مدونة المجد

✍️ «النووي» بين التقدم الإيراني والعجز الصهيوأمريكى

بقلم: أ. ياسر عرفات الخواجا

(مدونة المجد)

لا شك أن الحديث عن المشروع النووي الإيراني في الآونة الأخيرة أصبح حديث الساعة لأهميته
وربما سيطر هذا الاهتمام على كل وسائل الإعلام من خلال تناوله والسعي الجاد لمعرفة وإدراك آخر التطورات التي يمكن أن تؤدي بهذا الاتفاق، وإلى أي مرحلة يمكن السيطرة وضبط العلاقات ما بين الوكالة وطهران.

أعتقد بأن إيران تستغل مسيرة الخلافات و التصعيد من قبل الوكالة الذرية والولايات المتحدة ضدها لمزيد من الحصول على الوقت والعمل على زيادة أنشطة الطرد المركزي وتفعيل مجموعة جديدة من الطرد المركزي وبذلك تزيد من قدرتها على تخصيب اليورانيوم المخصب. أيضاً إظهار الوكالة الذرية بأنها قد تورطت في قراراتها نتيجة لتبني رواية ومعلومات الموساد الإسرائيلي والتي قدمها رئيس وزراء الكيان الغاصب دون أن يذكر أنها معلومات قديمة علما أنها معلومة لدى أجهزة مخابرات دولية؛ الأمر الذي أكدته فرنسا وبريطانيا بالإضافة لموقف “جون كيري” والذي أكد بأنها معلومات قديمة ومعروفة سلفاً.. وعلى ما يبدو هناك تدليس و تلاعب بالألفاظ من قبل الكيان لاستمالة تعاطف المجتمع الدولي تجاه الكيان الصهيوني بإنهاء المفاوضات مع طهران والتلويح بالخيارات الأخرى، وذلك بعد توتر وانقطاع ساد العلاقة بين طهران والوكالة وإتهام الأخيرة لإيران بأن لديها برنامج نووي سري والذي تعتبره الوكالة تضليل إيراني لها جاء ذلك بعد التحرك التحريضي الصهيوني من خلال عرض تقارير استخباراتية تؤكد حسب الزعم الصهيوني أن إيران استطاعت أن تضلل اللجنة الدولية بمعلومات غير صحيحة وأن إيران باتت تملك برنامج نووي سري. كل هذا جاء في سياق الخطوات التحريضية على إيران وتأجيج المجتمع الدولي والتلويح باستخدام القوة ضد إيران للتأثير والضغط عليها من خلال طاولة المفاوضات وهذا الأمر باعتقادي غير مُجدِ في هذا الوقت بالإضافة إلى أن قناعة لجنة 5+1 المتمثلة (بالولايات المتحدة ممثلة بالرئيس «باراك أوباما» عام 2015 وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والصين وروسيا) بعدم الصدام مع إيران وأفضل الأساليب لقطع الطريق على إيران من امتلاكها القنبلة النووية هو احتوائها عبر طاولة المفاوضات وإبطاء قدرتها النووية عبر اتفاق سياسة التدرج والمرحلية ومتابعة ذلك من خلال التفتيش المستمر والمراقبة الدائمة للحد وتقيد نشاطها وبالتالي تأخير حصولها على امتلاك القدرة النووية على اعتبار أن إيران دولة من الدول التي وقعت على اتفاقية منع الانتشار للسلاح النووي.
لكن إيران وحسب وجهة نظري تستغل تخبط المجتمع الدولي بعدم الاكتراث و الالتزام وهي مستمرة نحو إنتاج القنبلة النووية من خلال
استغلالها للظروف الدولية، فمثلاً إيران استغلت وجودها تحت الحصار ضمن ترتيبات داخلية عززت عوامل الصمود مما جعلها تستمر في عملية تخصيب اليورانيوم من خلال تفعيل شبكات الطرد المركزي، وبعد ذلك دعوتها لطاولة المفاوضات ضمن لجنة 5+1 مقابل رفع الحصار وإعادة أموالها المجمدة في المصارف والبنوك الدولية.. ثم بعد ذلك الولايات المتحدة بقيادة الرئيس «ترامب» الذي قرر الانسحاب من الاتفاقية بناءً على ضغط ورغبة الكيان الصهيوني بقيادة “نتنياهو” آنذاك وهو ما كان بمثابة الفرصة الذهبية لطهران للعمل على استغلالها باتجاه تطوير القدرات النووية وقد ساعد هذا الانسحاب لتقدم طهران أكثر نحو قربها من امتلاك القنبلة النووية، ثم جاء “بايدن” وأعاد طهران لطاولة المفاوضات وإيران مستمرة في إنتاجها لتخصيب اليورانيوم ربما بوتيرة أقل لكنها مستمرة لاستكمال مشروعها وإتمامه والحصول على القنبلة النووية، ثم جاء إتهام إيران بامتلاكها مشاريع نووية سرية وذلك بناءً على معلومات العدو الصهيوني معتبراً ذلك ومن وجهة نظري أنها فرصة ذهبية أخرى لطهران وأعتقد أنها شكلت موقفاً قوياً بالانسحاب من المفاوضات على اعتبار أن الوكالة لا تعمل وفق أجندة فنية بل سياسية بحته.

إيران عززت موقفها من خلال إلغاء كاميرات المراقبة وعدم الاستجابة للوكالة الذرية وأنها لن تتنازل عن أي من مواقفها الأخيرة، مما شكل عجز دولي يظهر بأن الكيان الصهيوني قد ورط الوكالة بموقفها الأخير وربما عبر عن ذلك «بيلنكن» وزير الخارجية الأمريكي على إيران أن تقرر تريد الاستمرار في المفاوضات أم لا ويؤكد أيضاً أن إنجاز الاتفاق بسرعة إذا أرادت إيران ذلك. وأعتقد أن هذا آخر مسمار في نعش المفاوضات وأن هذا المشهد له ما بعده من التحديات.

باعتقادي أن إيران اليوم أقرب من أي وقت مضى لامتلاك القنبلة النووية هذا إن لم تكن أصلاً قد وضعت اللمسات الأخيرة بامتلاكها القنبلة، وربما تعلن عن ذلك في القريب العاجل.

إيران وعلى طول مسيرتها النووية كانت تمتلك سياسة ذكية في بناءها النووي من جهة وتعاملها مع المنظومة الدولية سياسياً لإفادة وخدمة مشروعها النووي من جهة أخرى، بالإضافة لاستغلالها للفرص التي كانت تسنح لها خلال هذه المسيرة فكانت دائماً متقدمة وتسبق توقعات الأمريكان والصهاينة في هذا الصدد، وفى نفس الوقت كانت توسع نفوذها وتقوي أذرعها وأحلافها في المنطقة وتستمر في عرض تطور قدراتها العسكرية وخصوصاً منها القدرات الصاروخية المتطورة، كل هذا شل حركة وتفكير الصهاينة والأمريكان وأصبحوا عاجزين في كيفية مواجهة التحديات الإيرانية. فلجأ ترامب بإعطاء قرار اغتيال قائد الحرس الثوري الإيراني «قاسم سليماني» ظناً منهم أنهم بذلك سيوقفون تمدد ونفوذ إيران العسكري في المنطقة. وكذلك لجأ الكيان الصهيوني لبعض العمليات منها ضرب مواقع في الداخل السوري وعمليات اغتيال للعلماء والضابط في الحرس الثوري: “مسعود علي محمدي ومجميد شهريارى وداريوش رضائى ومصطفى أحمد رشون و محسن فخري زادا والعقيد سعيد خدائي وأيوب انتظارىو كآمران آغامولاى”. وغيرهم، وكذلك بعض عمليات التفجير التي نفذها جهاز الموساد في إيران وجميعها تأتي في سياق الحر ب الدائرة لمنع إيران من الحصول على القنبلة النووية ورغم النجاح في عمليات الاغتيال إلا أن هذه العمليات لم تؤثر في الحقيقة بشكل جوهري على إعاقة أو تدمير المشروع النووي الإيراني ولا على تمددها العسكري والسياسي في المنطقة، بل على العكس جاءت النتائج عكسية، الكيان بات قلقاً وخائفاً على رعاياه في كل أصقاع الأرض خوفاً من الرد الإيراني. كل هذا السلوك الإجرامي الصهيوأمريكي يُدلل وبصورة جلية على مدى العجز والتخبط والاضطراب والغباء في مواجهة السياسة الذكية التي كانت تنتهجها إيران.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى