مدونة المجد

✍ البصمات الجُغرافية على المسلكيات الثورية

⁩⁩ عبد الله أمين الخبير الأمني والإستراتيجي

(مدونة المجد)

لا شك أن الجغرافيا التي يولد ويشب ويشيب فيها الإنسان؛ تترك أثرها عليه وعلى سلوكه وعلى رؤيته للأشياء وحكمه عليها، وقد تطرق لهذا الموضوع كثير من الفلاسفة، المتقدمين منهم والمتأخرين؛ فهذا الفيلسوف أبقراط في القرن الخامس قبل الميلاد ذكر أثر الجغرافيا على الإنسان؛ فأشار إلى أنّ سكان المناطق الجبلية المعرضين للأمطار والرياح يكونون نحيفي البنية شقر السحنة ميّالين للسيادة – كون الإنسان يسكن في مناطق عالية مشرفة ومسيطرة على محيطها يورثه ذلك حب السيطرة على الأشياء والتحكم في مجرياتها -.

كما أن أرسطو ربط بين الجغرافيا وما يسودها من مناخ، وطبائع السكان وسلوكهم، المسعودي في مروج ذهبه، ذهب هذا المذهب؛ ففرق بين سكان الشمال الذي يسيطر على مناخه البرد والرياح والأمطار، وسكان الجنوب الذي يسود مناخه رياح حارة، وكيف تترك هذه الظروف المناخية أثرها على هؤلاء السكان، ثم جاء عالم الاجتماع ابن خلدون فكتب في مقدمته حول هذا الموضوع وأثر الجغرافيا على طباع البشر وأخلافهم وسلوكهم، ثم تتابع الأمر حتى بتنا أمام مدرستين في هذا المجال؛ تقول أحداهما وهي مدرسة الحتمية الجغرافية بأن الجغرافيا تترك أثرها على مختلف نواحي الشخصية الإنسانية؛ سلوكاً وصفات، أما المدرسة الثانية وهي مدرسة الإمكانية الجغرافية؛ فهي وإن اعترفت بهذا الأثر؛ إلا أنها لا تؤمن بحتمية هذه العلاقة.

وحيث أن خلاصة القول في هذا المجال أن الجغرافيا تترك أثرها على الإنسان وعلى ما يختاره من خيارات أو يقرره من قرارات، وحيث أن هذا المقال ليس معنياً ببحث هذه الجدلية والغوص في كنه تفاصيلها، حتى لا يطول البحث وتتشعب العناوين، فإننا سننحو منحى المدرسة الأولى – الحتمية الجغرافية-

لنرى كيف تؤثر الجغرافيات على المسلكيات البشرية عامة، مركزين البحث فيما تتركه الجغرافيا على منتسبي الحركات الثورية التحررية من آثار وبصمات، ثم نأتي على ذكر أهم ما يرى الكاتب من ميزات يعتقد أنه يجب أن تتوفر في الجغرافيا التي على الشخصية الثورية أن تختارها كمنزل ومقام مؤقت إن فرض عليها مغادرة ساحة صراعها الرئيسية، علّنا بذلك نكون قد أسهمنا في تصحيح مسار أو ساعدنا في العزم على أخذ قرار، فنقول مستعينين بالملك الجبار أن الجغرافيا تترك أثرها على الشخصية الثورية في كثير من الأمور والتي منها على سبيل السرد لا الحصر:

  1. الأهداف والغايات:
    إن الجغرافيات التي تتموضع فيها المقاومة – قيادة وأفراد- تظهر تجلياتها الأولى في تعريفهم لأهدافهم والغايات التي يرومون الوصول لها، فإن كانت هذه الجغرافيات من النوع الداعم المساند المستعد لتحمل أكلاف حضورهم وتباعاته؛ فإن أهدافهم ستكون من النوع عالي القيمة كبير الأثر في مسار التحرير والمقاومة، وإن كانت الجغرافيا التي اختاروها أو فرضت عليهم أو زين لهم التموضع فيها من النوع الذي لا يحتمل تبعات أعمال المقاومة والمقاومين أثناء سعيهم وعملهم لتحقيق أهدافهم؛ فإن المقاومين سيرضخون – طائعين أو مرغمين – على تخفيض مستويات أهدافهم وطموحاتهم وسقوف تحديهم لعدوهم، تحت ذرائع شتى، ليس أولها احترام خصوصيات المضيف، ولن يكون آخرها تفهم حاجاته ومصالحه، هذا فضلاً عن مبرر حماية الذات والمحافظة عليها، الذي يتحول في ذاته إلى هدفٍ سامٍ لدى المقاومة يجعلها تتنازل عن كثير من ثوابتها ومبررات وجودها من أجل التماهي مع متطلبات الجغرافيا وضروراتها.
  2. الإجراءات والترتيبات:
    وحيث أن الجغرافيا فرضت نفسها عند تعريف الأهداف ورسم الغايات؛ فإنها حكماً ستفرض نفسها عند تعريف الإجراءات ووضع الترتيبات لتحقيق تلك الأهداف والوصول إلى تلك الغايات، عندها ستجد المقاومة أو حركة التحرر في خضم غابة من الإجراءات والفعاليات التي تستنزف الأوقات والأموال، ولكنها لا تصب في أصل الهدف القاضي بمقارعة العدو والتصدي له؛ كيف لا وقد انخفضت مستويات الأهداف والغايات تماشياً مع الجغرافيا ومتطلباتها، في مثل هذه المواقف ستكثر ثقافة المؤتمرات وفعالياتها – على أهمية المؤتمرات – في مقابل ضمور الثقافة المطلوبة لأي حركة تحرر أو مقاومة، عَنَيتُ بها ثقافة المعسكرات، فحركات المقاومة والتحرير وهي تقارع عدوها وتجاهده هي بحاجة أكبر وأكثر أولوية لثقافة المعسكرات منها إلى ثقافة المؤتمرات، لكنها الجغرافيا التي تفرض على ساكنها رِتم عمله وجدول أولوياته واهتماماته.
  3. الضوابط والسياسات:
    وحيث أن الأهداف وإجراءاتها وضعت ضمن السقف الذي تسمح به الجغرافيا، فإن ما يوضع من ضوابط وسياسات عمل ستلحق تلك الأهداف وتلك الإجراءات كتحصيل حاصل، وما في ذلك من بأس ولا ضير، ولكنها – الضوابط والسياسات – ستحكمها ضابطة كلية وسياسة عَليّة هي عدم إحراج المضيف، وعدم التسبب له بالحرج في محيطه ومع من تربطه بهم علاقات، عندها سينخفض مستوى السياسات والضوابط في جميع مستوياتها واقسامها؛ السياسية والأمنية والمالية والإعلامية وغيرها من الأقسام والفروع والأنواع.
    فمن يجب أن تؤمن له الحماية الأمنية من الكوادر لخطر يتهدده؛ ستضطر قيادته لخفض مستوى أمنه ليتماشى مع سياسات الدولة المضيفة، ومن يجب شجب فعله وقوله من الخصوم والأعداء على الملأ وبلغةٍ غير حمالة أوجه؛ ستجد الجهات الإعلامية في تلك الحركة نفسها تصارع النصوص وتشتق المصطلحات لتخرج بسطر أو سطرين لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، يفهمها كلٌ على ذوقه وكما يشاء، وستبرز و( تُبروَز) في صدور المكاتب القواعد الذهبية التي تحكم مثل هذه المواقف والتي تقول: (لا يموت الذيب ولا يفنن الغنمات)، و (دقة على الحافر ودقة على المسمار) !!!
  4. المعايير والمواصفات:
    فكما أن الأهداف والغايات متواضعة، فكذا معايير ومواصفات من سينجزونها ستكون أكثر تواضعاً. إن حركة المقاومة التي تقارع عدواً شرساً لدوداً؛ تبحث عن الرواحل من الرجال، ومن تزول الجبال ولا يزولون، إنها تبحث عمن يرى في انضمامه إلى صفوفها أنه نال شرفاً ما بعده شرف، شرفاً يستلزم ترك الطيّب من الحياة والهانئ من العيش، لكن حين تتموضع المقاومة في جغرافيا غير مساعدة ولا هي من سنخية الجغرافيات المقاومة، فإن المعايير تختل والموازين تطيش، وليس المقصود هنا معايير الكوادر البشرية فقط؛ وإنما كل المعايير والمواصفات؛ معايير قبول البشر، ومواصفات المشاريع والخطط، والأدوات والإجراءات، كل هذه السلسلة من المعايير والمواصفات ستتعرض إلى تحوير وتدوير لتتلائم وتتساوق مع الجغرافيا التي تحتضنها والبلد الذي يؤويها.
  5. جرأة القرار والمخاطرات:
    وسينخفض في نهاية المطاف مستوى وقدرة القادة والأفراد على اتخاذ القرارات الجريئة، وتقبلهم للمخاطرة والمجازفة في تنفيذ المهام، وهذا من طبائع الأشياء، كيف لا وصاحب القرار يشخُص أمام ناظريه أثرُ قراره على مؤسسته ومنتسبيها والبيئة الحاضنة له ولهم، فإن كانت تلك البيئة أو الجغرافيا هي البيئة الطبيعة لهذا القائد أو المسؤول؛ فإن جرأته على تحمل مخاطر ما يتخذ من قرارات سترتفع لتناسب المقام، أما إن كان القائد وكوادره ضيوفاً على جغرافيا ترسل له الرسائل اليومية أن (يا غريب كن أديب) فسيحسب ألف حساب – وهو محق – قبل أن يصدر قراراً أو يأمر بإجراء قد يرتد أثرُه على (حاضنته) التي تؤويه وجغرافيته التي تغطّيه.

هذه خمس بصمات تتركها الجغرافيا على الشخص والخيارات، ذكرناها على سبيل المثال لا الحصر، الأمر الذي يحملنا على القول أن قيادات حركات المقاومة والتحرير إن فرض عليها خيار ترك ساحة صراعها الرئيسية مع عدوها بحثاً عن قاعدة آمنة تتمكن فيها من قيادة مقاومتها وإدارة صراعها معه برأس بارد، تحقيقاً لهدف مراكمة التجارب والخبرات وتنمية الإمكانات والمقدرات، فإن هذه الجغرافيا يجب أن تتوفر فيها مجموعة شروط تمكّن المقاومة من تحقيق هدفها الذي خرجت من أجله، حتى لا تتحول تلك الجغرافيا إلى لعنة عليها، تأكل من رصيدها وتفتُّ في عضدها وتفرغها من محتواها وتحرفها عن أصل هدفها وتجرّدها من أهم صفاتها، عَنَيتُ بها الرسالة والثورية، لذلك وجب على تلك القيادة أن تختار الجغرافيا التي تتوفر فيها على الأقل الصفات والمميزات الآتية:

  1. القرب الجغرافي من ساحة الصراع الرئيسية:
    إن القرب من ساحة الصراع الرئيسية هي أهم صفة من مواصفات الجغرافيا المؤقتة البديلة التي إن كان ولابد من إعادة التموضع فيها، يجب أن تتوفر في الساحة الجديدة هذه المواصفة الحياتية، كيف لا وقرب المقاتل من جبهة قتاله يذكّره بعدوه الذي أخرجه من أرضه، كيف لا وأهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها المقاوم المجاهد المناضل هي صفة الحيطة والحذر والتنبه والجاهزية الدائمة لمواجهة المخاطر والتهديدات، وأنّى له التحلي بمثل هذه الصفات، إن باعدت بينه وبين جبهته الجغرافيات والمسافات؟
  2. العلاقات البشرية والصلات العائلية والعشائرية:
    ومن الأمور المطلوب توفرها في مثل هذه البيئات والجغرافيات التي تُختار للتموضع فيها؛ ما يمكن أن يكون من صلات عائلية وعشائرية بين المقاومين وأهل تلك المناطق، فمثل هذه الصلات والقرابات توفر للمقاوم عصباً يُشَد دفاعاً عنه، وحميّةً عائليةً تذب الخطر عنه، هذه الصلات توفر له ما ينقصه من موارد ومتطلبات، بل هي من أهم المبررات التي تساق وتقدم عندما يسأل عن سبب هذا التموضع المؤقت وذاك الخيار.
  3. تشابه العادات والأعراف الاجتماعية:
    فحتى ينسجم المقاوم مع البيئة التي فرضت عليه، وحتى يستطيع أن يمارس مهامه الجهادية والكفاحية على أكمل وجه تحقيقاً لأصل الهدف الذي خرج من أجله، لابد أن يجمعه مع بيئته الجديدة جوامع العادات والأعراف والطباع، من مأكل وملبس ونمط حياة، وإلا سيغدو كعنصر نافر ك- (الثور الأبرق) في محيط منسجم، لا يلبث أن يلفظَه أو يكشفَ الغطاء عنه، هذا إن لم يبادر هو بذاته في اعتزال بيئته وجغرافيته الجديدة، فيقيد نفسه أو تقيده الجغرافيا، فيقعد عن تحقيق ما خرج لأجله وما تجشم الصعاب بسببه.
  4. تقاطع في الأهداف والغايات الكلية:
    فكيف لجغرافيا أن تقبل وافداً جديداً لا تتقاطع معه في أهدافه الكلية، وكيف لها أن تقدم له العون والمدد إن لم ترَ أن في تحقيقه لأهدافه تحقيقاً لأهدافها أو جزءٍ منها على الأقل، إن أول دافع ومحرك للبيئة المضيفة نحو تقديم العون والمدد للضيف الوافد؛ رؤية أهدافها من خلال أهدافه، وتخلل غاياتها عبر غايته، وفي غير هذه الحالة؛ فلن تلبث هذه الجغرافيا أن تضيق وتُضيّق عليه، فتحاصره وتمنع عنه أسباب الحياة، ثم تطحنه في مطحنتها فلا تعود تميزه – المقاوم – عنها؛ يحمل همّها ويتزيّا بزيّها، يقدمها على ما سواها فتصبح هي – الجغرافيا – الغاية بعد أن كانت الوسيلة.
  5. تشارك في تصور وسائل تحقيق تلك الأهداف والغايات الكلية:
    فهذه الجغرافيا وتلك البيئة المضيفة ستتحمل أكلاف خيارات ضيوفها وسبل وصولهم لأهدافهم، فإن لم يتقاطع أهل تلك البيئة مع الوافدين الجدد عليها في سبل وصولهم لأهدافهم؛ فستتحول هذه البيئة وتلك الجغرافيا إلى أهم عائق أمام سبل امتلاك القدرات وتنمية الطاقات.
  6. تناظر في مستويات المعيشة الاجتماعية:
    ومن المميزات المطلوبة؛ تشارك الطباع والعادات المعاشية والاجتماعية، فكيف لإنسان مقاوم مجاهد مناضل من أهم صفاته ومواصفاته تقبّل الخشن من العيش وتحمل شظف الحياة أن يستقيم له حال أو يقر له بال في جغرافيا أهلها يستمرئون طيب العيش وهانئه – ولا يضيرهم ذلك لاختلاف ظرفهم عن ظرفه -، إنه في تلك الجغرافيا وافد طارئ مؤقت، ولن يستطيع أن يجبر المحيط أن يعيش وفق معاييره ومستويات عيشه، وإنما سيطحنه نمط عيش مضيفيه في بيئتهم، وسيغدو واحداً منهم، ينشد عيشَهم، وستترتب أولوياته وفقاً لأولياتهم، وستتباعد الشُقة بينه وبين بيئته المقاومة، وسيغدو شظف العيش الملازم للعمل المقاوم تهديداً يجب البحث عما يبدده ويقضي عليه.

هذه اطلالة سريعة على الجغرافيا وما يمكن أن تتركه من بصمات على الشخوص والحركات، وما يجب أن تتصف به من صفات وميزات، حتى لا تتحول إلى أهم عائق في وجه المضي نحو الأهداف والغايات.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى