عين على العدو

كل الآفاق مسدودة مع بوش ومن دونه

أخيراً، نطقت بها كوندوليزا رايس وبكل صراحة. قالت: “الشرق الأوسط لن يتحسن من دون إقامة دولة فلسطينية تعيش جنباً إلى جنب مع “إسرائيل” في سلام وأمن وديمقراطية، إذن، فالسؤال هو: إذا لم يكن الآن، فمتى؟”.


 


كوندوليزا كشفت هذه الحقيقة بتصريح بعد لقائها وزير الدفاع “الإسرائيلي” إيهود باراك. لعله وبقية مسؤولي الكيان الصهيوني هم المقصودون بها بالدرجة الأولى. ومع ذلك، يُستحسن تفكيك مفاصل التصريح لفهمه بأبعاده جميعاً.


 


كوندوليزا استهلت تصريحها بعبارة “الشرق الأوسط لن يتحسن..”. المقصود، إذاً، الشرق الأوسط بكل دوله، من شمال إفريقيا إلى تخوم وسط آسيا مروراً بإيران والعراق ولبنان وسوريا وفلسطين والسودان. إن كلاً من هذه الدول في نزاع مع “إسرائيل” وأمريكا أو لها مشكلة معهما.



 


إلى ذلك، تشترط كوندوليزا “إقامة دولة فلسطينية تعيش جنباً إلى جنب مع “إسرائيل” في سلام وأمن وديمقراطية..” كي يتحسن الشرق الأوسط. بعبارة أخرى، يقتضي أولاً قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة كشرط ومقدمة لمعالجة وتسوية بقية مشكلات دول الشرق الأوسط مع “إسرائيل” وأمريكا.


 


بعدما حددت كوندوليزا الشرط المسبق لتسوية قضية فلسطين (وبالتالي بقية مشكلات دول المنطقة) أطلقت سؤالاً جوهرياً بنبرة تنطوي على شيء من البَرَم: “إذا لم يكن الآن، فمتى؟”. بعبارة أخرى، إذا لم تتمّ تسوية قضية فلسطين الآن، أي خلال ما تبقّى من ولاية الرئيس جورج بوش، فمتى تتم؟ لعلها لن تتم بعدها أبداً.


 


لا تقصد كوندوليزا بقولتها تلك لوم “إسرائيل” بقدر ما تتوخى حثّها على الاستجابة لمتطلبات التسوية مع الفلسطينيين، بدليل حرص الناطق باسم الخارجية الأمريكية شون ماكورماك على إبداء استياء إدارة بوش من خطط “إسرائيل” لبناء مستوطنات جديدة بقوله إنها “مشكلة”. أمريكا تطالبها، برفق، بوقف الاستيطان كمدخل للتفاوض والتوافق على بقية المشكلات العالقة. ولكن، هل تستجيب “إسرائيل”؟


 


لا أفق لاستجابة المسؤولين “الإسرائيليين” حيال أي من المشكلات العالقة. السبب؟ وجود صراع مرير على خلافة إيهود أولمرت في زعامة حزب “كاديما”، وبالتالي في رئاسة الحكومة. فقبل انتهاء الصراع لمصلحة وزيرة الخارجية تسيبي ليفني أو وزير النقل شاؤول موفاز منتصف سبتمبر/ أيلول المقبل، لن يتمكن أي مسؤول “إسرائيلي” من “المغامرة” باتخاذ أي موقف ليّن تجاه الفلسطينيين أو غيرهم. حتى بعد انتهاء الصراع على زعامة “كاديما” ورئاسة الحكومة، فإن أياً من الأحزاب السياسية “الإسرائيلية” لن يكون في وارد التخلي عن موقف التصلب حيال قضايا الاستيطان والقدس والحدود واللاجئين.


 


لماذا يبدو الأفق مسدوداً؟


 


لأن الولايات المتحدة، خلال إدارة بوش وقبلها، حرصت دائماً على دعم “إسرائيل”، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، على نحو مكّنها دائماً من التوسع ورفض كل أنواع التسويات التي جرى عرضها لإنهاء النزاع مع الفلسطينيين والعرب. بكلمة، موازين القوى ما زالت مختلة لمصلحة “إسرائيل”، بسبب الدعم المطلق الذي تتلقاه من الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل تراجعها أو تليين موقفها احتمالاً ضعيفاً، إن لم يكن مستحيلاً.


 


الواقع، أن أفق التسوية ليس مسدوداً في فلسطين وحسب، بل أيضاً في كل دول الشرق الأوسط التي لها مشكلة مع “إسرائيل” أو مع أمريكا، أو مع كليهما. ففي كل هذه الدول تقف الولايات المتحدة موقف الانحياز الكامل إلى “إسرائيل” ولا تمارس أي ضغط عليها لحملها على التراجع وجعل فرص التسوية ممكنة أو مثمرة.


 


تتهم أمريكا إيران بأنها تنفذ برنامجاً للتسلح النووي وأن من شأنه تهديد أمن “إسرائيل”. وهي إذ ترفض التراجع عن مطلب وقف تخصيب طهران لليورانيوم، تراها تمارس حيالها شتى تدابير الحصار والعقوبات الاقتصادية والمصرفية، كما تهدد أيضاً باستعمال القوة ضدها. موقفها المنحاز والمتصلب هذا لا ينسحب سلباً على إيران وحسب، بل يتسبب أيضاً في تعقيد الوضع في العراق والوضع في لبنان والوضع في سوريا. فكل من هذه الدول لها مشكلات عالقة مع “إسرائيل”، ومن المؤكد أن الدعم الأمريكي المطلق ل”إسرائيل” قد أدى إلى جعلها أقوى دولة في الشرق الأوسط، بل أقوى من كل دوله مجتمعة. فهل يبقى ثمة أمل بتوصل أي منها إلى تسوية مقبولة مع “إسرائيل”؟


 


باختصار، كل الآفاق ستبقى مسدودة في الشرق الأوسط ما دامت موازين القوى تميل جميعها لمصلحة “إسرائيل”، وبالتالي لا أمل في حصول انفراج يؤدي إلى مفاوضات مثمرة وتسويات مجزية ما لم يطرأ تعديل جوهري في موازين القوى لمصلحة العرب والمسلمين. غني عن البيان أن ذهاب إدارة أمريكية ومجيء أخرى لا يوفّران بحد ذاتهما فرصة لتعديل موازين القوى. فباراك أوباما قد يكون أقل انحيازاً ل”إسرائيل” من بوش، لكن ذلك لن يؤدي إلى إحداث تغيير ملموس في موازين القوى. فما المطلوب لتصبح موازين القوى مختلة لمصلحة العرب، أو على الأقل لتصبح متكافئة بين الطرفين؟


 


ثمة سيناريوهات ثلاثة تكفل حصول تكافؤ في موازين القوى بين العرب (والمسلمين) من جهة، و”إسرائيل” من جهة أخرى في المدى الطويل أو في المدى المتوسط.


 


السيناريو الأول، يتمثل في حصول تراجع واسع في قدرات الولايات المتحدة نتيجة الأزمة البنيوية التي تعانيها، ولاسيما على الصعيد الاقتصادي. إن من شأن هذه الأزمة وتداعياتها إضعاف الولايات المتحدة اقتصادياً، وبالتالي سياسياً فلا تعود معها قادرة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية. هذا من شأنه ان يؤدي إلى تخفيف دعم واشنطن ل”إسرائيل” سياسياً وعسكرياً، ما يُفضي بدوره إلى إحداث خلل في موازين القوى لمصلحة العرب في المدى الطويل.


 


السيناريو الثاني، يتمثل في حصول تراجع واسع في قدرات “إسرائيل” نفسها نتيجة أزمة بنيوية ناجمة عن اختلال الميزان الديموغرافي بصورة حادة، يصبح معها تعداد اليهود داخل الكيان الصهيوني أقل من العرب. هذا من شأنه أن يؤدي إلى انحسار الفعالية الصهيونية وازدياد الفعالية العربية، وبالتالي إلى إحداث خلل في موازين القوى لمصلحة العرب على المدى الطويل أو المتوسط.


 


السيناريو الثالث، يتمثل في حصول تغيّر جذري في تركيبة النُظم السياسية المحيطة ب”إسرائيل” يتأتى عنه صعود قوى سياسية راديكالية إلى السلطة حليفة لقوى المقاومة في فلسطين ومتعاونه معها سياسياً وعسكرياً، بشكل أو بآخر، وقادرة على مشاغلة العدو في ثلاث أو أربع جبهات في آن واحد. وإذا ما استمر النظام الإسلامي الإيراني في انتهاج سياسة مناوئة لأمريكا و”إسرائيل”، فإن قوى المقاومة في فلسطين وفي دول الطوق ستكون في وضع يمكّنها من الحصول على دعم سياسي ولوجستي وربما عسكري أيضاً من إيران. ذلك كله يؤدي، في المدى الطويل وربما في المدى المتوسط، إلى إحداث خلل في موازين القوى لمصلحة العرب والمسلمين.


 


في ضوء ما تقدم بيانه، يمكن الاستنتاج أن الاستراتيجية الأمريكية لحماية الكيان الصهيوني وأمنه لا تنحصر بتعزيز قدراته الاقتصادية والعسكرية، بل تمتد أيضاً إلى ما هو أخطر: منع العرب (والمسلمين) من تعظيم قدراتهم الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، بطريق تفتيت كياناتهم الحالية وتحويلها جمهوريات موز قائمة على أساس قبلي أو طائفي أو مذهبي أو اثني، وعاجزة تالياً عن التضامن والتوّحد والفعل.


 


أين العرب من وعي هذه التحديات؟

مقالات ذات صلة