مدونة المجد

✍️ أُمي جيش

بقلم: جبريل جبريل

(مدونة المجد)

وجّه خارطة أرض المعركة، وقلِّب خطتك العسكرية، وانثر أفكار أركانِك حيث شئت أو شاؤوا.. دقق في صفحات التاريخ وحروب الأُمم؛ لا بد أن تجد للأُم رُكنًا متينًا يتصدر الجُهد الحربي، مثله مثل باقي أركان القائد، جهدٌ خفي لكنه حاسم، هذا ليس بمعنى أن تلبس الأُم لباس الحرب، ولكن أن يكون قلبها مدفعا، ولا أقول مدفعًا من حديد، ولكن مدفعًا من عاطفة ثورية تدفع الجيل إلى تحقيق النصر؛ إذا قبلت الأم بالحرب أقبل الجيش على التضحية.

إبّان الاحتلال الفرنسي للجزائر عمل هذا المُحتل على كسر الروح الوطنية والدينية للنساء الجزائريات، وكان من بين أدوات كسر هذه الروح إجبار الجزائريات على نزع الحجاب، وقد علق الفيلسوف الفرنسي “فرانز فانون” على هذا السلاح الثقافي الخبيث الذي وجهته فرنسا إلى قلب المجتمع الجزائري، قائلا إن التفكير الاستعماري يرى أنه: “إذا أردنا أن نُحطم بُنية المجتمع الجزائري وقدرته على المقاومة، فلا بد لنا أولاً من هزيمة النساء”. صدق هذا الإرهابي لكنه خاب وخسر.

لم تقع عيني على بحث أو دراسة تتناول تأثير الأُم من الناحية التربوية والمعنوية على دافعية الجيش للقتال، وإنجاز أهداف الأُمة، لكن عند النظر بعمق في تاريخ الحروب والصراعات العسكرية على وجه هذه الأرض، لابد أنك ستلاحظ مدى تأثير الأُم على الجُهد الحربي كونه بالأساس هو جهد إنساني، وللروح المعنوية في إنجازه اعتبار كبير، فالتربية في البيت حيث سيادة الأُم لها تأثير كبير في رفع أو خفض الروح القتالية والاستعداد للتضحية، وهنا سنجد علاقة تفاعلية وطيدة بين المجتمع والمؤسسة العسكرية.

لا غرابة بأن نجد شخصاً مثل البروفيسور “الإسرائيلي” ستيوارت كوهين المتخصص في العلاقات العسكرية الاجتماعية، ينتج عدداً من الدراسات تتكلم عن تأثير المجتمع “الإسرائيلي” على الجيش، وكيف أصبحت هذه العلاقة -علاقة المجتمع “الإسرائيلي” بالجيش- تؤثر سلباً على الأداء العملياتي للجيش، وعدم تقبله للخسائر البشرية، وبالتالي أثر ذلك على القرار السياسي لكيان العدو.

من يذكر حركة الأمهات الأربع؟ التي شُكلت عام 1997، إثر مقتل أبنائهن في جنوب لبنان، حيث دعت هذه الحركة إلى انسحاب جيش العدو “الإسرائيلي” من جنوب لبنان، وقد قوبلت هذه الحركة في البداية بسخرية المجتمع بل وكبار ضباط الجيش “الإسرائيلي”، وقالوا: “ماذا تُدرك النساء عن أمور الأمن القومي؟”، لكن في النهاية أذعن الأمن القومي للأمهات وتحرر الجنوب اللبناني.

رحم الله الأديب العبقري الرافعي حيث قال في وحي القلم:
(إن سقوط المرأة لِهوله وشدته ثلاث مصائب في مصيبة: سقوطها هي، وسقوط من أوجدوها، وسقوط من تُوجدهم). نعم وسقوط من توجدهم.

منذ فجر التاريخ الحربي شاركت النساء في جحافل الجيوش لرفع الروح المعنوية للجنود، ولقد وجدنا أمثله صارخة على تأثير الأم على سير المعارك، فكلما كانت روح الأم مُتجهة نحو التضحية أثر ذلك على الجنود ونتائج المعارك، في ستالين جراد في فيتنام في لبنان وفلسطين…إلخ.

دعكم من كل هذا الكلام.. ألا يرى كل واحد فينا كم كان تأثير أمه على سلوكه تجاه وطنه؟
الشهيد تجده خرج من حضن أمه إلى الشهادة متسلحاً بما زرعته في قلبه ليحصده الوطن، والأسير والجريح والمطارد…كلهم كانوا غِذاء هذه الأرض بعد أن أعدتهم أمهاتهم.

إذا كانت ميادين التدريب هي ساحة الإعداد للمعركة، فالبيت هو أول هذه الميادين والأم أمهر المدربين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى