الأمن التقنيالمخابرات والعالم

هواوي تشعل الخلاف بين المخابرات البريطانية والأميركية

رعب التجسس الصيني..

المجد – وكالات

تواجه صداقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ملفا شائكا قد يكدر صفو هذه العلاقة، بعد أن وصل الخلاف بين واشنطن ولندن إلى موضوع حساس يتعلق بالتعاون المخابراتي والأمني بين البلدين إثر تفاوت التقدير حول قدرة شركة هواوي الصينية على التجسس والحصول على معطيات أمنية عالية السرية.

المخاوف الأميركية المتزايدة من إمكانية منح بريطانيا الشركة الصينية حق وضع البنيات التحتية للجيل الخامس من الإنترنت “5G”، عبر عنها وفد أمني أميركي رفيع المستوى وصل العاصمة لندن لتقديم ما أسماه أدلة جديدة حصلت عليها المخابرات الأميركية تفيد بوجود مخاطر من استغلال الصين لهواوي كمنصة للتجسس على تبادل المعلومات الأمنية بين البلدين.

ولا يظهر أن المسؤولين الأميركيين نجحوا في إقناع البريطانيين بالتراجع عن الفكرة، وحسب تسريبات من الاجتماعات المطولة بين الطرفين، فقد أكد مسؤولو المخابرات البريطانية أن الوفد الأميركي لم يأت بجديد، وكل المخاوف التي عرضوها سبق للجانب البريطاني أن وضعها في الحسبان قبل اتخاذ أي قرار.

بريطانيا بين نارين
الضغوط الأميركية على لندن للتخلي عن فكرة التعاون مع هواوي ليست وليدة اللحظة، بل امتدت لأشهر حتى قبل وصول جونسون إلى رئاسة الحكومة. إذ اضطرت سابقته تيريزا ماي لإقالة وزير الدفاع آنذاك غافين وليامسون، عقب تسريب تفاصيل اجتماع أمني مع مسؤولين من “هواوي” لوضع اللمسات الأخيرة على إطلاق خدمة “5G”.

وتقول الحكومة في المملكة المتحدة إنها تقدم على هذه الخطوة وهي مرغمة، وتخاطب الأميركيين على لسان جونسون بأنه “ليس هناك بديل”، ومن ينتقد هذه الخطوة فعليه تقديم “حل آخر مقنع لأن المواطن البريطاني يستحق منحه أفضل التكنولوجيات الممكنة”.

ويضع جونسون في اعتباره أهمية التعاون والتنسيق الأمني بين لندن وواشنطن، وحاول توجيه رسائل طمأنة للأميركيين بأنه لن يقدم على خطوة قد تعيق تبادل المعلومات الأمنية مع الولايات المتحدة.

ويجد جونسون نفسه بين نارين، بداية بفقدانه الوضع المتقدم في التعاون المخابراتي مع الاتحاد الأوروبي بعد “البريكست”، ومن ثم الخشية من فقدان أهم حليف لبريطانيا وهي الولايات المتحدة.

وكانت ميزانية الدفاع الأميركية لسنة 2020 نصت صراحة على ضرورة نظر الأجهزة المخابراتية الأميركية في مدى استخدام البنية التحتية الخاصة بالاتصالات القادمة من “خصوم” الولايات المتحدة وخصوصا الصين وروسيا، قبل عقد أي اتفاق تبادل معلومات أمنية مع أي دولة.

لا بديل عن “هواوي”
ويرى رئيس شعبة الأمن المعلوماتي في جامعة شرق لندن أمير نمرات أنه لا يمكن الاستغناء عن إنترنت الجيل الخامس، موضحا أن بريطانيا تتعامل مع هواوي في كل ما يتعلق بالخوادم والبنية التحتية الخاصة بالاتصالات منذ عام 1990، وأكبر شركات الإنترنت في بريطانيا تربطها علاقات قوية معها، بالتالي “فمن غير المعقول التخلي عن استثمارات دامت لأكثر من ثلاثين سنة”.

وينبه خبير محاربة الجريمة الإلكترونية في حديثه مع “الجزيرة نت” إلى أن استبدال هواوي بأي شركة أخرى سيتطلب استثمارات بعشرات المليارات من الدولار، وضرب مثلا أميركا “التي ستجد نفسها متأخرة عن العالم حوالي ثلاث سنوات” في حال استمرت في مقاطعة الشركة الصينية.

ويؤيد نمرات الفكرة التي تقول إن البريطانيين ليس أمامهم بديل آخر، فإلى جانب الشق الاقتصادي هناك الاعتبار التقني “لحد الآن لا توجد شركة يمكن أن تنافس هواوي في ما يتعلق بإنترنت الجيل الخامس”.

وأضاف أنه لا يوجد أي دليل على الاتهامات الموجهة للشركة الصينية، وهو ما يفسر في نظره اللهجة التي اعتمدها البريطانيون في رفض المطالب الأميركية لإنهاء التعاون مع هواوي.

مستعمرة رقمية
وبالانتقال لفرضية قدرة الشركة الصينية على اختراق الأنظمة الأمنية البريطانية، يقول نمرات إن هواوي قادرة على فعل ذلك ما دامت صاحبة البنية التحتية الخاصة بالاتصال عن طريق الإنترنت “5G”، مما يوفر لها إمكانية الحصول على المعطيات الخاصة والأكثر حساسية، وهذا وضع سيجعل من بريطانيا “مستعمرة رقمية للصين”.

لكن هذه الفرضية تبقى بعيدة بالنظر إلى الخطوات التي اتخذتها الشركة لطمأنة الأوروبيين، ومن بينها تأسيس مركز للأمن المعلوماتي يتيح لهم معرفة كيف تسير هواوي أنظمتها الأمنية والمعلوماتية، “كما اقترحت عليهم أيضا منحهم الكود الأصلي لاشتغال أنظمة اتصالات الشركة وهو إجراء يمنح للدول الغربية معرفة كل تحركات الشركة”.

ويرى نمرات أن هدف هواوي حاليا هو تكريس التفوق التكنولوجي الصيني بعيدا عن التجسس أو الدخول في الصراعات الأمنية “لأنه لا مصلحة لها في خسارة الكثير من الأسواق المهمة”.

وخلص المتحدث إلى أن أجهزة المخابرات البريطانية قد وضعت أسوأ السيناريوهات في حسبانها، وتعرف حساسية الموقف جيدا “ولا يمكن أن تقدم للصين كل أسرارها الحساسة على طبق من ذهب، كما أن شركة هواوي لن تغامر على المدى القريب على الأقل، لأن خطوة كهذه ستكون بمثابة نهاية لوجود الشركة في العالم الغربي”.

ورغم ذلك، يظل السؤال المطروح: لماذا لم تسع الشركات البريطانية إلى تطوير هذه التكنولوجيا بنفسها؟ 

بالنسبة للمستقبل تحتاج شركات التكنولوجيا البريطانية إلى التوقف عن استخدام تكنولوجيا الجيل الخامس من هواوي والاستثمار في شبكات الجيل السادس وما بعدها، وتحتاج المملكة المتحدة إلى الاستثمار في الابتكارات المحلية وعدم اللجوء إلى التكنولوجيا الصينية إذا أرادت ألا تضع نفسها في هذا الموقف مجددا.

المصدر/ الجزيرة نت

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *