عين على العدو

في حضرة الجرافات..

في الوقت الذي تصول وتجول فيه دولة الاحتلال بكامل جيوشها وأسلحتها ومستعمريها وجرافاتها، تجريفاً وتخريباً واقتلاعاً في الجسم المقدسي والفلسطيني في الضفة، بمنتهى القسوة والاستخفاف بكل الحقوق والوجود العربي هناك، تأتي الجرافة الفلسطينية لتقدم صورة أخرى مختلفة عن طبيعة تلك الجرافة الاحتلالية.


 


أطلقوا عليها هناك في الجانب الإسرائيلي “الجرافة المنتقمة”، و”انتقام الجرافة”، وكذلك “صرعة الجرافة”، و”الجرافة الآن”، و”الجرافة ـ علامة انتفاضة..”، بينما “يتخبط الإسرائيليون في تفسير ظاهرة الجرافة…!”، وغير ذلك من العناوين الملفتة.


 


يتوقعون هناك في “إسرائيل” أن يواصل الفلسطينيون استخدام “الجرافة المنتقمة”، وأن يبتكروا المزيد من وسائل المقاومة.. فربما يلجأون إلى استخدام الشاحنات ـ مثلاً ـ وربما يلجأون إلى استخدام آليات أخرى ليست في وارد الإسرائيليين! وقد تلجأ “إسرائيل” إلى حظر استخدام الفلسطينيين، ليس فقط للجرافات وإنما أيضاً للشاحنات وغيرها.


 


ولكنهم كلهم يجمعون على سبيل المثال على أن “هذه العمليات إنما هي نتاج تراكمات من الإحباط والغضب مما يجري على كل المستويات”، وعلى أنها “مقدمة لانتفاضة فلسطينية ثالثة”..!


 


فالذي يجري على أرض القدس والضفة الغربية عملياً من اجتياحات وعمليات تجريف وتدمير وتهديم للبيوت والمزارع والبنى التحتية الفلسطينية، أداته المركزية إلى حد كبير هي تلك الجرافة العملاقة من صناعات “كاتر بيلر” المعروفة.


 


كان أوري أفنيري، أحد أهم أقطاب “معسكر السلام” الإسرائيلي وأبرز الخبراء في السياسات الصهيونية، قد أكد منذ سنوات على سبيل المثال: “إن الحرب الحقيقية في الضفة إنما تدور رحاها في أنحاء الضفة الغربية والقدس، وأسلحتها تتكون من الخرائط والقرارات والأوامر العسكرية.


 


وهي حرب مصيرية يتعلق بها مصير ملايين الفلسطينيين، فإما الحياة وإما الموت”، وأدوات هذه الحرب الوجودية حسب أفنيري وحسب التقارير الفلسطينية المختلفة، هي الخرائط والقرارات والأوامر العسكرية الإسرائيلية التي أداتها الرئيسية هي الجرافة العملاقة، التي لم تتوقف عن غرز أسنانها في الجسم الفلسطيني.


 


يقول الكاتب الإسرائيلي “يهودا ليطاني” في الجرافة: “إن الجرافة صارت أداة حرب للجيش الإسرائيلي، الأداة التي تشبه الدبابة وترمي إلى الدمار وليس إلى البناء”. ويقول الكاتب الإسرائيلي الآخر عوفر شيلح: “تواصل صديقتنا الجرافة تصميم الواقع في الضفة الغربية”. وكتبت الصحافية الإسرائيلية المناهضة لسياسات الاحتلال عميره هس مؤكدة: “التفاؤل بعملية السلام شيء، والجرافات شيء آخر، ف”إسرائيل” تبني للفلسطينيين في الضفة الغربية محميات هندية مبعثرة هنا وهناك”.


 


وتؤكد معطيات تقارير “السلام الآن” وغيرها “أن الجرافة الإسرائيلية تواصل عملها على مدار الساعة بلا توقف، بينما هم يتحدثون عن السلام…”!


 


وعن آثار الجرافة الاحتلالية العملاقة كتب جدعون ليفي في هآرتس (24/07/2008) يقول: “هيا بنا لننسى لحظة الـ416 قرية التي أزالتها “إسرائيل” عن الوجود في عام 1948، ففي عام 2004 مثلاً تحول 10704 فلسطينيين إلى أشخاص عديمي المأوى، بعد أن دمر الجيش الإسرائيلي 1404 منازل أغلبيتها في غزة، لـ “أهداف ميدانية تتعلق بالعمليات”.


 


وفي مخيم جنين دمر الجيش الإسرائيلي 560 منزلاً، وسائق البلدوزر الأسطوري “كردي” روى كيف كان يشرب الويسكي خلال تحويله جنين إلى ملعب كملعب تيدي كوليك، وفي عملية “قوس في السحاب” التي كانت الجرافة وسيلة فيها، هدمت “إسرائيل” 120 منزلاً في يوم واحد.


 


ومن كان في رفح وخان يونس هو وحده الذي يستطيع أن يدرك ما الذي فعلته جرافاتنا المتفوقة”، ويضيف: “لا تقولوا إن جرافاتنا تهدم ولا تقتل، فما الذي قتل ناشطة السلام راشيل كوري إن لم تكن رآها سائقها وفقاً للشهادات من قبل أن يقوم بدهسها حتى الموت؟


 


ومن الذي سحق أبناء عائلة شعيبي في قصبة نابلس ـ جد وعمتين وأم وولدين ـ كلهم سحقوا تحت جنازير الجرافات؟ ومن الذي قتل جمال فايد المعاق من مخيم جنين الذي لم يوجد من أثر له إلا بقايا كرسيه المتحرك بينما لم يجدوا جثته حتى الآن؟ أوليس هذا إرهاب الجرافات؟!


 


ويستخلص: “الفلسطينيون اكتشفوا الجرافة في وقت متأخر جداً، فما هو جيدٌ لنا مناسب لهم أيضاً، وكيف يقترح علينا خبراء الأمن عندنا مكافحة هذه الظاهرة الجديدة؟ تدمير منازل المخربين، بالجرافات طبعاً…!”.


 


ولكن على الوجه الآخر، وما بين جرافات الاحتلال والجرافة الفلسطينية، وخلافاً لتلك الصورة النمطية الكابوسية لتلك الجرافة (البلدوزر) الإسرائيلية العملاقة ـ رمز التجريف والتهديم والتدمير والاقتلاع ـ من صناعة “كاتر بيلر” وغيرها، فقد جاءت “الجرّافة المنتقمة” ـ كما أطلقوا عليها ـ التي اجتاح بها حسام دويات ابن صور باهر المقدسية، شوارع القدس، لتحدث زلزالاً يهز أركان ذلك المجتمع الإسرائيلي في المدينة، الذي لم يكن ينتظر عملية استشهادية فلسطينية يوم 2/7/2008 أداتها “الجرافة”!


 


ليتضح لنا أننا أمام مفارقة مذهلة في حضرة “الجرافة”، فما بين الجرافتين الإسرائيلية والفلسطينية تتحرك مضامين ودلالات الصراع برمته. فالحرب الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني تدور من أجل ترسيخ وتكريس السيطرة الإسرائيلية في كل أرجاء الضفة الغربية.


 


وما يجري على الأرض من تطبيق للخرائط وترسيم لمعالم الأرض والاستيطان، يفوق بكثير كل ما ينعكس في وسائل الإعلام، إذ تتواصل في كل أرجاء الضفة معركة أخرى ترمي إلى تحويل كل مدينة أو قرية فلسطينية إلى جيب منقطع، محاط بمناطق سيطرة إسرائيلية عسكرية واستيطانية على حد سواء، وتلعب الجرافات الصهيونية في ذلك الدور المركزي الكبير. وهي معركة مخططة جيداً من قبل الاحتلال.


 


وتهدف إلى منع كل إمكانية لإقامة دولة فلسطينية حقيقية مستقلة، في الوقت الذي تتكرس فيه يوماً عن يوم تلك الخلاصة التي أخذ يسلم بها حتى أشد المتحمسين للتسوية.. وهي أن مفاوضات التسوية والسلام، ستار من دخان وعملية نصب تستثمرها دولة الاحتلال، لإرسال المزيد والمزيد من الجرافات إلى جسم القدس والضفة!!

مقالات ذات صلة