مدونة المجد

✍️⁩ الهندسة الداخلية المعادية… الآليات والتداعيات (1)

بقلم: عبد الله أمين الخبير الأمني والاستراتيجي

(مدونة المجد)

أولاً: تحرير المصطلح:

لأن الحكم على الشيء فرعٌ من تصوره؛ دعونا أولاً نعرج على تعريف مصطلح الهندسة الداخلية؛ وعلى أي شيء يطلق أهل الفن والاختصاص من المهندسين والمعماريين هذا المصطلح؟ إنهم يطلقون هذا المصطلح للدلالة على فن تزيين الفراغ الداخلي كالغرفة مثلاً بحيث تكون جذابة وسهلة الاستخدام وتتوافق مع الهندسة المعمارية بهدف توفير بعض الإحساس للفراغ، ويشمل تطبيق طلاء الجدران وورق الجدران وغيرها من الأرضيات والسقوف واختيار الأثاث والتجهيزات مثل المصابيح، وتوفير حيز حركي مناسب، كما تخصيص الفراغات أو المساحات كإضافة اللوحات والمنحوتات والسجاد (الويكيبيديا).

إذاً هي عملية من أولها إلى آخرها تهدف إلى تزيين وطلاء وتوفير سهولة في الاستخدام وجذب للناظرين واختيارٍ للأثاث واللوحات والمنحوتات، فتبهر البصر وتسرق النظر، دون أن يشعر صاحب المنزل بأي ضرر.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، دعونا ننعش الذاكرة بالقصة التي ترويها الروايات البوليسية والمخابراتية ــ بغض النظر عن صحتها من عدمه ـــ والتي قيل فيها إن عميلاً للمخابرات المركزية الأمريكية CIA بقي في الاتحاد السوفيتي يعمل لصالح الأمريكان إلى ما يقارب العشرين سنة دون أن يُكتشف، ولما أنهى خدماته وانتقل إلى أمريكا، وسئل عن طول هذه المدة وكيف لم يكتشف من قبل جهاز المخابرات السوفيتية KGB.

كان رده بسيطاً جداً حيث قال: لم أتصل طوال تلك المدة مع مشغلي، وكانت مهمتي الرئيسية هي وضع الرجل المناسب في المكان غير المناسب!! 

أمام هذا الموقف؛ فإن هذه الورقة تتحدث عما يقوم به العدو ـــ مطلق عدو ــ من عمليات هندسة داخلية يستهدف بها الطرف المقابل له، والتي قد تأخذ شكلاً خشناً صلباً، أو ليناً ناعماً، ولكنها في النهاية تخدم الهدف نفسه، وتؤدي الدور نفسه الذي يُختصر بفرض إرادة العدو على عدوه، وتجريده من أدوات فعله. فإن كان هذا هو الهدف النهائي.

فما هي الدواعي التي تدفع العدو إلى ممارسة الهندسة الداخلية على عدوه؟
ولماذا يلجأ إلى مثل هذا التكتيك؟
ولماذا لا يقوم العدو بحذف عدوه والقضاء عليه؟

بدل أن يدخل في مثل هذا المسار الشائك الطويل الذي قد ينحج فيه وقد يفشل، وهنا نجيب عن ذاك السؤال بهذا العنوان: 

ثانياً: الدواعي الموضوعية (للهندسة) الداخلية:

  1. إرادة بقاء النقيض لشد العصب الداخلي:
    إن أول الدواعي الموضوعية التي تدفع العدو إلى مثل هذا السلوك هو إرادة العدو ببقاء عدوه ماثلاً أمامه شاخصاً له من أجل بقاء قضية عليا يجتمع عليها شتات بلده، ويدفع بها في وجه خصومه الداخليين كلما أثاروا في وجهه المشكلات، محاولاً دفع ناسه وأهله لنسيان أخطائه وتقصيره وقلة كفاءته؛ بِحثّهم لتفريغ شحنة الرفض والمعارضة تلك في وجه عدوهم الذي يتهددهم، إنها محاولة لتجيير التناقضات الداخلية في عملية صد التناقض الخارجي المتمثل في العدو خارج الحدود أو داخلها.
  2. صلابة الجسم وقوة الهيكل وعدم القدرة على المواجهة المباشرة:
    كما يعمد العدو إلى مثل هذا التكتيك لأن عدوه من الصلابة والقوة بمكان بحيث لا يمكن معه مواجهته بشكل مباشر، أو أن حساب المواجهة وفقاً لقاعدة الجدوى والأكلاف قد تكون راجحةً لصالح الأكلاف، فيعمد العدو إلى اجتراح وسائل مواجهة تثخن في عدوه وتؤثر في أصل بنيانه بشكل بطيء فينتصر عليه بالنقاط لتعذر الانتصار بالضربة القاضية.
  3. عدم القدرة على الحسم والقضاء على العدو:
    إن أي معركة يخوضها أي كائن بشري ــ فرداً كان أم تشكيلاً ــ يخضعها إلى حساب الجدوى والأكلاف، فلا يتصور أن يخوض الإنسان أو التشكيل معركة دون أن يحضّر نفسه ويرفع من جاهزيته، بحيث تتقدم جدوى معركته على أكلافها، كما أن العدو عندما يخطط لمعاركه يحرص كل الحرص على أن يحسمها بأسرع وقت وبأقل الأكلاف، فتمدُّد المعركة واستطالة أيامها، تحيلها إلى جرح نازف في بدن الأمة، تستنزف مواردها البشرية والمادية، وتحيلها إلى عبءٍ تنوء تحته الدولة وسكانها وأهلها، لذلك فإن تبين للعدو أنه غير قادر على حسم معاركه مع عدوه أو أعدائه، فإنه يلجأ إلى طرق عمل أخرى، والتي منها محاولة (هندسة) عدوه من داخله.
  4. التصميم والبناء بما يخدم الأهداف:
    ومن الدواعي التي تدفع إلى سلوك هذا الدرب وانتهاج هذا المنهج، محاولة العدو تصميم بناء عدوه بما يخدم مصالحه ويريح نظره ويسهّل عليه الحركة أثناء مواجهته، وبما يخدم الشكل (المعماري) الذي يستطيع من خلاله توقع سلوك عدوه وتقدير خطواته، فيسهل بذلك التخطيط لمواجهته، ونقض غزله قبل اكتمال نسجه، فتقل الأكلاف وترتفع الجدوى وتحقق الانجازات وتسجل الانتصارات.
  5. الشرعية وتثبيت الذات:
    ومن دواعي الركون إلى مثل هذا العمل ــ الهندسة الداخلية ــ إرادة بقاء العدو وعدم القضاء عليه، لاعتبار منح الشرعية لما يُتوصل له من حلول معه، فكيف يمكن أن توقع صلحاً أو تعقد هدنة تمتلك شرعية قانونية في غياب عدو أو خصم يمتلك من الشرعية المحلية والإقليمية والدولية ما يمكنه من خلالها ــ الشرعية ــ توقيع مثل هذا الصلح وتلك الهدنة، فيحوز الطرف الآخر على شرعية لإجراءاته وخطواته واتفاقياته ومعاهداته، أوليس أكبر وأهم شرعية يبحث عنها العدو هي تلك الشرعية التي يمنحه إياها صاحب الحق بتنازله عن حقه؟

إذا كانت هذه هي بعض من أهم الدواعي الموضوعية التي تدفع العدو لإرادة بقاء عدوه مع العمل على خوض غمار (هندسته) من الداخل ليعمل وفق جدول أعماله هو ـــ العدو ـــ وبما يخدم مصالحه؛ فما هي الأهداف الكلية لهذه الهندسة الداخلية؟

ثالثاً: الأهداف الكلية (للهندسة) الداخلية:

  1. الدفع للعمل وفق جدول أعمال العدو:
    إن أول هذه الأهداف هو دفع العدو للعمل وفق جدول أعمال عدوه دون شعوره بهذا الأمر؛ يقوم به الطرف الآخر طائعاً راضياً ظانّاً أنه يحسن عملاً، فتتبدد الطاقات وتبذل الجهود وتصرف الموارد في غير طائل؛ وإن بدا للناظر للوهلة الأولى أن ما يُحقق هو إنجازٌ لا يضاهيه إنجاز! وأن ما ينجز يصب الماء في طاحونة المشروع الوطني للبلد أو الإطار السياسي أو الحركي! ولكن مع مرور الأيام يتجلى المشهد على حالة من الهدر البشري والمادي؛ ما لو فطن له من البدايات لما وصل الموقف من التردي إلى ما وصل له، عندها لا ينفع نوح النائحات ولا ندم النادمين، ولا مخرج من تلك المخمصة إلا بلطف رب العالمين.
  2. قتل روح المقاومة والتصدي في النفوس:
    ومن الأهداف الكلية لعملية الهندسة تلك، قتل الروح المعنوية لدى الصف الداخلي في الإطار السياسي أو الحركي محل العمل، فعندما يرى المنتمون والكوادر، فضلا عن المناصرين والمحبين حالة الهدر الناتجة عن استبعاد الأكفاء وذوي الخبرات والمعارف، وتصدي و(تسييد) من ليس أهلاً ولا يملك الخبرة أو الكفاءة؛ عندما يرون هذه الحالة، فإن روحهم المعنوية واندفاعهم نحو الأعمال ورضاهم ببذل الجهود والغالي والنفيس في سبيل الغاية العليا والهدف السامي الذي انتموا للحركة أو الإطار السياسي من أجله ستضمحل وتتحلل وتذوي، وهذا هدف ما بعده هدف يسعى إليه العدو ويبذل في سبيل تحقيقه الجهود ويخصص من أجل تحقيقه الموارد؛ كيف لا وتحقيق مثل هذا الهدف يعد ضرباً لأهم ركيزة ومورد يرتكز عليه أي إطار سياسي أو حركي، ومنه ينهل ويستمد حاجاته ألا وهو العامل البشري.
  3. فرض الإرادة على الطرف الآخر:
    إن خلاصة أي حرب أو نزاع بين طرفين، وبغض النظر عن وسائل خوضه أكانت ناعمة أو نصف صلبة أو صلبة؛ إنما يراد منه فرض إرادة طرف على طرف آخر، ودفع الثاني إلى التسليم بما يريد ويخدم مصالح الأول، وأي وسيلة هي أفضل من أن يكون متزعم الطلب للتسليم بما يريد الخصم أو العدو شخصٌ ممن يصور للناظر من الخارج أنه من المدافعين والذابّين عن مصلحة قومه وشعبه، يزين هذا الأمر بشتى وسائل الزينة، ويقدم في سبيل تمرير إرادة العدو شتى المبررات، وكله تحت مسمى المصلحة! لذلك فإن العدو يراقب المشهد الداخلي لعدوه ويفتح الملفات ويجمع المعلومات عن كوادره ومنتسبيه؛ ليقرر من هو الذي إذا تقدم وارتقى عند عدوه سيخدم أهدافه ويلبي رغباته، فيكون طابوراً خامساً له عند عدوه، يعبئه ويشغله متى جاءت الفرصة المناسبة، الأمر الذي يتطلب مراقبة وإشرافاً تتم معه عملية (الهندسة) بشكل ناعم سلس دون أن تثير غباراً أو تتناقلها الأخبار.
  4. إفقاد المقاومة مصداقيتها وضرب حاضنتها الشعبية:
    إن المقاومة الشعبية تستمد شرعيتها من الشعب الذي تحمل مسؤولية الدفاع عنه وعن قضيته وأهدافه، ومنه ــ الشعب ـ والتي تتزود بشرياً ومادياً، ويبقى هذا الشعب مخلصاً لهذه المقاومة أو ذاك الحزب السياسي ما بقيا على عهدهما ووعدهما الذي عاهدوا عليه شعوبهما، ويبقى الشعب منافحاً عن مقاومته والإطار السياسي الذي يمثله ما بقي هذا الإطار وتلك المقاومة ذات مصداقية مع شعبها أولاً، ومع نفسها ثانياً، ويفقد الشعب حماسته وقناعته ودفاعه عمن يمثلونه، بمقدار ما تفقد جهة التمثيل من مصداقيتها في عينه، لذلك فإن العدو من خلال ما يمارسه من (هندسة) داخل عدوه يهدف إلى إفقاده للمصداقية عند من يمثل، في مسار ينتهي بتخلي الحاضنة الشعبية وانفضاضها عن الحركة أو الحزب أو التجمع، فإن تحقق هذا للعدو؛ تحقق له عزل عدوه ومحاصرته داخلياً وخارجياً، فيسهل بعد ذلك تدميره وسحقه.
  5. الإخفاء و(الطلاء) للثغرات:
    قلنا في تعريف مصطلح الهندسة الداخلية إنها حالة تجميل وترتيب للفراغ الداخلي وإضفاء الحس عليه، بالطلاء والبناء والتزيين، لذلك فإن من أهداف العدو للهندسة الداخلية؛ إيصال من يساعد في عملية التزيين هذه التي تخفي خلفها شقوقاً وتصدعات، تزيد مع الزمن ولا يفطن لها إلا وقد بلغت من البناء مبلغاً لا ينفع معه ترميم ولا إصلاح، بل الهدم الكامل ومعاودة البناء من جديد، إنك ترى جسماً جميلاً مليح الشكل كثير الصور، (مريح) الأثاث، عالي الطبقات، لكنه خاوٍ من المعاني الحقيقية، منخورُ الداخل، لا يصمد أمام الرياح وتقلبات الطقس، فلا يلبث أن يتصدع وتنخلع صوره ويتطاير أثاثه، وتصفق فيه الريح من كل جانب، فلا يقي حر صيف ولا برد شتاء!

هذا ما اتسع له المقال في هذا المقام، على أن نستكمل في الجزء الثاني من هذه الورقة آليات وتداعيات هذه (الهندسة) التي تفرغ المعنى من المضمون، علّنا بذلك نكون قد أسهمنا في تصليب البناء فيصمد أمام الأنواء.

“والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى