك الفترة بالكثير من المهام النوعية، فقد سلّحت ودرّبت ثلاث كتائب للمقاومة الفرنسية لتقوم بمهمات تخريبية محددة ضد القوات النازية في فرنسا، وكانت قادرة على التنسيق طيلة الوقت مع المكتب في لندن، فمنحها ذلك الاستعداد الدائم لتنفيذ أي عمليات تُكلف بها في أي وقت، كذلك ساهمت في تهريب شخصيات مهمة لدى الحلفاء من الأراضي الفرنسية. في عام 1942، كان عليها الخروج من فرنسا عقب احتلال الألمان لما تبقى من الأراضي الفرنسية.

كان عليها الانتقال عبر جبال البرانس مشيًا على الأقدام، وصولًا إلى الأراضي الإسبانية، وهو الأمر شديد الصعوبة بالنسبة لسيدة تتحرك بقدم خشبية. نجحت هال في الوصول إلى إسبانيا، لكنها لم تكن تملك أي أوراق تثبت شخصيتها لدى السلطات الإسبانية؛ فتم التحفظ عليها في سجن «فيجيريس» مدة ستة أسابيع، حتى نجحت في تهريب رسالة إلى القنصل الأمريكي في إسبانيا عن طريق سجين تم تحريره مؤخرًا. حررتها من السجن السفارة الأمريكية، وأعطتها غطاءً جديدًا بوصفها مراسلة صحفية لجريدة «شيكاغو تايمز».

نجحت القوات الأمريكية في إخراج القوات الألمانية من مناطق عمل هال؛ فانتهت مهمتها التي أنهكت القوات النازية. لقد علم النازيون بوجود هال وبأنشطتها الكثيرة، وقد نشروا الإعلانات بأوصافها للوصول إليها، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل قبل انتهاء الصراع في مناطق عملها عام 1944. بعدما علم ببطولتها، أراد الرئيس هاري ترومان، قرر منحها وسام التميز تقديراً لجهودها الكبيرة والمهام الخطيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *