عين على العدوفي العمق

ما بعد عملية “إلعاد”… توقعات سياسية وأمنية

 

إن صيحات الثأر التي انطلقت على ألسنة كثير من المحللين والقادة الأمنيين السابقين في كيان العدو بعد عملية إلعاد والتي وجهت ضربة ليست أمنية وعسكرية للعدو فحسب، بل كان وقعها المعنوي أشد بكثير إذ جاءت خلال ذروة احتفال العدو بإقامة كيانه الرابعة والسبعين واختتمها باقتحام عدد ضخم من المستوطنين الصهاينة في ساحات الأقصى والذي يعتبر هو الأكبر منذ بداية رمضان.

محرمات وتحريض

كل صيحات الثأر والتحريض الإعلامي في الكيان تمحور بالدرجة الأولى حول شخصية يحيى السنوار خصوصاً توافق استخدام “الساطور” في عملية العاد وهي ضمن الأدوات التي تضمنها خطابه قبل أيام خلال تحذيره من حرب دينية تشمل كل الشرق الأوسط لو تم انتهاك حرمة المسجد الأقصى.

ولكن كل هذا التحريض “والتنفيس عن حالات الغضب” لم يتمكن إعلام العدو من توجيهه إلى المنظومة الأمنية والعسكرية التي تعيش أكبر استنفار عسكري وأمني منذ سنوات طويلة، في كل بقعة من الكيان عقب عمليات بئر السبع والخضيرة وبني براك وتل أبيب، ولا حتى للمنظومة السياسية الرسمية والائتلاف الحكومي، والذي يعيش أسوأ لحظاته والتي تصدر مشهد إهانة بينت في ذكرى قتلى الجيش وزهايمر بارليف وتجميد راعام وتهديدات باروخ وشاكيد صورة واقعية لحاله التي ستكون يوم الأحد في أول اجتماع للكنيست بعد العطلة البرلمانية التي ستنتهي في 7 مايو.

ولتناول هنا ماذا يمكن أن يحدث؟

إن نجاح غزة في ربط الساحات وتفريق الدماء على كل الساحات الأخرى مع تمركزها في قلب الحدث وإدارة “المعركة بين الحروب” في معركة الأقصى الأخيرة جعلت العدو عاجز عن القيام بفعل مباشر ضد غزة، خصوصاً اغتيال شخصية بوزن يحيى السنوار والذي يعني معركة قاسية وقوية في ظل وضع سياسي مرتبك وتوقعات بحل الحكومة الحالية خلال أيام قليلة وانهيار للائتلاف القائم.

إن الضغط على الضفة الغربية عسكرياً بالذات مخيم جنين حاضنة المقاومة ومنطلق أغلب عمليات الذئب المنفرد خلال الفترة الماضية وهذا الذي دعا إليه كثيراً من المحللين بتكرار عملية السور الواقي 2″ لجنين ونابلس، ولكن المستوى العسكري رفض الفكرة بل قلصها بعد تكرار أخطاء “السور الواقي”.

فالظروف الميدانية تختلف عن السور الواقي في 2002 فالسلطة في أشد حالات ضعفها والمجموعات العسكرية موزعة في كثير من الأماكن والشخصيات المركزية والمحرضة قليلة والمسلحين جزء كبير منهم غير معروف، كل هذا إضافة لوقع مثل عملية بهذا المستوى على الفلسطينيين والتي ستشعل فتيل الشعور الوطني والتقليد وعمليات ثأرية لمن سيسقط لهم ضحايا.

إضافة لهروب منظومة العدو العسكرية من سقوط عدد ضحايا كبير من جانب قواته أو عدد يصل إلى مستوى “المجزرة” في صفوف الفلسطينيين وهذا الذي حدث بصورة مصغرة بعد عملية حمارشة والخازم مع عدم نسيان تهديدات الفصائل التي تحولت إلى درع حامي حتى لمخيم جنين إضافة للأقصى.

كما أن التوجه الدفاعي للمنظومة العسكرية تركز في إغلاق فتحات الجدار وتعزيز حماية خط التماس من المتسللين ونشر قوات ضخمة داخل الضفة الغربية وصلت إلى 25 كتيبة وقوات خاصة ونخبوية ظهرت لأول مرة في مدن الكيان كل ذلك فقط لنشر الشعور بالأمان المفقود عند الصهاينة وإعادة الثقة بالمنظومة العسكرية والأمنية للعدو في نظر المستوطنين.

ولكن لا يوجد إمكانية للهجوم أو تنفيذ عمليات عسكرية واسعة تستهدف شبح محرض يقف خلف منفذي العمليات الفردية، حتى لو بهدف كي الوعي وتسجيل نقاط في معركة الوعي القائمة.

ما الذي يمكن أن يقوم به العدو لوقف تحريض غزة؟

والذي يتهمها بأنها رأس الحربة في إثارة الرأي العام الفلسطيني والإسلامي والعربي ضد كيان العدو في ذروة المرحلة الحساسة والتي يسعى العدو فيها لتوسيع مساحة الدول المطبعة وقطف ثمار التهافت الرسمي لدول عربية وإسلامية على التطبيع معه؟

يجب ألا يتم الاستهانة بتهديدات العدو أو تسطيح إمكانياته في هذه الظروف المتوترة مع وجوب الانتباه للحافزية التي تدفعه لتسجيل أي انتصار في هذه المعركة المفروضة عليه من ناحية التوقيت والأدوات والساحات والتي استنزفت مقدراته وسحبته بعيداً عن خططه التدريبية والتجهيزية في معركته مع الملف النوي الإيراني والمقاومة على المدى القريب.

وإمكانية اغتيال قادة عسكريين أو شخصيات وازنة مثل السنوار أو العاروري أو حتى النخالة ربما يتم ولكن ليس بالطريقة العسكرية النمطية دون القاء اللوم عليه وتحمله فاتورة هذا الاغتيال من معركة قاسية أمام جبهة غزة.

كما أنه يملك أدوات أخرى من الضغط وتتمثل في مصر ودول إقليمية مثل قطر تركيا والمعابر والعمال والوضع الاقتصادي الذي يمكن أن يؤثر على الجبهة الداخلية في قطاع غزة لتتحول لأدوات ضغط على قيادة المقاومة للتخفيف من مستوى لهجاتها أو على الأقل إعطاء مبادرات “تنفيسية” بحسن النوايا، مثل موضوع الأسرى الصهاينة في غزة والذي قد يكون هدفها “إشغال ساحة العدو الداخلية فقط”.

ورغم أن هي الأدوات المتاحة ظاهرياً في الوقت الحالي من قبل العدو والذي سيسعى بأن ينجح في تلك الضغط للوصول إلى أكبر قدر من الإنجازات الميدانية والمعنوية مع عدم إغفال بأن المعطيات الإقليمية والدولية لا تعمل كثيراً في صالح استغلال العدو لمصر أو غيرها في هذه المرحلة كأداة ضغط “كاسرة للعظم” مثل سنوات حكم نتنياهو وولاية ترامب.

إلا انه قد يسعى إلى خلط الأوراق ونقل المعركة إلى ساحات غير متوقعة أو ساحات بعيدة عن يد المقاومة، كتركيا أو بيروت أو حتى دول شرق أسيا من شخصيات سياسية عسكرية وعلمية أو خطوط إمداد أو تمويل.

هل المنظومة العسكرية والسياسية في الكيان جاهزة لجولة تصعيد أو لهجمات على غزة؟

يجب أن نقرأ التركيبة السياسة داخل كيان العدو جيداً قبل أن نحدد مستوى المغامرة العسكرية ميدانياً والتي يمكن أن يسعى إليها العدو.

نلاحظ أن وزن بينت والمحيطين به عند المنظومة الأمنية والعسكرية ضعيف جداً، بل لا يذكر وله شواهد كثيرة والفاعل الحقيقي في هذا الوضع هو غانتس كقائد أركان سابق ووزير الجيش ومن ورائه كوخافي الذي بقيت له عدة شهور لانتهاء ولايته، والتي مددت قبل ذلك مرتين إضافة لوزير الأمن الداخلي بارليف “اليساري” و “المصاب بالزهايمر” وخلفه جهاز الشاباك والمنظومة الشرطية.

في حين أن الميدان لا يتحمل العبث والمغامرات السياسية الداخلية في كيان العدو ولا يتحمل نقل الخلافات السياسية إلى العمل الأمني والعسكري وهذا واضح جدا في فقدان غانتس من سيطرته لو جزئياً على تصرفات الجيش في البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية.

وفي المقابل القرار الميداني هو قرار أمني عسكري بامتياز يفرضه القادة الميدانيون وليس الوزراء أو الساسة أو حتى القادة من مكاتبهم والشواهد على ذلك كثيرة لهذا يمكن أن تتدحرج القرارات الميدانية المتسرعة في الضفة وقطاع غزة إلى كرة لهب متدحرجة تحرق المنطقة في ظل دعوات التسليح الضخمة وحمل السلاح وتغليفها حتى بفتاوى دينية يجعل أي مغامرة ميدانية أو ردة فعل دموية يمكن أن يجر المنطقة إلى أتون معركة غير مسبوقة.

مع عدم إغفال عامل فاعل ومهم في حالة التجاذب الميداني: “فلسطيني 1948 “وهم راس حربة المعركة الحالية وهبة الكرامة في معركة سيف القدس في العام الماضي وهذا الذي أثبتته معركة الأقصى خلال رمضان 2022 وما سبقه من عمليات بئر السبع والخضيرة.

مستقبل الائتلاف والتوقعات السياسية

 يوم الأحد سيكون أول يوم بعد إجازة الكنيست البرلمانية والمتوقع أن تجتمع الكنيست بكامل هيئتها مع توقعات بتقديم مشاريع من المعارضة بحجب الثقة عن حكومة بينت لبيد غانتس، وهذا يحتاج من الائتلاف أن يكون عنده أغلبية مريحة للتصدي لهذا الأمر وهذا غير متوفر.

حالياً فقط 60=60 في ظل تخوفات من استقالة باروخ وكارا وحتى شاكيد من كتلة يمينا، وانسحاب راعام تكتيكياً من الائتلاف نتيجة ضغوط قاعدته الشعبية بعد أحداث الأقصى وتأثير تحذيرات السنوار على صفوف راعام الداخلية وقاعدته الانتخابية.

ربما يتأخر انهيار الائتلاف بعض أيام أو حتى أسابيع، ولكنه سيبقى في حالة تجمد واستنزاف من المعارضة وعدم مقدرته على اتخاذ أو تمرير أي قوانين وازنة ومؤثرة في الكنيست، مع توقعات بالدفع إلى انتخابات خامسة يمكن أن تحدث في سبتمبر القادم.

إن الحالة السياسية الداخلية حالياً دفعت الجميع في الائتلاف من جهة والمعارضة للتعاطي مع هذه المرحلة كفترة دعاية انتخابية وساحة للمزاودات الحزبية والاصطفاف إلى مواقف ترضي القاعدة الانتخابية وتعزيز مواقف تساعدها في استقرار قاعدتها الانتخابية على أقل تقدير.

 من سيدفع الثمن؟

هناك جهات ستكون من يدفع ثمن مرحلة كسر العظام السياسية في كيان العدو وعلى راسها “بينت وراعام ، فبينت الذي خان قاعدته اليمنية المتطرفة وترك مستشارته “شمريت مئير” ذات التوجهات “الاوسلوية” تسيطر عليه وإثارة “غيرة النساء” في حزب يمنا، خصوصاً شريكته الأساسية شاكيد والتي تظهر مواقفها الأخيرة بأنها تحلق بعيداً عن بينت.

إضافة للاستقالات من كتلته البرلمانية “شكلي” وعيديت سليمان وتهديدات كارا وباروخ فمن سيبقى معه غير ماتان كهانا والذي اشعل حرباً داخلية على المقدسات والمسلمات الدينية اليهودية مع كل الأحزاب الحريدية والدينية في كيان العدو.

إن توليفة المفدال والصهيونية الدينية والتي نجح فيها بينت وشاكيد على مدار العقد الماضي قد آن الأوان لوضع خاتمة لها مع توقعات بعدم حصول حزب بينت حتى على نسبة الحسم وانتهاء حياته السياسية بجلوسه على دكة الاحتياط في انتظار انتخابات قادمة ربما سادسة ليجرب حظه فيها، مع توقعات بقفز كل من حوله من سفينته الغارقة قبل وصولها إلى قاع مصيرها السياسي المحتوم.

كما سيدفع الثمن برغماتية منصور عباس التي وصلت إلى درجة التصهين المعلن والصفيق والتي سيدفع ثمنها داخلياً في حزبه وأساساً من قاعدته الانتخابية والتي تألفت من رؤساء مجالس وبلديات سعت للحصول على موازنات حكومية وتحسين ظروف المعيشة مهما كان الثمن من المواقف أو حتى الدوس على الثوابت الدينة والوطنية.

هل انتفاضة الذئب المنفرد ستتوقف؟

لا يتوقع أن تنتهي هذا الموجة من عمليات الفردية والتي وجدت لها وقوداً من الإلهام والتقليد إضافة لحاضنة إعلامية شعبية ووطنية ظهرت في تماهي وتشجيع جارف على منصات التواصل الاجتماعي في ظل تأكيدات كل المؤشرات بتكرار هذه العمليات بطريقة أكثر احترافية وأكثر تخطيطاً وطبعاً أكثر إيلاماً للعدو في ساحات غير متوقعة داخل المدن الصهيونية.

هل يمكن لبينت والائتلاف أن يقوم بمغامرة عسكرية هروباً للإمام من أزمته السياسية ودعاية انتخابية يحفظ بها ماء وجهه؟

هذا غير متوقع، فالمنظومة العسكرية في كيان العدو في أوج استنفارها غير مستعدة لدفع ثمن أي مغامرة سياسة تفرض عليها خصوصاً أن اليد الطولى في المنظومة العسكرية بيد غانتس والذي يسعى لاستثمار امتلاكه مفاتيح المنظومة العسكرية إلى فرض أجندته الداخلية دون أن يجبر على دفع أثمان الفشل السياسي لبنت وحزبه أو راعام وبرغماتيته المفرطة في ظل نجاحه في تسويق نفسه داخلياً وإقليماً بأنه صانع الملوك وزعيم معسكر الوسط في الكيان والقادر على إخراج مصطلحات السلام والعملية السلمية من ثلاجة الموت ووضعها على أقل تقدير على سرير العناية المركزة ضمن إطار “السلام الاقتصادي”.

أسطول محور القدس

تغافل كثير من المحللين عما صرح به السنوار ببدء وصول سفن وقوارب من جهة محور القدس ذهاباً واياباً إلى ميناء غزة، فهل سيكون مصيرها مثل مصير أساطيل كسر الحصار وأسطول الحرية قبل أكثر من عقد من الآن، أم سترافقها قطع عسكرية إيرانية في تحدي واضح لمنظومة العدو العسكرية، وما سيكون مصير هذه الخطوة من مواجهة ميدانية وتحرش عسكري بحري في نقل ساحة المواجهة إلى حضن العدو وحديقته الخلفية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى