مدونة المجد

✍️ فضيحة الموساد في إسطنبول.. قراءة في استراتيجيات الموساد

بقلم: محمد عبدالله لافي

(مدونة المجد)

يعتمد هذا المقال بالأساس على ما تضمنه برنامج  ما خفي أعظم، الذي أذاعته فضائية الجزيرة يوم الجمعة 1/7/2022، عن دور جهاز الموساد الإسرائيلي في تركيا، وتحديداً فيما يتعلق بمحاولات تجنيده لطلاب عرب وخاصة من الفلسطينيين يدرسون في الجامعات التركية؛ من أجل متابعة قيادات فلسطينية ذات علاقة بحركة حماس.

وأودّ أن أشير في هذا المقال إلى أهم استراتيجيات جهاز الموساد الذي تناولها البرنامج، وكذلك الأخطاء التي وقع فيها ضباط الموساد خلال تلك الأنشطة:

لا تتأثر أنشطة الاستخبارات بمستوى العلاقة الدبلوماسية بين الدول، فالتقارب الحاصل بين تركيا وإسرائيل لم يمنع الموساد من العبث في الساحة التركية، واستهداف أشخاص ينشطون في الدولة التركية وتحت مظلة القانون التركي.

وقد سبق للموساد قيامه بأنشطة تجسسية في دول لها علاقة دبلوماسية مع إسرائيل، فقد شهدت مصر أنشطة للموساد بعد اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، ولعل آخرهم كان الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام الذي اعتقل عام 1996، كذلك محاولة اغتيال القائد الفلسطيني خالد مشعل في عمان سنة 1997، على الرغم من اتفاقية “وادي عربة” عام 1994.

 وقد سبق أن طردت بريطانيا مسؤول الموساد من أراضيها احتجاجاً على تزييف الموساد لعدد 15 جوازاً بريطانياً تم استخدامها في عملية اغتيال الموساد للقائد الفلسطيني محمود المبحوح في دبي، رغم ما تعهد إسرائيل في مارس 1987 لبريطانيا -بعد العثور على جوازات سفر بريطانية مزورة داخل كابينة هاتف عمومي في ألمانيا تعود إلى الموساد- بعدم استخدام جوازات بريطانية في أعماله.

ويعتبر تجسس ضابط البحرية الأمريكي “جوناثان بولارد” لصالح الاستخبارات الإسرائيلية مؤشراً قاطعاً على ألّيس هناك خطوط حمراء في عمل الموساد.

تعتمد إسرائيل استراتيجية عدم التسرع في الرد، وتفضل عدم الردّ على تلك الأخبار التي تشير إلى أنشطة جهاز الموساد، وفي حالة الردّ يكون الرد مختصراً وبسيطاً وبعيداً عن التفاصيل، وفي معظم الأحيان يُختصر الرد على النفي فقط.
ينشط جهاز الموساد –كما بقية أجهزة الاستخبارات- للعمل تحت واجهات مخادعة وغير حقيقية، وقد ذكر البرنامج أن الموساد انطلق في أنشطته في الساحة التركية من واجهة “جمعية سواك للمساعدات الخيرية”، ومقرها المزعوم “بلجيكا”.

وعند تصفحي لموقع تلك الجمعية على الانترنت، بدا واضحاً عدم مصداقية تلك الجمعية، والتي عمدت إلى استدراج الطلاب من باب الحاجة وطلب العون، وأن على الطالب الذي يرغب بمساعدة الجمعية له أن يملأ استمارة بيانات وافية عنه.

ونذكّر هنا، أن عميلة الموساد “إريكا تشامبرز” التي وقفت خلف عملية اغتيال القائد الفلسطيني “أبو حسن سلامة” في يناير 1979،  كانت تعمل تحت غطاء جمعية إنسانية تعني برعاية الطفولة.

استخدم جهاز الموساد تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك، وتويتر، والواتس…إلخ، في التواصل بين ضباطه والأشخاص المراد استهدافهم للتجنيد لصالح الموساد، وأن هذه التطبيقات قد سهّلت على الاستخبارات طريقة البحث عن أهداف للتجنيد، كونها تتضمن قاعدة بيانات اجتماعية وافية عن أصحابها، وهي الخطوة الأولى والضرورية لضابط الاستخبارات لمعرفة نقاط قوة وضعف الشخص الهدف، وتحديد موطن التوظيف الأنسب لما بعد تجنيده.
أن المال –وخاصة لأصحاب الحاجة- جزء مهم في عمل الاستخبارات، ويتم استخدامه بطريقة غير أخلاقية وخبيثة مع الشخص المستهدف، وأن الوعود بحياة رغيدة ومبالغ كبيرة من المال، هو أكثر بكثير ممن يتم صرفه في حقيقة الأمر.

ويعتبر جهاز الموساد ثاني أكبر جهاز الاستخبارات في العالم بعد الCIA، بميزانية تقترب من الثلاثة مليارات دولار في السنة، وعدد الموظفين الذين يتجاوز عددهم السبعة آلاف موظف.

في بداية التواصل بين ضابط الاستخبارات والشخص المستهدف، يدور الحديث عن موضوع حقيقي وبطريقة طبيعية يغلب عليها الصدق، وهو الاتصال الأول الذي يبني بعدها ضابط الاستخبارات رؤيته في التعامل مع الهدف، ثم يأتي الخداع والتلفيق في الاتصالات التالية، بعد أن يكون ضابط الموساد قد اكتسب ثقة المستهدف من الاتصال الأول، ومما يساعد على التوريط والمخادعة، استخدام ضابط الاستخبارات لكلمات دافئة في تعبيراتها، ويبالغ في حرصه على مصلحة المستهدف ومستقبله.
يبحث الموساد عن اشخاص للتجنيد ممن لهم علاقة مباشرة أو قريبة من القيادات الفلسطينية المُسْتَهدفة، وأن تواجد قيادات من حركة حماس في تركيا، قد تبعه كوادر وطلاب تربطهم علاقات مع تلك القيادات، وأن تواجدهم بوفرة قد ساعد ضباط الموساد في تحديد الأنسب من بين خيارات متعددة، حتى أن ابناً لأحد القيادات كان ممن وضعهم الموساد في دائرة الاستهداف.
أن جهاز الموساد ليس بعيداً عن الأخطاء، وأن الصورة الأسطورية التي رسمها لنفسه عبر أدوات إعلامية تتبع له، هي صورة وهمية كاذبة، وقد أظهر برنامج (ما خفي أعظم) سذاجة الأخطاء التي ارتكبها ضباط الموساد، وهذه بعضها:

تغيير ضابط الموساد –إسماعيل بدر- لصفته ومهنته عند الاتصال مع الطالب أنس.
تغيير الأماكن الذي يتصل منها ضباط الموساد بالطلاب، وقد تبين أن جميعها كانت في إسرائيل وإحداها في تل أبيب (كان موقع اتصال ضابط الموساد مرعي بحسين في تل أبيب).
 تسليم المال عبر شخص ما بهوية وملامح ظاهرة-سائق سيارة أجرة- ، وعدم الاعتماد على الصندوق الميت.
 تشكيل خلايا هرمية من المجندين حتى إذا كُشف أحدهم فسيتم كشف الآخرين.
الحديث الذي دار بين ضابطي الموساد -ممن يشرفون على تجنيد عدنان- كان باللغة العبرية.
 انخداع الموساد بالجمعية الوهمية التي أنشأها جهاز الاستخبارات التركي عبر رجل الاستخبارات التركية (أبو أحمد).
 إهمال الموساد لفرضية أن يكون أحد المستهدفين بالتجنيد عميلاً مزدوجاً يعمل لصالح الاستخبارات التركية.

الطلاب الفلسطينيون ممن يدرسون في تركيا هم من بيئة مقاومة للاحتلال، وأنهم يمتلكون ثقافة أمنية جيدة، ومعرفة بطرق الاستخبارات الإسرائيلية، وأن حملات التوعية الأمنية التي قامت بها وزارة الداخلية في غزة آتت أكلها، حيث أن بداية تحرك أجهزة الاستخبارات التركية جاء نتيجة إعلام الطلاب الفلسطينيين لها بطبيعة التواصل، وتقديرهم أنها تتبع لجهاز الموساد الإسرائيلي.
ما زالت تركيا عصية على أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وأن مجريات العلاقة الدبلوماسية الجارية لم توقف جهد الاستخبارات التركية في ملاحقة أية أنشطة للاستخبارات الإسرائيلية على الأراضي التركية.
دور السفارات في أنشطة الاستخبارات هو دور مهم ورئيسي، وما تم في السفارة السويسرية من تسهيل استلام (عدنان) للفيزا دون مقابلات أو أي أسئلة، هو جزء من ترتيبات وتعاون أجهزة الاستخبارات فيما بينها تحت شعار محاربة الإرهاب والخضوع للرواية الإسرائيلية.

وهناك دور رئيس للسفارات في عملية الاستخبارات من بابين: أحدهما مشاركة السفارة بجمع المعلومات، والثاني تقديم الدعم اللوجستي والتغطية الدبلوماسية لأنشطة الاستخبارات.

ما زال موقع الجمعية على شبكة الانترنت وصفحتها عبر الفيسبوك موجودة، رغم أن حادثة كشف خلية الموساد كانت في أكتوبر من 2021، وعلى الرغم من تأكيد (أبو أحمد) للبرنامج بإزالة موقع الجمعية على شبكة الانترنت.
أن الاستخبارات التركية وطريقة تعاملها مع جهاز الموساد قبل عام 2010، تختلف عنها بعد هذا التاريخ، وهو تاريخ بدء قيادة هاكان فيدان لجهاز المخابرات التركي، وأن وجود فيدان شكل إزعاجاً شديداً للموساد، ويعد فيدان ركن رئيس في حكومة أردوغان، ويرجع إليه الفضل الكبير في إفشال انقلاب 15/7/2016، والذي كاد يطيح بأردوغان.
تتعمد أجهزة الاستخبارات سواتر مناسبة عند طلبها معلومات خاصة، وقد استخدم الموساد ساتر مساعدة الطلاب ودعمهم في الدراسة أو العلاج مع (حسين)، وساتر إعداد دراسات وأبحاث كما طلب الضابط سامي من (عدنان) بحجة تقديم معلومات امنية لحلف الناتو حيث تركيا عضو في الناتو.
أظهر البرنامج كفاءة وقدرة الاستخبارات التركية في إدارة المعركة مع الموساد، بهدوء وحكمة، وتمكنها من خداع الموساد عبر شبكة من العملاء المزدوجين، وبل وصناعة أبو أحمد كأهم عميل مزدوج في القصة.
لم تحصل أية لقاءات في تركيا بين ضباط الموساد والمجندين، وقد رفض الضابط غازي رغبة أنس بأن يتم اللقاء في تركيا

 وعلى أهمية اللقاء المباشر بين الضابط والمجند في عملية التجنيد، إلا أنه لم يتم ذلك بسبب رفض المجندين دعوة الموساد لعقد اللقاء في أوروبا، وما بين رفض الموساد لعقد اللقاء في تركيا، ورفض الطلاب لعقده في دولة أوروبية، تم عقده أخيراً في إحدى الدول العربية، ويعتبر تصوير الطالب –الموجّه من الاستخبارات التركية- لضابطي الموساد (أنطوني وهانس)، ضربة قاصمة للموساد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى