مدونة المجد

✍️مكانة الدين في الدولة العبرية

بقلم: محمود مرداوي

(مدونة المجد)

إن دوافع اختيار الحركة الصهيونية فلسطين وطناً بديلاً لليهود على حساب الفلسطينيين، إضافة إلى الإمكان الذي تحقق من خلال استغلال الظروف الدولية في حينه.

فالربط ما بين الهوية القومية التي صممها هرتزل وعتاة فكرة الوطن المخلص من ضنك حياة الجيتو والاضطهاد الأوروبي في زمن حمى الدولة القومية بعد الثورة الصناعية التي سادت في أوروبا والتي قضت على منطق الجيوش المرتزقة ومتنت الخصوصية الثقافية واللغة المميزة، فأصبحت فرنسا للفرنسيين، وإيطاليا للإيطاليين، وألمانيا للألمان، فلم تعد تتقبل الأقليات الثقافية الأخرى.

وكانت اليهودية الأكثر اضطهاداً كونها أكثر إسهاماً في استغلال وابتزاز الشعوب، حيث أدخلت الحركة الصهيونية بعد ما عانت من هذه العنصرية التي اجتاحت أوروبا ضد الأقليات إلى جانب عنصر الدين، فدمجت ما بين صياغة هوية سياسية ودينية على قاعدة لا بد من إقليم تتحقق فيه النقاط ال 14 التي أقرها اتفاق سان ريمو حتى يُعترف بالأقلية العرقية قادرة أن تدير نفسها بنفسها في إطار كيان وحكومة خاصة، فاختارت الحركة الصهيونية فلسطين كإقليم بعد أن فشلت بإقناع اللاعبين الدوليين باختيارات أخرى مثل الأرجنتين والعريش إلخ..

واستدعت الضلع الآخر وهو الدين كمكون أساسي في الهوية المصطنعة استناداً على التاريخ من حكم سيدنا سليمان وداود جزء من فلسطين تسعة عقود لتعزز رابطة الانتماء القومي والديني للهوية الاستعمارية المصممة على هوى بناة الكيان وآبائه المؤسسين، فالحركة الصهيونية ليست انقلاباً على الدين كما يتوهم البعض.

فهي وظفت الدين، وما قرار إبقاء الوضع الراهن على ما هو عليه والذي كان قائماً في حارة اليهود (الجيتو) أيام الدولة العثمانية يعد استسلاماً وخضوعاً للدين في تفاصيل الحياة والذي ما زال معمولاً به حتى يومنا هذا، وما يشاع أن اليهود الحريديم ضد الاحتلال في فلسطين والأقصى فهو نظري لا انعكاس له في الواقع، ولم يعد يؤمن به إلا حركة يهودية حريدية قليلة العدد معدومة التأثير ناطوري كارتا (حراس المدينة) التي انشقت عن يهدوت هاتوراة في الـ1935.

أما شاس ويهدوت هاتوراة والصهيونية الدينية ويمينا والتيار الديني في الليكود و”أمل إسرائيل” و”إسرائيل بيتنا” كلهم يستخدمون الدين ويركبون عليه في مجمل سياساتهم، ناهيك عن أن المجتمع الصهيوني في الداخل مولع بشعاراتهم ويؤمن بأهدافهم، وإن تباين معهم في طريقة التطبيق.

بينما اليهود الأرثوذوكس خارج فلسطين ولا سيما الأكثرية في الولايات المتحدة، فهم داعمو المشروع مالياً وسياسياً ودبلوماسياً من خلال التفويض (التشارتر) عند البحث عن فرص قيام الدولة والفيتو في مجلس الأمن لحمايتها وضمان بقائها، فهم وإن تبدى أنهم ضد المشروع نظرياً، لكنهم من أكبر داعميه فعلياً.

موقف بن غوريون من حضور الدين في هوية الدولة تمت قراءته بشكل مناف للمقصود الذي أراد عندما اعتبر فكرة عودة الماشيح فكرة شديدة السلبية لكونها تعيق إتمام مشروع الدولة اليهودية التي صممت في كتاب هرتزل الذي سُمي (الدولة اليهودية).

بما لا يتناقض مع رأي ماكس نوردو الذي فصل البُعد العملياتي من خلال إدارة الهجرات المتتالية من روسيا إلى فلسطين في نهاية القرن السابع عشر، والذي رفض انتظار المعجزات على حساب الجهود الخاصة لصنع الخلاص بالتوافق مع زميله كولنسكين أحد اهم الرواد المطالبين بتنفيذ حملات الهجرة للاستيطان في فلسطين من أوروبا الشرقية، معتقدين أن هذا الجهد المبذول هو تنفيذ المعجزات التي وعد فيها (شعب الله المختار) ولا تعارض بين الدين والعمل للتسريع في تحقيق المشروع الصهيوني من وجهة نظرهم.

نجحت الحركة الصهيونية في الوقت ذاته في عزل الدين عن ساحة المعركة لتجنب صراع مفتوح تحت شعار الهوية الدينية يهودي مقابل مسلم (يعني ملياري مسلم تقريبا مقابل 15 مليون يهودي) والذي كان سبباً أساسياً في تحشيد الطاقات وتجنيدها في خدمة المعركة من حيث ضبط الإدارة بقوة الطاعة المبصرة، ورفع مستوى التضحية والفداء في وقت الشدة وفي أثناء الملحمة، لأن الدين قدم أجوبة حقيقية تجزي من يقدم نفسه لقاء الدفاع عن وطنه ومقدساته.

فالتاريخ معطيات وأحداث ومحطات يُضبط كماً ونوعاً من حيث عدد الحروب والمعارك التي انتصر فيها المسلمون، ونوعاً من حيث تأثيراتها الفارقة على امتداد التاريخ ولم يُسجل للعرب ولا المسلمين انتصارات في معارك كثيرة دلالاتها عظيمة بمعزل عن رمزية الدين.

إن حربنا مع الصهاينة حملت رمزيات دللت على هوية المواجهة وسماتها، حيث تركزت العمليات في مواجهة الزي الأخضر تعبيراً عن الجيش الصهيوني الذي يحمي المشروع الصهيوني، والمستوطن الذي شكّل رأس الجسر في تنفيذ مشروع المبشرين اليهود للكيان على أرض فلسطين، فقد كان تحرك العقل والإدارة والتخطيط في أوروبا الغربية والأرجل والأقدام للهجرات الأولى الاستيطانية التي مثلت الجانب العملياتي انطلقت من أوروبا الشرقية.

فجملة من التناقضات التي تخدم تصميم الهوية الاحتلالية للكيان تخدم جانب من مواجهتنا لها سياسيا، وتنسف قاعدة أساسية تعزز روايتنا.

فاستهداف الأخضر الزيتي زي الجندي الإسرائيلي لا يبحث عن معتقداته ومواقفه بقدر ما يتصدى لشروره وحمايته للمشروع الاستيطاني الاحتلالي لفلسطين على حساب أصحابها الأصليين، عامل عملي مهم لكنه نظري في الواقع، فكل من على أرض فلسطين يرتدي البزة الخضراء الزيتية يهودي لو لم يعتنق اليهودية لأنه حمل الفكرة الصهيونية التي وظفت الدين على أكتافه، وقاتل تحت رايتها لحماية المشروع الذي قام على حساب الفلسطينيين في وطنهم.

بالمناسبة، نسبة المتدينين القوميين في الوحدات الخاصة والألوية الخمسة المقاتلة تفوق أضعافاً مضاعفة نسبة كل المتدينين في الجمهور الصهيوني، وهذه النسبة تتعاظم باستمرار.

إذن ما قيمة أن تواجه مستوطناً في الضفة حصرا لأنك تريد أن تقنع غربياً على مستوى كيانات مع أن مبررات وجود المستوطن في حيفا ذاتها للمستوطن في أرئيل؟

أم تغير الموقف فعلاً وأصبحت عكا وحيفا مكانتها تختلف في وعينا عن أرئيل وكريات أربع.

إن العدو يستولي على الأرض ذاتها، وسرقة من الشعب ذاته، وأدت إلى وقوع الضرر الوطني على الشعب الفلسطيني لتحقق مكسباً سياسياً لم يتحقق في الماضي والحاضر، ولن يتحقق بهذه الاستراتيجية في المستقبل.

فما ميز ما بين المستوطن اليهودي في أرئيل وحيفا الموقف الدولي، فكلاهما يهودي، وكلاهما عنصري، وكلاهما خدم في الجيش، وكلاهما سرق الأرض، وكلاهما أفقد الفلسطيني حريته واستقلاله، كلاهما جعل 7 ملايين فلسطيني لاجئين، والباقي نازحين غير آمنين، فيما تبقى من بيوتهم وقراهم ومخيماتهم وبلداتهم ومدنهم، وما زال الموقف الدولي عاجزاً سلبياً لا يُبنى عليه، وما دون ذلك كلام لا يسمن ولا يغني من جوع في معادلة الحقوق وإمكان استردادها.

مَن يحكم دولة الكيان اليوم التيار القومي الديني علماً أنه لا يملك الأغلبية البرلمانية.

لكن كل القرارات السيادية المتعلقة بالأبعاد السياسية والعسكرية والأمنية غارقة بنفوذ التوراة كمحدد يحكم على القرار بصحته أو خطئه.

يبدأ تأثير التوراة التلمودي من ترسيخ الوضع الراهن بقرار بن غوريون والذي يحكم كل تفاصيل الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وأعياد ومناسبات وبيع وشراء وسفر وترحال، حتى أسماء العمليات التي ينفذها الجيش وللأجهزة الأمنية والشرطية ضد الشعب الفلسطيني تحمل أسماء دينية وتلمودية، فالدين حاضر موغل في الفكر السياسي والعسكري والأمني للكيان يعزلوه عن الحياة لفظاً، وتخضع كل الأحزاب له فعلاً في الواقع.

لا ينبغي لحركات التحرر أن تُغرَق في التفاصيل وتتوه في الأحكام فتدفع تكلفة حشد الدين في مؤسسات العدو وفي نفوس الجنود المقاتلين عند مواجهة الشعب الفلسطيني، بينما يخسر الفلسطينيون قوة حضور الدين في ضميرهم واستعدادهم للمعركة وقدرتهم على التضحية والفداء.

نعم المعركة وطنية تأخذ أبعاداً متعددة مع هذا العدو بالمقام الأول، لكن لا ينبغي أن ندفع تكلفة مشروع اعتمد على الدين وتدثر به في مواطن وأخفاه في أخرى ليعزله في المتراس الآخر في جوانب ويتعلل فيها في جوانب أخرى.

لا ينبغي أن نسمح بإدخال مكونات نظرية عند فهم ما يجري في مسرح الأحداث لا تتجاوز كونها أدبيات لتصبح سمات مركزية في الرؤية، كأن يصبح التصدي لمطبع تماهى مع الصهيوني في موقف أو تقاطع معه في رواية قرين في ميزانه وإن قيل عنه متصهين ويحمل الحكم نفسه في ضرره وتأثيره، فلا يصح تحويل الفرع لأصل، والمجاز لواقع في تصميم نظرية المواجهة السياسية والنضالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى