مدونة المجد

✍️⁩ الهندسة الداخلية المعادية… الآليات والتداعيات (2)

بقلم: عبد الله أمين الخبير الأمني والاستراتيجي

(مدونة المجد)

تحدثنا في الجزء الأول من هذه الورقة عن الدواعي الموضوعية وبعض الأهداف الكلية من عملية (الهندسة) الداخلية، التي يجتهد العدو في إجرائها على معيار عدوه، محاولاً -العدو- فرض النمط الهندسي الذي يريح ناظريه ويتناسب مع طبيعة حركته، فيوفر سهولة في التنقل في ذاك البناء (اقرأ هيكل العدو) فيعيد ترتيب مقتنياته وتخصيص مساحاته، بما يجعله يفرض السلوك الذي يريد ونمط الحركة الذي يناسبه على قاطن هذا المكان، دون أن يجهد نفسه ويرهق كاهله، تاركاً الفعل لأهل الدار بعد أن يكون قد حدد لهم مساحات الاختيار!! وسنتحدث في هذا الجزء عن آليات العمل التي يستخدمها العدو في عملية الـ (هندسة) هذه، ثم سنتطرق بشكل سريع إلى تداعيات هذه العملية الخطيرة، على أن نختم الجزء الثاني هذا بالتوصيات.

رابعاً: الآليات:

  1. الاستدعاءات والاستجوابات:
    إن أول أدوات الشغل تلك، ما يقوم به العدو -مطلق عدو- من عمليات استدعاء ترافقها عمليات استجواب وتحقيق مع كوادر ونشطاء ذاك التنظيم أو تلك الحركة، فيكثر منها ويعيد تكرارها المرة تلوَ المرة، متقصداً استدعاءَ الأكثر نشاطا وتأثيراً في البيئة الحاضنة للتنظيم السياسي أو الحركة المقاومة، ونُصب عينه أهداف عدة، لا يضيره بأيها ظفر، فكثرة الاستدعاء والطلب والتحقيق قد تفت في عضد الناشط وتدفعه إلى السكون والخمول وترك العمل والالتفات إلى مصالحه الشخصية، فإن تحقق هذا فبها ونعمة، فهذا كادر مؤثر حُيد عن العمل وكفى العدو شره، وما بعد هذا الخير من خير.

وقد ينتج عن كثرة الاستدعاء والطلب والمراجعة، حتى ولو لم ينتج عنه ارتباطٌ أو تجنيد -سنأتي على ذكر موضوع التجنيد لاحقاً- قد ينتج عنه شك في نفوس مسؤولي الكادر ومن يعمل معهم من نشطاء، وأمام حالة عدم القدرة على التثبت من تجنيد هذا الكادر لصالح عدوه من عدمه؛ ينأى التنظيم أو الحركة وفي رد فعل دفاعي طلباً للسلامة وعدم (وجع) الرأس إلى تحييد هذا الكادر واستبعاده من النشاطات والفعاليات، أو على الأقل تقليص دوره وسدِّ الأبواب أمام تقدمه وارتقائه التنظيمي وتسلمه المواقع ــ حتى لو كان من أهلها فنياً أو تنظيمياً ــ، وبذلك يخسر الإطار السياسي هذه الطاقة ويحرم خيرها، ليتقدم إلى الأمام من هو أقل كفاءة وخبرة ومعرفة، فيحصل الضرر ويقع المحظور وتتأخر الأعمال وتتسمم الأجواء والبيئات، وفي هذا مصلحة للعدو ما بعدها مصلحة.

  1. الاعتقالات طويلة أو قصيرة المدى:
    عندما لا تجدي الاستدعاءات والاستجوابات وكثرة التردد على مقرات أجهزة العدو الأمنية نفعاً في تحييد الكادر لنفسه ذاتياً، أو تحييد إطاره القيادي له طلباً للسلامة؛ ينتقل العدو إلى إجراءٍ أكثر خشونة يتمثل بالتوقيف والاعتقال المتكرر، وقد يطول زمن هذا الاعتقال وقد يقصر.
    والأعمال التنظيمية والحركية بحاجة إلى دوام واستمرار، ولا يمكن توقف النشاطات والفعاليات، فيُدفع إلى صدارة المشهد من هو بحاجة إلى وقت (لهضم) الموقف وتفهم بيئة العمل، وقد لا يكون ذا خبرة أو معرفة بما أقحم نفسه فيه، فتحت ضغط (الحاجة) يبرر تقديم قليل الكفاءة ضحل التجربة، فنعود إلى نفس الموقف السابق، من فشل للأعمال وبطء في المسير، وهدر للطاقات والموارد.
    فالقادم الجديد بحاجة إلى وقت للتعلم واكتساب الخبرة، وليس كل إنسان يولد خبيراً -هذا صحيح- ولا متعلماً، وتكثر المبررات من قماشة: من لا يعمل لا يخطئ! والمخطئ له أجر والمصيب له أجران! ودعوه ليأخذ فرصته! وهذا كله حق وصواب؛ ولكن حركات المقاومة التي تقارع عدواً معادلتها معه معادلة صفرية؛ لا تملك ترف الوقت الزائد فتضيعه، ولا كثرة الموارد فتبددها وتهدرها، وعدوٌ هذا هو حال عدوه مع كوادره ونشاطه؛ عدوٌ مرتاح هنيء البال، كيف لا ونقيضه الطبيعي يدمر نفسه بنفسه!!
  1. التجنيد والاسقاط:
    نعم التجنيد والإسقاط! ومن قال أن عموم البشر معصومون محصنون أمام عدوهم فلا يُسقط منهم أحدٌ ولا يُجند منهم كادرٌ، إن التنظيم السياسي أو الحركي عندما يرى منتسبوه أن طاقتهم مهدورةٌ وجهودهم غير مقدرة، وأن عملهم لسوء إدارتهم يراوح مكانه، وأن الرجل المناسب في المكان غير المناسب، وأن لا منظومة قيمية تحكم سلوكهم داخلياً وخارجياً، وأن سعيهم في الإصلاح يصطدم بجدار أنظمة ولوائح داخلية، الأصل فيها أن تيسر الأعمال وتضبط المسارات، فإذا بها سيف مسلط على الرقاب و(صخرة) تتكسر عليها مساعي الإصلاح.
    وعندما يرى كوادر العمل ومنتسبو التنظيم أن لا مظالم تُرد ولا ظالم يسأل عن ظلمه، وأن من بينهم من هو ابن ست وآخر ابن جارية!
    عندما يرى الكوادر والمنتسبون والمناصرون والمحبون أن هذا هو الحال؛ عندها فأبواب الــ (الهندسة) ستشرع على مصاريعها! وسيضع العدو قطع أثاثه ولوحات زينته حيث شاء، وسيطلي بدهان خداعه آثار أقدامه، وخطى تردده في هذا المنزل المتهالك، الذي وإن أعجب الناظرين منظره، إلا أنه سراب يحسبه الظمآن ماء، ولا تنكشف حقيقته إلا عند الوصول له (اقرأ عند الملمات والأزمات).
  1. الاغتيالات:
    فإن لم تُجدِ تلك الطرق نفعاً، أو إن كان تقدير العدو أن تلك الإجراءات لن تنطلي على التنظيم أو الحركة أو الإطار السياسي، وأنه لن يفرط في كوادره وخبراتهم، بل سيحصّنهم ويدافع عنهم؛ عندها ينتقل العمل إلى مستوىً آخر من الإجراءات، ألا وهو إجراء الحذف الفيزيائي للكادر أو القائد.
    وهنا لا شك أن تغيير الأشخاص سيغير الإجراءات وقد يبدل الأولويات، فما كل الناس ذو همة متساوية، ولا هم من الخبرة والتجربة في منزلة واحدة، وبــ (حذف) الكادر؛ تتباطأ الأعمال وتقل جودتها حكماً -ولو مؤقتاً-، فيكسب العدو عامل الزمن لصالحه، هذا فضلاً عن أنه قد يكون ما عمد إلى الحذف والشطب، إلا وهو مطمئن إلى أن القادم الجديد أكثر نفعاً له وأعظم ضرراً لعدوه، كيف لا وهو ــ العدو ــ يرصد حركة عدوه ويعرف تقلبات شأنه ويتوقع قراراته وإجراءاته.
  1. النفي والإبعاد:
    وقد لا يتطلب الأمر هذا النوع من الأعمال -الاغتيال والقتل- فاتقاء شرِّ هذا الكادر النشيط والتخلص من (غلبته) يكفي فيه النفي والإبعاد، فأثره هناك في الجغرافيا البعيدة -مهما علا شأنه وبلغ قدره- لن يكون بنفس المستوى والخطر في حال بقائه في ساحة الفعل المباشر؛ يراه أهل بيئته نموذجاً حياً للمناضل المقاوم الذي يقارع عدوه كل يوم، فيشحذ بفعله نفوس الناس وهممهم، ويقودهم في المواجهات والتحديات، فإن تم النفي والإبعاد؛ فستطحن الدنيا نفس هذا المقاوم، وسينشغل في ترتيب أمره وأمر أهل بيته في بيئة غريبة، تفرض عليه نمط حياته، وتجبره على إعادة ترتيب أولوياته، هذا فضلاً عما ستقيده به من قوانين وإجراءات وضوابط وسياسات؛ عندها؛ قاوم يا مقاوم إذا كنت تستطيع أن تقاوم!!
  2. تضخيم الـــ (إنجازات):
    نعم قد يعمد العدو لتضخيم (إنجازات) عدوه، باحثاً عن مبررٍ لتفسير عنفه وإجرامه في حقه، ولكن أيضاً فإن تضخيم الــ (إنجازات) يدفع الناس لتقديم الكوادر وتصديرهم للمشهد، وكثرة حديث العدو عن عدوه وأنه يؤثر فيه وأن بقاءه ليس في مصلحته وأنه يجب التخلص منه لكثرة ما (أنجز) وحقق، سيفٌ ذو حدين، فهو إما يمهد لحذفه والتخلص منه، وإما يصنع أرضية بقائه في منصبه كون بقائه فيه مصلحة له.
    وهنا يجب ألا تنطلي ألاعيب العدو على التنظيم أو الحركة، فهو وهي أعلم من عدوهم بكفاءة كوادرهم وأثرهم في المعركة و(ابن بطني يعرف رطني)، فلا يحملنهم هجوم عدوهم على كادرهم من إنزاله منزلته الحقيقية، ووزن أفعاله وإنجازاته وفقاً لمعايير داخلية محلية، وليس وفقاً لدعايات خارجية ومقالات تحليلية، فما كل إنجاز إنجاز ولا كل مديح مليح !!
  3. تركيب الملفات وبث الشائعات:
    ومن أساليب الــ (الهندسة) الداخلية المعادية تركيب الملفات وبث الشائعات والرمي بالتهم، وعندما لا يستطيع الجسم التحقق من صحة أو كذب الإشاعة أو التهمة؛ فإنه يعمد إلى تحييد الكادر وتقليص مساحة حركته تحت ذريعة الــ (التحوط) الأمني! و (الباب اللي بجيك منه الريح، سده واستريح) و(اللي خلقه خلق غيره)، فيُدفع إلى المكان قليل الخبرة وسطحي المعرفة، الخائف من أن يخطئ؛ فيجرد من المكان وامتيازاته، فيعيد هذا الكادر الضعيف ترتيب المنزل من الداخل بناءً على (قدراته) واستناداً (لخبراته) في حركة تجعل من هذا البناء يخدم التصور (المعماري) للعدو، فلا شيء فيه غير متوقع، ولا حركة فيه غير معروفة الهدف!

هذه بعض أدوات الفعل وعدة الشغل التي يستخدمها العدو في محاولة (هندسته) الداخلية لبناء عدوه، ولو شئنا لاسترسلنا وعددنا غيرها؛ ولكن المقام لا يسمح، فنعتبر ما ذكرنا أرضية صالحة للبحث والتوسع لمن شاء أن يفصّل أكثر.

ونختم بالعنوان الخامس حول تداعيات مثل هذه الـــ (الهندسة) في حال نجاح العدو فيها، فنذكر بشكل سريعٍ خمساً من أخطر هذه التداعيات.

 خامساً: التداعيات:

  1. الإحباط واللامبالاة:
    أول تداعيات نجاح العدو في فعله هو ما يسببه من إحباط ولا مبالاة عند الصف الداخليّ للتنظيم السياسي أو الإطار الحركي، فيتحولون من حملة رسالة وأصحاب رؤية ومشروع مضحين بالغالي والنفيس في سبيل رفعته ونجاحه، يتحولون إلى مجموعة من الموظفين الذين ينتظرون معاشاتهم في آخر الشهر، رائدهم في عملهم (اللي بوخذ إمي عمي) و (اربط الحمار وين ما بده صاحبه)!
  2. فقدان الروح المعنوية:
    فلا دافع للعمل ولا محرض على الإنجاز، والكل يبحث عن مستقبله في غير المكان الذي هو فيه الآن، ويكثر القفز من المركب عند أول موجة تعترضه، فلا تضحية ولا إقدام، كيف لا وسيد المشهد و(صاحب) المقعد، قد أَقعد في المقعد من لا يصلح أن يكون خلف المقود!
  3. تحييد الكفاءات والطاقات:
    ومن أخطر تداعيات تلك (الهندسة) ما يتم من تحييد للطاقات والكفاءات والخبرات؛ بغض النظر أحيِّدت بشكل ذاتي شخصي مدفوعة بالملل وانقطاع الأمل في التغيير أو الإصلاح، أو حيّدت بفعل إجراء إداري لا يراعي الكفاءة ويهمه الولاء قبل الأداء، أم تم التحييد كفعل وقائي أمني لتعذر التثبت من الموقف المدعى، فكل الطرق تؤدي إلى (الثلاجة).
  4. الانحراف عن المسار:
    نعم؛ فإذا نجح العدو في (هندسته) تلك، فقد يدفع بذاته، أو يحمل على دفع غيره، لوضع الرجل المناسب في المكان غير المناسب، ثم يبدأ تسرب الأفكار وتغيير القناعات والتشكيك في جدوى الخيارات، في محاولة لحرف المسار عن أصل الهدف، فتبذل الجهود وتهدر الطاقات في غير منفعة أو تحقيق إنجازات، فيغدو فعل التنظيم أو الحركة السياسية أقرب ما يكون إلى (حراثة الجمال، اللي بتحرثه بتلبده)!!
  5. فسح (التكنية)المجال أمام الأتباع:
    وأخيراً وليس آخراً آثار تلك (الهندسة) وتداعياتها، ما يعرف عند الفلاحين وأصحاب الزراعة بمصطلح الــ (تكنية) المستخدم عند ري المحاصيل والمزروعات، بحيث تجر المياه وتدفع بالكمية التي تريد والنوعية التي تريد إلى المكان الذي تريد، فــ (فيكني) العدو لأتباعه ومجنديه داخل التنظيم السياسي أو الإطار الحركي بحيث يصلون إلى المكان الذي يريد في الوقت الذي يريد بالعدد الذي يريد، عندها يصبح النقض من الداخل، والخراب ذاتي، متلبساً بلبوسٍ مصلحيّ ونفعيّ، ساعتها كبّر على العمل أربعاً وصلِّ عليه صلاةً لا ركوع فيها ولا سجود.

سادساً: التوصيات:

إن التوصيات في مثل هذه المواقف والملمات من السنخية التي لا تصلح إلا خلف أبواب موصدة ونوافذ مغلقة، يشارك فيها أهل الرأي مع أهل القرار، حتى لا يقع التنظيم أو الإطار في حفرة ليس لها قرار.

نختم فنقول إن فعل العدو هذا ليس مضمون النجاح؛ فقد ينجح العدو فيه وقد يفشل، وقد يرضى بأقل النتائج ويترك للأيام أن تفعل فعلها، الأمر الذي يتطلب يقظة وحساً بالمسؤولية عالٍ، وهمةً لا يتسلل لها الضعف والخور.

“والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى