مدونة المجد

✍️ الأمان ضرورة إنسانية.. فكيف نحققه؟

بقلم: د. طه عامر

(مدونة المجد)

من أعظم نعم الله تعالى على عباده أن يعيشوا في أمن وأمان على دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فالحياة لا تستقيم ولا تصلح بغير أمان، يقول الإمام الماوردي “اعلم أن ما به تصلح الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة وأمورها ملتئمة 6 أشياء هي قواعدها وإن تفرعت، وهي: دين متبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عام، وخصب دائم، وأمل فسيح”.

وقد امتن الله على قريش فقال تعالى {لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} (سورة قريش)، وقال تعالى {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون} (سورة القصص: 57).

ودعا إبراهيم -عليه السلام- ربه أن يجعل مكة بلدا آمنا وأن يحفظ ذريته من الشرك {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} (سورة إبراهيم: 35)، فالأمان بيئة يترعرع في كنفها الدين ويزدهر، والخوف يقتل كل شيء في الحياة والأحياء.

وقال صلى الله عليه وسلم “من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فقد حيزت له الدنيا” رواه البخاري في “الأدب المفرد”.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “أيها الناس، أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام” رواه الترمذي

مقاصد الشرع وصناعة الأمان

جاءت الشرائع الإلهية لتنشر الأمان في حياة الناس، وحينما تحدث الإمام أبو حامد الغزالي عن المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية وهي حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل قال: وهذه المقاصد مراعاة في كل ملة.

ولكل مقصد كلي أدواته التأصيلية والإجراءات العملية التي أمرت بها الشريعة لحفظها من حيث الوجود والعدم من خلال الأحكام التكليفية الجزئية.

الأمان المجتمعي 

نقصد به أن يشعر كل مواطن بالقبول داخل المجتمع والتقدير والاحترام والعدالة الاجتماعية، وأنه جزء من هذا المجتمع، ويتحقق الأمان انطلاقا من مبادئ وقيم كثيرة، منها:

  1. التكافل الاجتماعي.
  2. التراحم بين الناس.
  3. إتاحة الفرص.
  4. الاحترام والتقدير.
  5. الإخاء بين أبناء المجتمع الواحد.
  6. الثقة المتبادلة.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “أيها الناس، أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام” رواه الترمذي.

علينا أن نحيي ما تمت دراسته من القيم الاجتماعية حول العالم، وأن نعيد للإنسان روحه التي فقد كثيرا منها تحت قصف نيران المادة الطاغية، وأن ننشر الأمن الروحي والمجتمعي والنفسي في كل مكان ونبث رسائله في النفوس بحسن الخلق والإحسان قولا وعملا حتى يطمئن قومنا أننا نحب لهم ما نحب لأنفسنا ونحرص عليهم كما يحرصون على أنفسهم.

مساجدنا ومؤسساتنا الإسلامية في الغرب تقوم بدور عظيم في تحقيق السكينة النفسية والارتقاء الروحي والسلام المجتمعي انطلاقا من رسالتها الخالدة ومخزونها القيمي والأخلاقي.

تراحم أبناء المجتمع ومؤسساته المدنية -خاصة وقت الأزمات والحروب والكوارث- يحيط الفرد بالحماية النفسية

الأمان النفسي

للإنسان حاجات نفسية لا بد من تحقيقها وإلا عاش قلق الفؤاد مشتت الفكر، وهناك مخاوف تؤثر على الشعور بالأمان النفسي، مثل الخوف من المرض، الخوف من الفقر، الخوف من الوحدة، الخوف من المستقبل، وتلك جميعا أعداء السكينة والطمأنينة.

ومسؤولية تحقيق الأمن النفسي تقع أولا على عاتق الأسرة حينما يشعر الفرد داخلها بالأمان والطمأنينة نتيجة التماسك الأسري، فهدهدة الطفل بين ذراعي أمه تمنحه أمان العالم، وصوت الوالد في البيت أمان، ومداعبته لولده طمأنينة وحنان.

وتراحم أبناء المجتمع ومؤسساته المدنية -خاصة وقت الأزمات والحروب والكوارث- يحيط الفرد بالحماية النفسية، وشعور المواطن أن وراءه دولة تحميه وترعاه وتؤويه يقذف في قلبه مقادير هائلة من الثبات والراحة.

هؤلاء يصنعون الأمان النفسي

الحاكم العادل يستشعر مسؤوليته بين يدي الله، فيجهد نفسه في إقامة العمران وبناء الإنسان ورفعة الأوطان، والعالم الراسخ في علمه الصالح في عمله الصادع لله بأمره، ويتعلق الأمان بأهداب الحكماء والعقلاء والدعاة والمصلحين والمربين الباعثين في النفوس الأمل وفي المجتمع العمل، حماة الدين من التحريف والتزييف والتوظيف والتمييع، وحماة الدنيا من الأحقاد والضغائن والفساد.

والصديق الناصح الصالح صمام أمان في حياتنا الدنيا وواحة راحة من الهموم والأحزان، وجار يتفقدك كل حين ينزع من قلبك الخوف والقلق، ورجل الشرطة الساهر على سلامة أمته وراحة وطنه وتأمين الخلق من الشرور هو من صناع الأمان، وقوات جيش أمينة ترابط على الثغور لحماية البلاد من أن يغتالها جحود كنود حسود.

إذا ملأنا القلوب أمنا رأى كل واحد مكونات الوجود نافذة لراحة النفس، فزهرة جميلة تسعد قلبك، وشجرة باسقة تتوحد بها من وحشة وتأنس بها من غربة وتطمئن في ظلالها من قلق، وصوت طائر يبهج قلبك فتنجلي حقيقة عبودية الكائنات لله تعالى كالصبح إذا أسفر، عندها لا غربة ولا كربة.

عمارة الأرض واستنبات بذور النهوض المادي ووفرة الثراء وتثمير المال من مقاصد الخلق وواجبات المسلم في الحياة

الأمان المالي

الإنسان مشغول بتوفير حاجاته وحاجات من يعول، وإن النفس إذا ضمن قوتها اطمأنت كما قيل.

ومن الجيد حيازة المال الوفير والفراش الوثير ما دام مورده من الطيب الحلال وصحبه شكر صاحب النعمة، وكان سليمان -عليه السلام- نبيا وملكا حيزت له الدنيا ووهبه الله ملكا لم يتوفر لأحد من بعده، قال {رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ۖ إنك أنت الوهاب} (سورة ص: 35).

وقد خلق الله الأرض وجعل فيها الخيرات والكنوز لينتفع بها الإنسان، فيأكل ويشرب ويلبس ويحمد الله على ما أفاء من فضل وأسبغ من نعمة، والفقر رذيلة يجب أن نحاربها ونضيق عليها ولا نسمح لها بأن تعض أحدا من الناس، فهي أم الأوجاع والشرور.

ويتحقق الأمان المالي الفردي والأسري والجماعي بأمور كثيرة، منها:

السعي في الأرض والعمل والإنتاج

قال تعالى {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ۖ وإليه النشور} (سورة الملك: 15).

وإن عمارة الأرض واستنبات بذور النهوض المادي ووفرة الثراء وتثمير المال من مقاصد الخلق وواجبات المسلم في الحياة، وقد أنزل الله تعالى وحيا لبني آدم وأرسل رسلا لتقويم ما اعوج من الأخلاق وما شرد من الفكر وما جمحت به رغبات النفوس.

وجعل الإسلام العبادات كمحطات الوقود والطاقة للمركبات تتزود منها لتكمل المسير، وتأمل آية سورة الجمعة، قال تعالى {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} (سورة الجمعة: 10).

إن المسجد في الإسلام مصدر طاقة للجسد والأخلاق والروح يتزود منه المرء، ثم ينطلق وقد ملك مقومات نفسية تأبى على القعود والكسل، ومقومات أخلاقية تستعصي على الغش والجشع، ومقومات روحية تقاوم الإخلاد إلى الأرض واتباع الهوى.

كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحاب أعمال وصناعات وتجارات، ولم يكونوا في يوم على الناس عالة

حسن التدبير

من الجيد أن ينظر المرء إلى المستقبل فيأخذ من يومه لغده ويراقب عالم الأسواق بفرصه وتحدياته وتغيراته فيتعلم الجديد دوما، وعصرنا عصر التنافس الشديد على الفرص، وأنصاف المتعلمين لا مكان لهم في تقلد الوظائف ذات الصيت والمكانة، بل أهل التفوق والإبداع هم من يحوزون الصدارة.

وقد كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحاب أعمال وصناعات وتجارات، ولم يكونوا في يوم على الناس عالة.

الادخار

نعم، لقد ضمن الله لنا قوتنا وكتب لنا أرزاقنا قبل أن يخرجنا إلى هذه الحياة، لكن إيماننا بالرزق لا يتعارض مع الادخار عند القدرة، وقد كان من أحوال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه ادخر لأهله قوت سنة كما جاء في “الجامع الصحيح” للألباني.

والادخار خلاف الاحتكار والخوف المرضي من المجهول أو كنز الأموال دون تشغيلها وتحريكها في سوق العمل وإفادة الناس بها والحيلولة دون بطالة الأيدي من الأشغال.

روى البخاري من حديث أن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: جاءنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعودني من وجع اشتد بي زمن حجة الوداع، فقلت: بلغ بي ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: بالشطر؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: الثلث كثير، أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، ولن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في امرأتك.

ترشيد الاستهلاك واجب كل إنسان، وذلك في حدود سلطانه على الأشياء

ترشيد الاستهلاك

من صيانة النعمة أن ينتفع بها المرء قدر حاجته ولا يتجاوز حده فيسيء، وكثير من الناس يأكلون فوق طاقتهم ويلبسون أكثر من حاجتهم وينفقون دون وعي ويسرفون لإشباع الرغبة المجنونة في التملك والمباهاة والتقليد.

لقد خلق الله الأرض وبارك فيها، وقدّر فيها الأقوات لينعم الإنس والكائنات بها {وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين} (سورة فصلت: 10).

فلماذا يضرب الجوع والفقر أكباد ملايين البشر؟

إنه الشبع حد التخمة، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم “يقول ابن آدم: مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبيلت، أو تصدقت فأمضيت” رواه مسلم.

لكنه نسي ولم نجد له عزما على أن يطوي بطنه للجائع والمسكين ومن شحت موارده وقل وارده.

وهل يقدر كل إنسان على الترشيد من استهلاكه؟

نعم، ترشيد الاستهلاك واجب كل إنسان، وذلك في حدود سلطانه على الأشياء، فإذا كنت تتوضأ بلتر ماء فلماذا تتوضأ بأكثر من ذلك؟ وإذا كانت الإنارة تكفي بمصباح واحد فلماذا تضيء البيت كله؟ وإذا كانت نصف صفحة من الورق تكفيك لكتابة شيء أو تقييد فائدة فلماذا تسود ورقة كاملة ثم ترمي بها؟!

وإذا كانت المائدة عامرة بأنواع وأصناف شتى تبهج عين صاحبها ثم يرمى نصفها في القمامة فتلك جريمة.

إن ترشيد الاستهلاك سلوك إنساني يعكس العقل الذكي والخلق الرضي وتفكير المرء في إخوانه من الناس.

ونحن نعيش الآن أياما صعبة على وقع أزمة عالمية في الطاقة وحروب طاحنة وما أعقبها من ارتفاع الأسعار بشكل مرهق للجماهير علينا أن ندرك واجبنا ونستشعر مسؤوليتنا.

  • وصل القلب بالله تعالى واليقين في قدره ولطفه، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الأرزاق بيد الله تعالى، ولذلك لما علم الله تعالى قلق قلوبنا وخوفنا على فوات المقدور قال {وفي السماء رزقكم وما توعدون} (سورة الذاريات: 22).

لا خوف يسكننا، ولا قلق يحيط بنا، ولا سخط على قدر الله، ولا وحشة مع الله، ولا فرار مما قضاه.

ذكر الإمام بن القيم هذين البيتين الجميلين في كتابه “إغاثة اللهفان”:

ليلي بوجهك مشرق .. وظلامه في الناس ساري

الناس في سدف الظلام .. ونحن في ضوء النهار

إن جوانب ومجالات الأمان كثيرة، ونسأل الله تعالى أن يمن على الأمة الإسلامية والعالم بالأمن والأمان وأن يرزقنا الأمن يوم الوعيد والجنة يوم الخلود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى