مدونة المجد

✍️⁩ متى تبادر المقاومة بالتعرض لعدوها؟

بقلم: عبد الله أمين .. الخبير الأمني والاستراتيجي

(مدونة المجد)

تحدثنا في المقال السابق تحت عنوان “متى تأخذ الدول قرار الحرب” حول بعض الحالات التي تجد الدولة ومنظومة الحكم فيها نفسها أمام موقف يفرض عليها المبادرة إلى أخذ قرار الحرب الذي لا مناص عنه (حرب اللاخيار)، وقلنا في حينه إن بعض المواقف التي يبادر فيها صاحب الشأن في الدولة لأخذ قرار الحرب يمكن أن يتمثل في الآتي:

  1. عندما تصل الوسائل الدبلوماسية إلى طريق مسدود.
  2. عندما تتعرض المصالح الحيوية لتلك الدولة للخطر.
  3. عندما لا تقيم وزناً لعدوها ولا ترى في قتاله خطرا أكبر من السكوت عنه.
  4. عندما تصل تقديراتها إلى أن أكلاف الخروج الآن لتحييد تهديد في حال التشكل، أقل مما هي عليه لو خُرج له مستقبلاً.
  5. عندما يتم الاعتداء على حلفائها الذين تربطهم بها معاهدات دفاع مشترك.
  6. عندما يعترضها تهديد وجودي؛ المبادرة لضربه الآن أفضل من التعرض له مستقبلاً .
  7. عندما يتعرض أمن مواطنيها ــ الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والإتني ـ إلى خطر.
  8. عندما تتعرض رموزها الوطنية ــ البشرية والمادية ــ للتهديد.

وفي هذا المقال سنتحدث عن بعض المواقف التي تتطلب أن تقوم حركات المقاومة بالتعرض لعدوها، قبل أن يبادر هو بفتح النار عليها والخروج للعمل العسكري ضدها، ولكن قبل ذلك دعونا نتحدث وبشكل سريع عن بعض الأصول والمسلمات المرتبطة بهذا الموضوع والمتعلقة بحرب العصابات وأصولها، وتعريف الأرض من وجهة النظر العسكرية، ثم نعيد الحديث بشكل مقتضب عن جدلية الردع والرعب ورأي الكاتب في هذا الأمر، ثم نختم هذه المسلمات بالحديث عن القتال الحاسم الذي لا يفترض بحركات المقاومة القيام به وهي تتعرض لعدوها.

أولاً: في أصول حرب العصابات: لقد صاغ القائد الصيني “ماوتسي تونغ ” هذه الأصول ــ لا يعني أن غيره لم يتطرق لها ولو بصور وعبارات أخرى ـ في أربعة مبادئ قتالية، الهدف منها حفظ الذات وإلحاق أكبر خسائر بشرية ومادية في العدو، حيث اختصر “ماو” الموقف التعبوي الذي يجب أن يحكم العلاقة بين رجل العصابات وعدوه بالآتي:

  1. التراجع عندما يتقدم العدو: فلا ينبغي التعرض للعدو في عملية دفاع صد في كل مناوشة أو اشتباك أو احتكاك بين رجل العصابات وعدوه، ما لم يكن التدبير القتالي المعطى له يقتضي القيام بعمليات دفاع صد تتطلبها المصلحة العليا لحركة المقاومة.
  2. إزعاجه عندما يعسكر ويتموضع: كما لا ينبغي أن يترك العدو مرتاحاً في أي أرض يتموضع فيها أو يستقر عليها، كون إراحته تعني تفرغه لإعادة تنظيم نفسه، ومن ثم العمل على توسيع وضعيته القتالية والجغرافية.
  3. مطاردته عند التراجع: كما يجب أن يُطارد العدو في حال انسحابه وتقهقره أمام قوات المقاومة، وفرض الانسحاب عليه تحت النار، لضرب معنوياته والفتك فيها، ورفع معنويات القوات الصديقة والحاضنة الشعبية للمقاومة.
  4. مهاجمته عندما ينسحب: كما يجب أن تتم مهاجمة العدو والتعرض له بمختلف صنوف القوات، وفوهات النار، وجعل انسحابه انسحاباً غير منظم، لما يتركه ذلك عليه من آثار سيئة على الصعيدين المادي والمعنوي.

هذا باختصار شديد، دون الخوض في تفاصيل هذه الأصول، أو اشتقاق مبادئ وتدابير قتالية تساعد رجل العصابات على إلحاق خسائر فادحة في عدوه.

ثانياً: في الأرض وتوصيفها من الناحية التعبوية: حيث تقسم الأرض من الناحية التعبوية إلى خمسة أنواع، وينبني على كل تعريف سلوك خاص فيما يخص مسار بناء القوات ومراكمة القدرات، مشيرين إلى أن كل بقعة جغرافية لها ظرفية وقدرة محدد على استيعاب القدرات القتالية ــ البشرية والمادية ــ فإن فاضت هذه القدرات عن الحد الذي تستوعبه تلك الأرض، تحولت من نقطة قوة إلى نقطة ضعف، أما عن أقسام الأرض من الناحية التعبوية فهي على النحو الآتي:

  1. أرض محتلة: يجوسها العدو طولاً وعرضاً، ولا تملك فيها المقاومة عناصر قوة؛ وإن ملكت؛ فليست بالكم الذي يمكنها من تشكل تهديد ذي مصداقية على عدوها، أو بناء معادلات قتالية بينها وبينه.
  2. أرض محاصرة: تَجنبَ العدو الدخول إليها أو احتلالها لاعتبارات تخصه؛ كأن لا تكون هذه الأرض ذات أولية عالية لديه تخدم خططه وإجراءاته، أو أن احتلالها سيتطلب منه تفريغ قدرات قتالية محددة للمحافظة عليها؛ في الوقت الذي يحتاج فيه تلك القوات للعمل في مكان آخر.
  3. أرض محررة: تبسط فيها المقاومة كامل سيادتها عليها، وتسيطر على كل ما فيها ومن فيها، من قدرات وإمكانات بشرية ومادية، وفيها مقار قياداتها ومراكز ثقلها، تدافع عنها بكل ما أوتيت من قوة ولا تسمح للعدو بدخولها أو تهديد من فيها.
  4. رأس جسر: هي بقعة جغرافية تنبع أهميتها فيما توفره من منصة انطلاق نحو توسيع الوضعية القتالية المستقبلية، فلا يُمكث فيها إلا بالقدر الذي تتمكن فيه القوات المقاتلة من تحصيل نقطة ارتكاز، وممر عبور نحو باقي جغرافية منطقة العمليات.
  5. منطقة عمليات أو منطقة مسؤولة: تخوض فيها القوات اشتباكات يومية، وتحتك فيها مع عدوها في كل حين، وتتغير فيها المواقف بشكل سريع ودائم، وهي كذلك إما منطقة مسؤولية مطلوب الدفاع عنها ومنع العدو من تحقيق أهدافه فيها، أو منطقة عمليات مطلوب فيها تحقيق أهداف وتوسيع وضعيات.

أيضاً هذا بشكل مختصر وسريع، فبسط الأمر في هذه العناوين يحتاج إلى مساحات أكبر من هذه المخصصة لهذا المقال.

ثالثاً: في جدلية الردع أو الرعب: وهذا بحث بسطنا فيه الحديث سابقاً، وقد تبنينا رأياً ونظّرنا له يقضي بأن حركات المقاومة المحتلة أرضها والتي ما زالت تقارع العدو؛ ليس من مصلحتها إقامة حالة ردع معه، كون الردع يعني الجمود وعدم التحرك، الأمر الذي ينعكس سلباً على قدرات ومعنويات قوات العصابات، هذا من الجهة، أما الجهة الأخرى، فإن الردع موقف يناسب الدول المستقلة المستقرة كونه يوفر لها الهداء المنشود الذي تبحث عنه لتطوير قدراتها ومراكمة خبراتها وخدمة شعبها وأبناء بلدها.

رابعاً: في عمليات القتال الحاسم مع العدو: وهنا نختصر الحديث بالقول إن أهم أصل من أصول عمل حركات المقاومة هو الحفاظ على الذات، لذلك لا يجب أن تخوض قتالاً حاسماً مع عدوها وأن (تنطح) رأسها بصخرة قدراته، الأمر الذي يعني مزيداً من الخسائر البشرية والمادية، في الوقت الذي يتطلب الموقف مراكمة قدرات، وتحين الفرص لتسديد الضربات.

نختم بالقول إن الهدف من هذه المقدمة التي طالت قبل الولوج إلى أصل عنوان المقالة، هو الإحاطة بكل جوانب هذا الموضوع ولو على عجالة، حتى تفهم سياقاته وتعرف مقدماته، فلا يحمل ما سيقال لاحقاً على غير وجهه أو لغير ما كتب له، وعليه وكإجابة على سؤال هذه المقالة حول متى تبادر حركة المقاومة بالتعرض لعدوها؟ نقول إن بعض المواقف التي تفرض على المقاومة الخروج في عمل تعرضي لعدوها يمكن أن تتمثل بالآتي:

  1. عندما يحشد العدو قدرات بقصد تشغيلها ضد المقاومة: وهنا لا بد للمقاومة من القيام بعمل تعرضي ضد العدو بغض النظر عن تكتيكه أكان عمل بقدرات بشرية أم تشغيل قدرات نارية، المهم أن تبادر المقاومة بالتحرك تحقيقاً لهدف إرباك إجراءات العدو وضرب تنظيمه القتالي، الأمر الذي إن نجحت المقاومة فيه؛ فإنها تفرض على العدو تأخير عمليته القتالية إلى حين إعادة تنظيم قواته وحشد قدراته، وليكن رائد المقاومة في هذا الموقف قول القائل: ” إذا هبت شيء فقع عليه”!
  2. عندما تصل تقديرات المقاومة إلى أن ما تدخره من مفاجآت لعدوها قد كُشف وأن العدو بصدد الخروج لتحييد هذه المفاجآت وسلب المقاومة نقطة القوة هذه: وهنا فإن المقاومة إن لم تبادر بعمل قتالي تشغل فيه ما راكمته من قدرات وما ادخرته من مفاجآت؛ فإنها ستجد نفسها في موقف قتالي لا تستطيع معه استثمار هذه القدرات والاستفادة منها على أفضل وجه، لذلك فالمبادرة هنا أفضل من التردد والإحجام.
  3. عندما تراكم المقاومة قدرات بهدف إقامة معادلات وفرض قواعد اشتباك على عدوها: حيث إن المقاومة تنتقل من طور إلى طور ومن مرحلة إلى أخرى، في مسارٍ الهدف منه فرض الانسحاب على العدو مما احتله من أرض، وإعادة ما اغتصبه من حقوق، لذلك تراكم المقاومة القدرات وتحشد الطاقات، فإن كان الظرف السياسي والاستراتيجي والزماني مساعداً، ودلت التقديرات المبنية على المعطيات والمعلومات، وليس على الرغبات والتمنيات، إن هذه القدرات قادرة على فرض معادلات ووضع قواعد اشتباك تريدها المقاومة في الظرف الحالي، وجب عليها ــ المقاومة ــ التعرض لعدوها بعمل عسكري محدود يحقق ذاك الهدف المنشود.
  4. عندما يتعرض أحد حلفائها لخطر وجودي: كما يجب أن تكون المقاومة مستعدة لمد يد العون لأي حليف من حلفائها في المقاومة، إن هو تعرض للخطر، كون ترك العدو يستفرد بهذا الحليف يعني أن الدور مستقبلاً لا محالة واصلٌ لك ف (إذا حلقوا دقن جارك جهز دقنك)، فلا يسكت عن أكل ثيران (اقرأ ثُوّار) الأرض التي تحرثها وتخلصها من عشبها الضار وغير النافع، مهما تعددت ألوانها واختلفت أشكالها.
  5. عندما يتطلب الموقف وتسمح القدرات البشرية والمادية بتوسيع الوضعيات الجغرافية: فهدف المقاومة توسيع وضعيتها الجغرافية وعدم ترك عدوها (يخنقها) في مساحات ضيقة تسهل السيطرة عليها فيها، تاركة عدوها يمارس جز ما تطاول فيها من (عشب) القدرات؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فأصل بناء المقاومة قائم على تحرير الأرض واسترداد ما اغتصب منها، الأمر الذي يعني تعبوياً توسيع المجالات الجغرافية والأرضية التي تسيطر عليها المقاومة عبر دفع العدو للانسحاب مما احتله واغتصبه من أرض، لذلك ففي حال راكمت المقاومة من القدرات ما إن شغلته حقق لها هذا الهدف، وجب عليها التعرض لعدوها بعمليات هجومية، بعد حساب معادلة الجدوى والأكلاف.
  6. عندما تريد المقاومة اختبار تطور إجراءات العدو: فالحرب عملية فعل وتفاعل، ومراكمة قدرات وفحص إجراءات، وكلما تطور العدو بشريا ومادياً تطورت معه إجراءاته وتغيرت تكتيكاته، وعين المقاومة ترصد هذا التطور وذلك النمو المعادي، وحتى تختبر مدى التغير الذي طرأ على إجراءات العدو كنتيجة لتطور قدارته؛ لا بد لها من القيام بعمليات تعرضية من قبيل الاستطلاع القتالي لفحص مستوى تطور إجراءات العدو وما طرأ عليها من تغييرات من حيث الانتشار والتشغيل.
  7. عندما تريد المقاومة اختبار قدرات قتالية معينة ضمن منظومتها القتالية الكلية: فالحرب عملية تكاملية، يتم فيها تشغيل القدرات البشرية والمادية بشكل جماعي منظوماتي، بحيث تحقق أفضل نتيجة بأقل خسائر، وما تملكه المقاومة من قدرات بشرية ومادية إذا لم يتم فحص كفاءته ومدى انسجامه وملائمته للمواقف القتالية ضمن منظومات نار كلية تخدم أصل الهدف من العملية العسكرية؛ فإنها ستبقى وسائل قتالية غير قادرة على تحقيق الأهداف التي من أجلها صنعت أو نشرت أو شغلت.

أخيراً؛ ندرك أن هذا البحث بحث تخصصي تفصيلي، يكثر فيه الحديث وتتعدد فيه الاجتهادات، وقد تتباين فيه الرؤى والتقديرات، الأمر الذي لا يتسع لسرد كل جزئياته خلال هذا المقال، ولكننا أردنا أن نلقى حجراً في بركة البحث والتفكير؛ نرصد بعده ردات فعل أهل الاختصاص المختلفة، ليبني على الشيء مقتضاه.

 والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى