مدونة المجد

كيف يمارس رجل المخابرات الخداع والتضليل؟

(مدونة المجد)

للعمل الاستخباري شروط وتفاصيل كثيرة وغامضة في معظمها، وترسم في مخيلة الناس صورة من الإثارة والمغامرة، ومجال الاستخبارات غير متاح لمن يرغب فيه أو يسعى إليه، فبالإضافة إلى مؤهلات الشخصية والذكاء العام، يلزم المرشح للعمل الاستخباري أن يخضع لتدريبات شاقة بهدف اكسابه مهارات عملياتية خاصة، وأبرز هذه المهارات صعوبة وإثارة في نفس الوقت، ما يندرج تحت مهام “الغطاء الأمني” المناسب واللازم لكل مهمة يتم تكليفه بها، وهو مجال للتنافس والتمايز بين العاملين في الميدان الاستخباري.

يعمل رجل الاستخبارات تحت عنوان وهمي ومزيف، يخدع به الهدف ويبعد الأنظار عن حقيقة هويته أو حقيقة مهمته، هذا العنوان الزائف يسمى في العمل الاستخباري ب “الغطاء الأمني أو الساتر الأمني”، وهو ميدان للابتكار والمكر والخديعة والمناورة، وهي مهارات لازمة لرجل المخابرات، لذلك فالغطاء الاستخباري هو جهد استخباري مزيف تحت عنوان اقتصادي أو ثقافي أو علمي أو منظمات إنسانية أو اعلام وصحافة، أو شخصيات افتراضية عبر
صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، وبأشكال مختلفة ومتنوعة تحددها الظروف وبيئة العمل وتقاليد وثقافة المحيط الاجتماعي والحاجة الاستخبارية.

وقد يتم انشاء مؤسسات إعلامية، أو منظمات مجتمع مدني أو ملتقيات فكرية ومراكز دراسات من أجل التأثير على الرأي العام المحلي، أو بهدف التحريض على النظام الحاكم واضعاف سلطته ونظامه، أو بهدف رفع دراسات مجتمعية وسياسية بغرض إعداد تقدير موقف يرصد نبض الشارع المحلي تجاه قضايا محددة.

ولا نقصد هنا ما تقوم به الأجهزة الاستخبارية على الصعيد المحلي، والتي تقتصر على مهام بسيطة، ولا تحتاج إلى مهارات كبيرة، كونها لن تتعرض لأذى حال تم كشفها، كسائق السيارة العمومي، وأصحاب الاكشاك والعاملين في الفنادق والمقاهي.

وكان شعار جهاز الموساد “بطريقة معينة من الخداع، يجب أن تشارك في الحرب”، إذاً هي الحرب والخداع، كما أن ضابط المخابرات يعرض حياته للخطر الشديد، لأن مجال عمله هو مجتمع العدو “الهدف”، ويكون بعيداً عن مصادر القوة والحماية التي يجدها داخل دولته.

يتحدث الصحفي البريطاني غوردن توماس في كتابه “جواسيس جدعون، التاريخ السري للموساد” عن رافي إيتان الذي كان يشغل حينها رئيس عمليات الموساد، فيقول: (سرعان ما أصبح لديه ما يفوق مائة رجل وامرأة عبر أوروبا ينفذون ما يطلبه منهم، محامون وأطباء أسنان ومعلمون وأطباء وخياطون وأصحاب محلات وربات بيوت وسكرتيرات)، فقد ساعدت “اليهودية” الاستخبارات الاسرائيلية في العمل كغطاء طبيعي دون تزييف، كون اليهودية باتت تمثل قومية أكثر من كونها ديانة، فاليهود اخترقوا كافة مجالات العمل والمؤسسات الرسمية والخاصة في بلدانهم الذين يحملون جنسيتها، وهم مصدر خدمة وتسهيل مهام لضباط الموساد الاسرائيلي، باعتقادهم أنهم يخدمون إخوانهم اليهود.

واستخدام الغطاء الأمني يجعل رجل المخابرات يتحرك في بيئة الهدف بحرية دون مراقبة، ويساعده في قضاء الوقت الكافي لمراقبة وتعقّب هدفه الذي يريد، بل يساعده على تنفيذ مهمته الميدانية بنجاح، سواءً كانت مهمته جمع معلومات أوسرقة وثائق، أو دسّ السمّ وإطلاق النار لقتل الهدف، وأخيراً يساعد الغطاء الأمني رجل المخابرات في الخروج الآمن والهادئ من مسرح العمليات، وكل ما سبق من نجاح يعتمد بشكل كبير على مدى اتقان ومناسبة الغطاء الأمني.

هناك عدة شروط ومواصفات يجب أن تتوفر في الغطاء الأمني حتى يكون ساتراً مناسباً، ومن أهمها، ما يلي:

– أن يتناسب الغطاء الأمني مع محيط المهمّة، وأن يتيح الحركة والنشاط والمرونة، كالصحفي في مؤسسة اعلامية مشهورة، وشركة استيراد وتصدير في منطقة تجارية، وديبلوماسي في حفل رسمي للدولة، فمن غير المعقول أن يتواجد رجل المخابرات في جامعة عريقة بغطاء رجل إنقاذ بحري، أو في ملهى ليلي بغطاء رجل الدين.

– أن يحمل رجل المخابرات هوية شخصية متناغمة مع البيئة المستهدفة، وتتناسب مع عمره ولون بشرته، فلن يكون مناسباً أن يحمل اسماً غير حقيقي أو لشخص متوفى، مما سيعرضه لكشفه وتبيان كذبه عند أقرب موقع لفحص الشخصية، كما أنه من الخطورة أن يتحرك بهوية سائح أجنبي في معسكر تدريب للجيش، أو أن يتحرك ومعه امرأة كزوجته وبيانات هويتها على خلاف ذلك.

– أن يتقن لغة ولهجة البيئة محل العمل، وأكثر من ذلك عليه أن يتقن ثقافة وتقاليد محيطه الاجتماعي، فلا يتناسب أن يتحدث باللغة العبرية في بيئة المقاومة في غزة، أو أن يشرب ويأكل في نهار شهر رمضان في مجتمع مسلم، أو أن يكون بلباس الهندوس التقليدي في محيط النزاع الحاصل بين الهند وكشمير.

– أن يمتلك رجل المخابرات ما يثبت صدق هويته “الغطاء”، فلو كان دوره ك”رجل اعمال ثري”، يجب أن يمتلك أصول وترخيص لشركته، ولها عنوان حقيقي، وهاتف الشركة يستقبل الاتصالات عبر سكرتيرة لا تدرك الدور الحقيقي للشركة التي تعمل بها.

– أن يتقن مهارات تنفيذ المهمة، فهناك مهمات ميدانية تتطلب منه سرعة الحركة، وقوة الجسد، ومهارات جلب البيانات والمعلومات، تتطلب دماثة الخلق وما يساعد في استدراج الهدف، وأن يمتاز بقوة الذاكرة، ومهارات التواصل والاتصال.

– أن يمتلك فرصة الهروب الآمن، باختلاق قصة متفق عليها من قبل مع فريق العمل، والتي من خلالها يمكنه الهروب في أسوأ الاحتمالات.

– أن يتدرب على حماية نفسه حال تم كشفه، وهذا دور رجال الحماية المتواجدين عن مقربة منه في أغلب المهام الميدانية الخطيرة، ومعهم سيارات مستأجرة، وشقق سكنية بديلة جاهزة لاستقباله.

ويتم الاستعانة بالغطاء الأمني حسب الحالات الآتية:

– مدى الأهمية الاستراتيجية للمهمة المراد تنفيذها، ويجب المخاطرة من اجل القيام بها.

– عند صعوبة الاعتماد على العميل المحلي في تنفيذ المهمة، والتي يخضع التقدير فيها حسب سرية المهمة، أو خشية فشل العميل المحلي في تنفيذ المهمة بالطريقة المناسبة، أو عدم توفر عميل محلي في محيط المهمة.

– أن تفيد الدراسة والتخطيط بوجود فرصة قوية لنجاح المهمة.

– تحمّل العواقب السياسية والأمنية حال فشل العملية، عبر توفّر غطاء ديبلوماسي وسياسي لإسناد العاملين في المهمة.

– امتلاك خطة عمل وتنفيذ كاملة لا تترك ثغرة للصدفة أو للاجتهاد الميداني.

– وأخيراً اعتماد رئيس الحكومة “المسئول الأول” عن العملية.

وهناك الكثير من الشواهد والأمثلة التي تم استخدام الغطاء الأمني فيها:

عندما دمر الموساد نواة المفاعل النووي العراقي في باريس في 15/3/1981م، أصدر الموساد بياناً تحت اسم “جماعة البيئة الفرنسية” للتغطية على هوية الفاعلين الحقيقيين وحرف التحقيق إلى البحث عن دوافع بيئية وليست سياسية.

وتم استخدام جمعيات ومؤسسات خيرية أو انسانية كغطاء في كثير من المهمات، ولعل أبرزها كان اغتيال القائد الفلسطيني أبو حسن سلامة الملقب ب”الأمير الأحمر” على يد عملاء الموساد نتيجة عملية رصد ومراقبة قامت بها عميلة الموساد تحت غطاء جمعية عمل إنساني، كما ذكره كتاب (الموساد أكبر مهام): ” في أوائل سنة 1978 وصلت عميلة الموساد “إريكا تشامبرز” إلى بيروت الغربية، تحت غطاء ناشطة في العمل الإنساني ورعاية الطفولة، وتمكنت من رصد تحركات “أبو حسن سلامة” بسهولة من شرفة شقة استأجرتها تطل على الشارع العام الذي يقطعه “سلامة” أربع مرات على الأقل يومياً، وفي نفس التوقيت”، وهو ما سهّل تفجير سيارة مفخخة لدى خروجه من منزله في بيروت، حيث انفجرت سيارته والسيارات المرافقة معه ولقى مصرعه على إثرها.

وقد استخدمت القوات الأمريكية والبريطانية شعار منظمة الصليب الأحمر في الخطة التي وضعتهما لاعتقال مجرمي الحرب الصرب، حيث قامت هذه القوات بلعب دور أطباء ورجال إسعاف يحملون الأدوية من أجل تسليمها لمستشفى صربي مديره “ميلان كوفاشيفتش” المطلوب للاعتقال، وكان شعار الصليب بارزاً على السيارة التي أقلتهم وعلى صناديق الأدوية التي حملوها إلى المستشفى.

وقد أكد الدكتور (علي حامد) المدير التنفيذي لـ “منظمة تراث” الإنسانية العاملة في جنوب السودان أن منظمات الإغاثة تجاوزت دورها المناط بها من إقامة تنمية ومحاربة الفقر ومساعدة المحتاجين وإقرار السلام بين المجتمعات ورفاهيتها، إلى أدوار أخرى كثير منها مشبوه”.

– كما أنه ليس بالضرورة أن يكون هدف ضابط المخابرات تجاه “الضحية” ذو بعد استخباري مباشر، فقد يكون الهدف اقتصادياً، مثل مهمة جون بيركنز  احد عملاء الاستخبارات الامريكية جندته وكالة الأمن القومي الامريكية، والملقب ب”القاتل الاقتصادي”، فقد عمل معها تحت غطاء عمله في شركة استشارية دولية، وكانت مهمته ارغام رؤساء دول نامية عبر الرشوة والابتزاز بأخذ القروض من الولايات المتحدة، ويدفع تلك الدول إلى مستنقع الديون والتبعية الاقتصادية لأمريكا، وساعد في تطبيق خطة سرية تجعل مليارات الدولارات التي تجنيها بعض الدول النفطية، تعود لتصبّ في الخزينة الامريكية، وقد استمر في مهمته السرية تلك، تحت غطاء عمله في الشركة المذكورة لمدة عشرين عاماً، حتى وقوع أحداث 11 سبتمبر2001 حيث قام بالكشف عن تفاصيل مهمته.

– وتعتبر السفارات عموماً المكان الآمن للانطلاق في تنفيذ الكثير المهمات التجسّسية، وهي كذلك ملاذ للعميل حين يفشل في مهمته وينكشف أمره، وهذا ما حدث بعيد محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في عمان، فقد كانت السفارة الإسرائيلية هي مقصد عملاء الموساد الذين هربوا حين لاحقهم المرافق الشخصي لخالد مشعل.

ويعمل معظم رجال الوكالة “الأمريكية” في السفارات الامريكية لأن الستار الديبلوماسي يوفر لهم الفرصة المناسبة للوصول الى أهدافهم عن طريق موظفي السفارة، كما أن الاتصالات الاجتماعية التي تتميز بها حياة الدبلوماسي حتى وان كان دبلوماسيا وهمياً مجالاً ليتحرّك من خلاله بأريحية وطمأنينة.

وفيما ذكره جوردن توماس في كتابه “جواسيس جدعون، التاريخ السري للموساد”، بأن رافي إيتان – رئيس عمليات الموساد حينئذ- وفي محاولة الموساد من زيارة مصنع شركة نوميك للمواد النووية، كبوابة لدخول اسرائيل إلى الصناعات النووية الأمريكية، عميلين لتنفيذ المهمة، كانا إبراهام هيرموني، والذي يعمل بغطاء دبلوماسي في السفارة الإسرائيلية في واشنطن كمستشار علمي، وجيرام كافكافي، الكاستا -عميل سري-  الذي يعمل في الولايات المتحدة الأمريكية ككاتب علمي مستقل، جال كلا العميلين في مصنع المعالجة، وأتمّا المهمة بنجاح.

ودخلت البرامج المحوسبة لعبة الغطاء الأمني، فهناك برامج التجسس الالكتروني “الباتش” وهو برنامج تجسس يتغلف بعنوان طبيعي يخدع المتصفح، مثل برنامج “بروميس” الاسرائيلي وتسويقه عبر شركة للحواسيب تتبع للثري البريطاني “روبرت ماكسويل” مالك عدة صحف بريطانية، وهو يعلم دور البرنامج التجسسي.

وأجادت المقاومة الفلسطينية المعاصرة استخدام الغطاء الأمني في تنفيذها لعمليات فدائية ضد جنود الاحتلال الإسرائيلي، حيث تنكّر العديد من المقاومين بزي متدينين يهود، ساعدهم في تسهيل دخولهم للمقاهي والحافلات الإسرائيلية، وتنفيذ عمليات استشهادية، وعمليات خطف لجنود إسرائيليين، وتسجيل نجاح كبير على استخبارات الاحتلال بقدرتهم على التمويه والتضليل في الاحتفاظ بالأسير الإسرائيلي “جلعاد شاليط” لمدة تزيد عن خمسة سنوات، إلى أن رضخت إسرائيل لإتمام صفقة التبادل.

وتصل الدقّة والحذر في تركيب الهوية المزيفة لضابط الاستخبارات إلى درجة قد لا تخطر على بال الكثيرين، ففي عام 1957م، أُرسل العميل الألماني لصالح الموساد “ولفغانغ لوتز” إلى مصر لجمع المعلومات عن المساعدات السوفييتية لمصر، وتحت غطاء “ثري ألماني” وأنه من هواة تربية الخيول وذهابه إلى نوادي الفروسية بالقاهرة، استطاع أن ينسج علاقات صداقة مع أهم القيادات العسكرية المصرية، وعندما شكّت به المخابرات المصرية، قامت للتأكد من هويته، وقد تبين بعد الفحص بأنه لم يكن مختتناً، مع أن اليهودي يُختتن، ولكن والدته لم تقم بإجراء عملية الختان بسبب عدم ارتباطها بأي مشاعر دينية.

وفي حادثة اغتيال الدكتور محمود الهمشري، اتصل به شخص تحت غطاء أنه‏ “صحفي إيطالي” وطلب اللقاء معه، وتم تحديد موعد ومكان اللقاء، و”كان اللقاء في مقر سكن الهمشري” وفي أثناء غيابه عن المنزل دخلت وحدة من الموساد وغرست عبوة ناسفة‏ في مكان خفي تحت الهاتف. وعندما تواجد الهمشري في المنزل، رن جرس الهاتف وسأله شخص من الجانب الأخر الدكتور الهمشري أجاب: “نعم” .. وفي لحظة تم تفجير العبوة عن بعد وقتل الدكتور الهمشري في 8/12/1972           

ويستخدم جهاز “الشاباك” الإسرائيلي «غرف أمنية» في كل مشافي إسرائيل، تقوم بمتابعة المرضى والمرافقين معهم، حيث يتم استخدامها لعرض التعامل مع المخابرات بـ «طرق ماكرة»، من ضمنها «الأساليب الناعمة تحت مسميات إنسانية بهدف نسج علاقة مع المرافق أو المرضى بهدف إيصالهم لمرحلة الإسقاط في العمالة».

إضافة إلى صفحة “المنسق” الاسرائيلي على الفيس بوك، فهو يعرض على المواطنين الفلسطينيين تقديم الخدمة والمشورة في معاملات السفر والعلاج من قطاع غزة إلى المستشفيات الاسرائيلية، ولكنها في الحقيقة هي أداة لاستغلال أمراض الناس واحتياجاتهم للسفر في تجنيدهم للعمل مع المخابرات الاسرائيلية مقابل تسهيل احتياجاتهم.

وختاماً، على كل من يعمل في مجال مهم أو خاص يمكن أن يكون هدفاً للعدو، أن يتسلح بثقافة أمنية عالية اليقظة، وأن يتم فرض مسارات إجبارية على بعض العاملين في التواصل المهني، يُمنع عليه أن يتجاوزها، وأن يتم تسمية جهة أو إنشاء دائرة مختصّة تستقبل الاستفسارات حول اتصالات مشبوهة، وتوجيه أصحابها إلى أخذ الاحتياطات اللازمة، وهذا كله لا يغني عن وجود جهاز أمني مختص يحارب التجسس، يعتمد على برامج وإجراءات وقائية وأخرى علاجية، وأن يجيد التمويه والتخليط لكشف كل من وقع في حبائل العدو، والتعامل الحكيم والحازم في كل من تجاوز التعليمات والتوجيهات.

 

بقلم أ. محمد عبدالله لافي
كاتب ومختص في الشؤون الأمنية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *