عين على العدو

لقاءات في حانة تحت الأرض تكشف واقع المتدينين اليهود

حياة بالنهار وأخرى بالليل..

المجد – وكالات

في حانة تحت الأرض مضاءة بأنوار خافتة، تجمع نحو عشرين رجلا وامرأة تعارفوا عبر “فيسبوك” بأسماء مستعارة لينتقلوا بعدها إلى التعارف في العالم الحقيقي، وهم جميعا يخشون أن يشق صفوفهم “دخلاء” ويكشفوا أمرهم.
 
أحد هؤلاء شموئيل الذي يخفض رأسه محاولا إخفاء ملامح وجهه عندما يمر بجانب رجال من اليهود المتشددين يرتدون معاطف سوداء طويلة، وذلك لكونه واحدا من المتدينين المتشددين في النهار، لكنه يغير شكله ليلا ليتحول إلى ملحد يعيش حياة سرية.
 
ينتمي الثلاثيني شموئيل إلى جماعة “حريديم” الدينية المتشددة ، ويقول “لم أعد أؤمن بالله منذ عقد من الزمن”، لكنه لا يجاهر بذلك خوفا من خسارة عمله وأولاده.
 
التقت وكالة الأنباء الفرنسية شموئيل في حانة يمنع بتاتا على اليهود المتشددين ارتيادها. وفي هذه الحانة يلتقي سرا بيهود آخرين من المتشددين صاروا مثله يشككون في عقيدتهم لكنهم يستمرون في الحفاظ على مظهرهم الديني لتجنب نبذهم من مجتمعهم.
 
ويؤكد شموئيل “لا أحد يعرف عن حياتي السرية، لا زوجتي ولا والدي، لا أحد”.
 
ولقضاء الأمسية في الحانة، استبدل قبعة اللباد السوداء التقليدية بقبعة بحارة. ويقول “وضعت قبعتي في حقيبتي. سأعتمرها مجددا قبل عودتي إلى المنزل”.
 
وبذلك، يكون شموئيل ينتمي إلى مجموعة تعرف باسم “أوناسيم” بالعبرية وهم اليهود الذين تخلوا داخليا عن ممارستهم الدينية المتشددة. 

عشرات الآلاف
وتعمل جمعية هليل على مساعدة الأشخاص الراغبين في الخروج من مجتمعاتهم الدينية. ويقدر رئيسها يائير هاس عدد الأشخاص الذين هم في هذا الوضع بعشرات الآلاف.
 
ويقول “يدفع هؤلاء الأشخاص ثمنا باهظا إن رفضوا الحياة الدينية المتشددة علنا، فهم يواجهون احتمال فقدان التواصل مع أطفالهم ونبذهم من المجتمع الوحيد الذي يعرفونه، لذا يقرر البعض عدم المغادرة ويعيشون حياة مزدوجة”.

ويؤكد شموئيل أن الخوف الدائم من كشف أمره يلازمه كظله في الخفاء، ويتجاوز محظورات لا يوافق عليها بل يحتقرها، فيتناول مثلا لحم الخنزير.
 
ويروي أنه ذات يوم بدأت تساوره تساؤلات “عن التعاليم والقواعد الدينية الصارمة التي غرست فينا في عمر مبكر، إذ لم تعد الأمور منطقية بالنسبة لي”.
 
ويقول شموئيل مبتسما إن “الحضور جيد الليلة في الحانة”. وقد أبقى بعضهم على مظهر خارجي يشير إلى انتمائهم إلى الأوساط المتشددة الراغبين في مغادرتها، إذ أرخى الرجال لحى كثيفة مجعدة بينما ارتدت النسوة فساتين طويلة ووضعن شعرا مستعارا. وبدت الراحة على وجوههم بعدما تخلصوا داخل الحانة، من قلق الحياة المزدوجة.
 
وتوضح أفيغال التي وضعت شعر مستعارا أشقر “عندما أحضر إلى الحانة أقول لعائلتي إنني ذاهبة للقاء صديقاتي. في مرحلة معينة من حياتي راودتني فكرة الموت لصعوبة الحياة المزدوجة”. وتتساءل: هل سأقضي بقية حياتي على هذا النحو؟

حلقة ضيقة
ويشكل اليهود المتشددون نحو 10% من سكان إسرائيل البالغ عددهم تسعة ملايين. وتحكم كل جوانب حياتهم مبادئ دينية صارمة، وهم غالبا ما يعيشون في حلقة ضيقة.
 
ويؤكد هاس أن هؤلاء الأشخاص يواجهون وضعا صعبا، فهم “يحاولون البقاء في مجتمعهم ويتوقون في الوقت ذاته لعيش حياتهم الخاصة بحرية”.
 
ويضيف “هذا المجتمع سيعاقب بشدة إذا اكتشف أن أحدهم خرج عن التقاليد. وسيفقد الشخص عندها كل شيء من أطفال ووظيفة…”.

فقد حرم أفي تفيلينسكي (43 عاما) من رؤية أطفاله الستة منذ مغادرته جماعة “ناطوري كارتا “، وهي طائفة من اليهود المتشددين الذين لا يعترفون بدولة إسرائيل، ويؤمنون بأن الدولة اليهودية تقام فقط بمجيء المسيح.
 
ويقول إنه عاش حياة مزدوجة مدة 12 عاما إلى أن رن هاتفه المحمول في أحد أيام السبت مما تسبب بطرده من العائلة والجماعة. إذ يمنع على اليهود المتشددين استخدام الأجهزة الإلكترونية في عطلة السبت.
 

ويوضح أفي أن والده عقد اجتماعا للعائلة “وأعلن مراسم الحداد وأعلنني ميتا. أنا لم أسرق ولم أؤذ أي شخص. فقط اخترت حياة أخرى”. ومنع بعدها من رؤية أولاده أو الاتصال بهم.

ويضيف “علمت بعد ثلاث سنوات من طردي بأن أطفالي سيحضرون إلى سوق لشراء الحلوى فانتظرتهم جانبا إلى أن مروا بالشارع وتحدثت معهم، بعدما عرفوا صوتي عانقوني وضموني. استمر لقاؤنا خمس دقائق، آمل أن أراهم مرة أخرى”.
السينما والشعر المستعار
وتؤكد باتيا لورا دييل (40 عاما) أنها فقدت حضانة أطفالها الأربعة بعد افتضاح أمرها.
 
وتقول باتيا التي تدرس السينما في تل أبيب “كنت أغادر المنزل مرتدية الشعر المستعار والملابس الطويلة وأقوم بتغييرها في السيارة.. مجتمعي تعامل معي كمجرمة”.
 
ويتحدث يهودا شوشان (33 عاما) عن حياته المزدوجة التي عاشها مدة ثلاث سنوات، مؤكدا “كانت أصعب سنين حياتي”.
 
وترك شوشان حياة التدين قبل خمس سنوات وبات يعمل نادلا ويحظى بمساعدة جمعية “هليل”.
 
ويقول عن صعوبات الانفصال عن حياته السابقة والانخراط في مجتمع علماني، “تدخل عالما جديدا لا تعرف عنه شيئا”. لكن “الشعور بالحرية يستحق هذا العناء”.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *