مدونة المجد

نفق الحرية والانعتاق القادم

(مدونة المجد)

أقمار فلسطين الستة بعمليتهم الفذة يمزقون أمن العدو وينكسون أعلامه ويحفرون بسلاحهم الفتاك (الملعقة) وإرادتهم الفولاذية التي لا تثلم ولن تثلم، فيتفتت الصخر بكل الحنو تحت أصابعهم المتعبة، وتنبعث في الأرض الطيبة الوديان تحميهم، والشجيرات المتسلقة تغطيهم من هجير الشمس، وتعمي عنهم عيون العسس وكلاب أثر بني الجلدة.

القلوب تهفو وتدعو لهم بأن ييسر أمرهم حتى الوصول إلى بر الأمان، وقد حققت هذه الأيقونات لأبنائنا الأعزة نصرًا مؤزرًا جديدًا بحجم المعجزة.

المراسل إهود حمو في أخبار القناة 12 يصف ما يجري -وهو الصهيوني- بأنه إنجاز معنوي أخلاقي فلسطيني يكاد يكون غير مسبوق، وهو يأتي بعد مقتل القناص باريل شمولي على سياج غزة، هكذا يرى الجميع أن هذا الربط بين الأمرين الصادمين بات حقيقيًّا وحاسمًا بكل المعاني، وسيكون ما بعده غير ذاك الذي سبقه تمامًا.

العدو يضرب أخماسًا بأسداس، فهو يستدعي وحدة لاهاف 433 المختصة لتحقق مع قادة وضباط وحراس سجن جلبوع واحدًا واحدًا، وقد اختلط عليهم كل شيء، ويشكون في كل شيء، ويرون أن هناك تدخلًا ومساعدة إما من داخل السجن أو من خارجه، الخيال العاجز لاستخبارات العدو يدفع واحدًا من جنرالاته للتأكيد أن واحدًا من الأسرى الفارين حصل على التصميم الهندسي للسجن؛ فتمكنوا من معرفة نقاط ضعف البناء.

أما جنرالاتهم فقد بدؤوا السخرية من رئيس الوزراء نفتالي بينيت، ومن “السيد فشل” الذي سبقه، حتى سقط من عليائه بنيامين نتنياهو حين قال واحدًا من أهل البيت: “على بينيت ألا يقلق لأن السجناء بدؤوا حفره إبان ولاية نتنياهو”.

المراسلون العسكريون في دولة العدو لم تمر عليهم فرية أن سلطات السجن لم تتنصت على اتصالات السجناء عبر أجهزتهم الذكية المهربة، وكان قد ركب أكثر الأجهزة تطورًا لتعقب وجود أجهزة خلوية أو مراقبة أي اتصال يجرونه، ولكن الأسرى خبروا عن ظهر قلب متى وكيف يجرون محادثاتهم، ومعلوم أن سجن جلبوع كان الأكثر تحصينًا وحراسة على الإطلاق، وهو الذي يضم في جنباته من يسمونهم الأسرى الأخطر، وهم المحكومون مدى الحياة، أولئك الذين نفذوا العمليات داخل فلسطين المحتلة عام 1948 أو الذين قتلوا جنودًا أو مستوطنين، هؤلاء تسمى زنازينهم “الخزنة” أي المحصنة بما يفوق الخيال، وتمتد مراقبتهم على مدار الساعة وفي أوقات غير منتظمة عدة مرات كل يوم وكل ليلة.

رامي عفوديا مسؤول سجون سابق علق بأن عملية فرار السجناء الستة قد توازي تقصير حرب عام 1973، الذي شكل في ضوئه لجنة “أغرانات” وما سمي “هامحدال”، فحوكمت وسقطت في إثره رؤوس كثيرة وكبيرة، وحين يتتبع هذا الاختراق العميق لمنظومة العدو الأمنية يتضح حجم إرادة المقاوم الفلسطيني، الذي تمكن من سبر غور كل ما يدور من حوله، والتخطيط بكل دقة بعد دراسة مستفيضة لنوبات الحراسة وعديدها وتسليحها، وطبيعة أداء كل نوبة منها، ونقاط قوتها وثغراتها.

أما حجم مخرج النفق فلم يزد على 40 سم فقط، ما يعني أن هؤلاء الأسرى قد تدربوا على صيام قاسٍ وعلى نظام تغذية صارم ليصبحوا بقوام يمكنهم من الولوج في عالم الانطلاق نحو الخلاص والحرية، لقد وصفه وزير جيش الاحتلال بأنه حدث أمني خطر جدًّا، وهو الذي يعقد اجتماعات مفتوحة مع رئيس الشاباك نداف آرغمان ورئيس شعبة العمليات عوديد بسيوك وقائد المنطقة الوسطى يهودا فوكس، يتابعون من كثب تطورات كل جهد استخباري عملياتي.

محاولات الخروج من هذا المأزق الإستراتيجي تصيبهم بالدوار، رغم أنهم قالوا مرارًا وتكرارًا إنهم تعلموا الدرس جيدًا، لأن سجن جلبوع تحديدًا حدث فيه ثلاث محاولات سابقة لكسر القيد، وكانت الأولى عام 1958، والثانية عام 1991 حين حاول القادة يحيى السنوار رئيس حركة حماس في قطاع غزة واللواء توفيق أبو نعيم وكيل وزارة الداخلية السابق ومحمد شراتحة، وجميعهم خرجوا أحرارًا في صفقة وفاء الأحرار المجيدة عام 2011، والثالثة كانت عام 2014 حين هرب 66 أسيرًا، استشهد منهم 11 مناضلًا، وقتل جنديان من جيش الغزاة.

يقف العدو اليوم على قدم واحدة يحرك طائرات الهليكوبتر والاستطلاع بالعشرات وفي الاتجاهات الأربعة، ومشاته وكلابه البوليسية، وشرطته، وقد أصدر أوامره بالاستنفار في المعابر وكل نقاط التماس، ونشر قوات النخبة ووحداته الخاصة حول مخيمات وقرى ومدن الضفة، وعلى نهر الأردن وحدود لبنان، وسياج غزة الفداء، وقد خص محافظة جنين بحشد من قواته، فأبطال نفق الحرية ينتمون إليها وقد أذاقوا العدو مرارة الهزائم وطعم الهوان في أزقتها.

نفتالي بينيت رئيس وزراء العدو يترنح من رجع صدى “الكُوَّتَين”: تلك التي أودت بالقناص على تخوم غزة، وتلك التي هزت استخباراته في سجن جلبوع (شطا)، وهو الذي يعلم أن القادم أعظم، رجال يحملون عن جدارة جينات القوم الجبارين، ولكل منهم سفره البطولي المتفرد، معمدًا بدم طهور، وعذابات سيتجرع العدو بانعكاساتها علقم هزائم ستودي بكيانه قريبًا، إن شاء الله، ومنهم البطل أيهم الكممي الذي كان من أسود عملية “غضب الفرسان” حين أسر الجندي الصهيوني إلياهو أشري، فطورد في إثرها طويلًا، واستطاع الإفلات ثلاث مرات من محاولات أسره، ونجاه الله من 6 محاولات اغتيال، وعندما تمكنت منه سلطة حركة فتح وأودعته السجن استطاع الفرار عام 2004، فطارده الشاباك بمستعربيه دون جدوى، حتى غدرت به أجهزة عباس المتصهينة وألقت عليه القبض، ثم سلمته للاحتلال، كما طعنت من الظهر المئات من المناضلين ليصبح واحدًا من أبطال سجن جلبوع.

إن قضية أبطال نفق الحرية والاستقلال قضية كل الشعب الفلسطيني من أقصاه إلى أقصاه، شعب مرابط صامد سيحميهم بحدقات العيون، وسيكون سياجهم وحصنهم، ولن يخذلهم، وهم الذين دافعوا عنه بربيع العمر، ويعلم العدو يقينًا أن هذا الخروج الكبير من ذاك الباستيل الدموي النازي سيكون علامة فارقة لن تمحى، ونقطة تحول للبدء في العد التنازلي لنهاية بيت العنكبوت الواهن، وليدون التاريخ في أبهى وأشرف وأنصع لحظاته أسماء هؤلاء الفرسان الذين آثروا حرية شعبهم ووطنهم، أيًّا كان الثمن .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى