عين على العدو

الاستيطان يدمر بقايا التسوية

في معرض مراجعته لعملية “التهدئة” بين حماس و”إسرائيل”، أمام لجنة الخارجية والدفاع في الكنيست، قال يوفال ديسكين رئيس جهاز الأمن الداخلي (الشين بت): “توقفنا عن مهاجمتهم، ورفعنا الحصار، بينما لم يتوقفوا عن زيادة التسلح. فمن وجهة نظر حماس، فإنها ترى نفسها الرابحة في الصراع”. وفي الجهة المقابلة يرى ديسكين أن “إسرائيل” تحصل على هدوء مؤقت: “وهذا في الحقيقة أمر غير واضح. ففي تقديرنا أن قصف الصواريخ سوف يبدأ ثانية في وقت ما في المستقبل”. (هآرتس 25/7/2008).


 


ويشير ديسكين إلى أن “أحداث السنوات الثلاث الماضية وجهت ضربة إلى قدرتنا الردعية. فمنذ وصول حماس إلى السلطة ارتفع مستوى الجرأة علينا، “نتيجة تآكل موقفنا”. أما الأحداث التي يشير إليها ديسكين فهي: الانسحاب من قطاع غزة، وسيطرة حماس على الحكم في قطاع غزة، والعدوان على لبنان عام 2006، وأخيراً “التهدئة”.


 


لا يتوقع ديسكين من حماس أن تصبح أكثر مرونة في موقفها من “إسرائيل” على المدى البعيد. أما المرونة التي تظهرها حماس الآن فهي عمل تكتيكي كما يراها، ويعزو ذلك إلى أنه “بالنسبة لهم فإن كل “أرض إسرائيل” وقف إسلامي. وفي المستقبل سيقيمون خليفة هنا. ومن وجهة نظرهم إما هم أو نحن إن “حماس” حركة دينية لا تغير أيديولوجيتها”.


 


غالباً ما نغتاظ ويتملكنا الغضب عندما نستمع أو نقرأ آراء الصهاينة المتطرفين، مع أن ذلك في بعض وجوهه يحقق لنا الفائدة في الاطلاع على “الأجندة” الخفية للحركة الصهيونية ذات الأصوات المتفرقة والفعل الموحد.


 


من الواضح أن السلام لا مقام له في العقل “الإسرائيلي”، لا في السابق ولا في اللاحق. إن هذا العقل المسكون بالحرب أقام كياناً مهنته الحرب، ويتستر على هذه المهنة بالدعاية والمراوغة والأكاذيب. إن ديسكين يقر بأن التهدئة لا تزال مستمرة بعد أكثر من شهر على بدئها، وهذا يجعله يتميز غيظاً لأنه يعتبر أن حماس هي المستفيد الأكبر منها، لأنها خففت الضغط الخانق الذي كان يسببه الحصار على سكان قطاع غزة، ولنجاح حماس في التوافق مع المنظمات الأخرى في القطاع، في الوقت نفسه الذي تستمر فيه في بناء قوتها المسلحة. والظاهر أن ديسكين كان يتوقع باستمرار إطلاق الصواريخ حتى تعلن “إسرائيل” عن نهاية التهدئة والعودة إلى الاغتيالات والحصار.


 


في الصورة الأشمل، فإن أحداً من أطراف التسوية، وهم كثر، ومن ضمنهم الفلسطينيون و”الإسرائيليون” ليست لديه صورة محددة بها، ف “إسرائيل” دأبت على تقويض التسوية بآليات متنوعة من دون أن تعلن أنها تفعل ذلك. ولعل الاستيطان هو أشرس هذه الآليات في تدمير التسوية، لأنه يلتهم “البديل الجغرافي” المتمثل في الأراضي الفلسطينية المحتلة (والواقع أن فلسطين كلها محتلة)، والتي على “إسرائيل” أن تعيدها إلى أصحابها في أي تسوية للصراع العربي “الإسرائيلي”.


 


لا يكتفي قادة “إسرائيل” بمشاريع الاستيطان المتلاحقة، بل تزامن ذلك مع تدمير منازل الفلسطينيين وتقطيع أوصال مدنهم وقراهم بالجدار العنصري العازل. ويدور الآن في الأوساط السياسية والأمنية نقاش حول ما تسميه “إسرائيل” الإرهاب الذي بدأ ينطلق من المقدسيين وفي القدس نفسها، حيث وقعت خلال الشهور الستة الماضية ثلاث عمليات استشهادية في القدس، كانت الأولى عملية مركازي هاراف، ثم عمليتا البلدوزرين.


 


يرى رئيس الشين بت يوفال ديسكين، ويؤيده في ذلك رئيس الوزراء إيهود أولمرت ووزير الحرب إيهود باراك، أن تدمير منازل عائلات الذين ينفذون العمليات الاستشهادية في القدس، هو الذي يوقف هذه العمليات. بالإضافة إلى أن هذا الأسلوب هو أقل جهداً وتكلفة من مراقبة 200 ألف عربي في محيط القدس، أو متابعة نشاط المئات من سائقي البلدوزرات العرب، أو عرقلة حركة حاملي الهويات الزرقاء.


 


السؤال الذي لم يجد له الساسة والعسكريون في “إسرائيل” جواباً قاطعاً، هو: هل تدمير بيوت المقدسيين سيكون عملاً رادعاً، أم سيفتح الباب لعمليات لاحقة؟

مقالات ذات صلة