المخابرات والعالم

هل تؤدي الحرب في أوكرانيا إلى صراع إلكتروني واسع النطاق؟

المجد – وكالات

لم تكتف روسيا بإطلاق صواريخها نحو مدينة كييف فقط بل توجهت نحو شبكات الحاسوب الخاصة بأوكرانيا، وهو ما سيؤدي إلى صراع إلكتروني أوسع نطاقًا.

وذكرت صحيفة “الإيكونوميست” (Economist) البريطانية، في تقرير لها، أنه في 23 فبراير/شباط بينما كانت أوكرانيا لا تزال تستعد للحرب المتوقعة، توقفت مواقع البرلمان الأوكراني والعديد من الوكالات الحكومية عن العمل، وفي 15 و16 فبراير/شباط وقع الهجوم الرقمي نفسه على مواقع الحكومة الأوكرانية والبنوك، وهو الهجوم الذي سرعان ما نسبته أميركا وبريطانيا وحكومات أخرى إلى وكالة المخابرات العسكرية الروسية، كما وقع في الشهر الماضي تشويه مواقع العديد من الوزارات الحكومية برسالة مفادها “احذروا وتوقعوا الأسوأ”.

وتتساءل الصحيفة عن مدى سوء الحرب الإلكترونية الحديثة، وهل ستتأثر البلدان الأخرى؟

وقال كياران مارتن، الرئيس التنفيذي المؤسس للمركز الوطني للأمن الإلكتروني والذراع الدفاعية لمكاتب الاتصالات الحكومية البريطانية (gchq)، “لطالما كانت أوكرانيا ملعبًا إلكترونيًّا لروسيا”.

ففي عام 2016 عطلت البرامج الضارة الروسية المشتبه بها شبكة الكهرباء في أوكرانيا، وقطعت الكهرباء عن خُمس مساحة كييف في منتصف شتاء قارس، وذلك باتباع طريقة هجوم “دودة ستكس نت” الأميركية-الإسرائيلية التي عطلت أجهزة الطرد المركزي الإيرانية لتخصيب اليورانيوم، حيث استهدف هذا الهجوم الأنظمة الوقائية التي تغلق الأنظمة الكهربائية عند حدوث ظروف غير طبيعية، وبعد ذلك بعامين قالت أوكرانيا إنها أوقفت محاولة روسية يشتبه في أنها حاولت تعطيل مصنع الكلور.

وتوضح الصحيفة أن الهجمات الأخيرة لم تكن معقدة للغاية، حيث اتخذت شكل هجوم يتسبب في حرمان من الخدمة (ddos)، وهو طريقة لإشعال الاضطراب في حركة المرور، بحيث يمتلئ موقع الويب بطلبات زائفة للحصول على معلومات. وقال كريس كريبس، الرئيس السابق لوكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأميركية (CISA)، إن تأثيرها كان ضئيلًا، وإن هدفها كان تشتيت الانتباه والإرباك.

وترى الصحيفة أنه لطالما كانت عمليات شبكات الحاسوب -المصطلح الذي يستخدمه المحترفون غالبًا عوضًا عن “الهجوم السيبراني”- جزءًا كبيرًا من الحروب، مشيرة إلى أن أميركا وبريطانيا قد تحدثتا علانية عن عملياتهما الهجومية السيبرانية في الحملة ضد تنظيم الدولة في العراق وسوريا.

وتؤكد الصحيفة أنه مع عبور قواتها الحدود، فمن المرجح أن تتبع روسيا الأساليب نفسها ضد أوكرانيا، وذلك لدعم هجومها العسكري بتعطيل الدفاعات الجوية الأوكرانية وزعزعة استقرار الحكومة في كييف بنشر معلومات مضللة.

البرامج الضارة الروسية قطعت الكهرباء عن خُمس مساحة العاصمة كييف في منتصف شتاء 2016

وحسب الصحيفة، فإن المسؤولين الغربيين يشعرون بالقلق من انتشار أي نزاع إلكتروني في أوكرانيا، سواء أكان عرضيًّا أم متعمدًا، ففي عام 2017 تسبب الهجوم الإلكتروني “نوت بيتيا” على أوكرانيا، الذي قام بتشفير البيانات على أجهزة الحاسوب، في أضرار بلغت قيمتها 10 مليارات دولار في جميع أنحاء العالم، وأُلقي اللوم حينئذ على روسيا، كما أن وكالة الهجرة الكندية (CISA) أصدرت -هذا الشهر- تحذيرًا للمنظمات الأميركية مفاده أن روسيا يمكن أن تصعّد من الصراع وتؤثر على الآخرين خارج أوكرانيا.

وتضيف الصحيفة أن كلًّا من أميركا وبريطانيا ساعدتا أوكرانيا على تعزيز دفاعاتها الإلكترونية في الأشهر الأخيرة، وقد تساعدان في صد الهجمات على البلاد، لافتة إلى أن الخط الفاصل بين الدفاع والهجوم على شبكات الحاسوب لا يكون واضحًا دائمًا، كما أن مبدأ أميركا “الدفع إلى الأمام” يؤكد استعدادها للدفاع عن الشبكات الأوكرانية من خلال وقف الهجمات في المصدر -أي داخل الشبكات الروسية- إذا ما تطلب الأمر.

وتشير الصحيفة إلى أن الحكومات الغربية قد تسعى أيضًا إلى تعطيل الشبكات العسكرية الروسية أو الاتصالات أو العمليات “الإدراكية”، مثل تغيير البيانات لإرباك القوات الروسية أو تضليلها. ويقول ماركوس ويليت، النائب السابق لرئيس مكاتب الاتصالات الحكومية البريطانية، “لقد تجاوز الروس الهدف، وقد حان الوقت للرد السيبراني، كما أن هناك إغراء كبيرا للوصول إلى العمليات الإلكترونية، لأنهم يشعرون بأنهم أقوى من العقوبات ولكن ليس على مستوى إطلاق الصواريخ”.

وتقول “الإيكونوميست” إن مفاهيم الردع والإشارات والتصعيد في الفضاء السيبراني لا تزال في طور التطور، بخاصة أن البنية التحتية الغربية تعدّ أكثر ضعفًا، نظرًا لأن كثيرا منها يعتمد على شبكات الحاسوب، محذرة من أنه إذا ما بدأت مواجهة مع الشبكات الروسية فقد يكون الروس في وضع جيد للقيام بأشياء مماثلة على الشبكات الحليفة.

ووفقًا لشخصيات أميركية بارزة -كما نقلت الإيكونوميست- فهناك خطر يكمن في سوء تقدير المخاطر، حيث يحذر مارك وارنر، وهو ديمقراطي يرأس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، من أن معايير الردع والتصعيد السيبراني غير مفهومة جيدا، وهو ما يرسم سيناريو يتسبب فيه هجوم إلكتروني روسي في إلحاق ضرر متعمد أو غير مقصود بالمدنيين في أوروبا، مما يدفع الناتو إلى الانتقام.

وتنقل الصحيفة عن كياران مارتن تأكيده أن هذه المخاطر من الناحية العملية قد تكون قابلة للإدارة، حيث يتلخص هدف روسيا في إبعاد حلف الناتو عن الحرب في أوكرانيا بدلًا من جرها إليها، كما أضاف “من المرجح أن ينظر الكرملين إلى التصعيد عبر الإنترنت بالطريقة نفسها التي من المحتمل أن ينظروا بها إلى التصعيد عبر وسائل أخرى”.

ويختم بالقول إن “موسكو لن تشنّ هجومًا إلكترونيًّا تخريبيًّا ضد الغرب إلا إذا كانت مستعدة للتصعيد إلى منطقة الخطر حقا”.

وتعتقد الصحيفة أنه لا يمكن تأكيد التصعيد، بمجرد استخدام القوة السيبرانية، مستشهدة بما قالته جاكلين شنايدر، الزميلة في معهد “هوفر” بجامعة “ستانفورد”، عن المناورات المتعددة الجنسيات التي أجريت بين عامي 2017 و2020، إذ رأت أن المشاركين كانوا أكثر عرضة لاستخدام العمليات الإلكترونية لجمع المعلومات الاستخباراتية، ودعم العمليات العسكرية في ساحة المعركة بدلًا من استهداف البنية الأساسية، مضيفة “سنرى كثيرا من العمليات الإلكترونية في الصراع القائم بين روسيا وأوكرانيا، لكنها لن تكون العامل الأساسي الذي يدفع بالعنف أو يؤدي إلى تصعيد مع دول أخرى في المنطقة”.

وتشير الصحيفة إلى أن أميركا وحلفاءها ينتقدون بشكل روتيني روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية لسلوكهم غير المسؤول في الفضاء الإلكتروني، مبيّنة أنهم سيكونون حذرين من اللجوء إلى وسائل مماثلة، مثل الهجمات التخريبية على البنية التحتية المدنية.

المصدر: إيكونوميست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى