المكتبة الأمنية

الوعود الغربية لليهود

نابليون يدعو اليهود لإقامة دولة في فلسطين


وجه القائد الفرنسي نابليون بونابرت نداء إلى اليهود أثناء غزوه لفلسطين، وذلك بتاريخ 20 نيسان 1799 مناشداً يهود العالم ليخفوا ويساهموا في إعادة بناء «مملكة أورشليم القديمة» . وقبل عام من هذا التاريخ كانت قد نشرت رسالة ونسبت إلى يهودي فرنسي بدون اسم دعا إخوانه في الدين إلى العودة إلى وطنهم القديم وتحريره من «اللصوص اللئام» الذين دنسوا المدينة المقدسة ويطلب مساعدة فرنسا لتحقيق هذا الهدف، مقابل ولاء اليهود لفرنسا .


وباستعراض هذه الدعوات يمكننا استنتاج الآتي:


1ـ إن دعوة نابليون لليهود بإقامة وطن لهم، لم تكن دعوة عن حب وتأييد لليهود إذ أن من المعلوم أن نابليون كان يحقد على اليهود، ويصفهم بأقذع الأوصاف. ومن هنا يظهر أن المصلحة الاستعمارية هي التي أملت على نابليون هذا النداء.


2ـ إن هذا النداء له دلالة عظيمة في إظهار أن  بذور الصهيونية الأولى لم تأت كآمال يهودية خالصة، وإنما كانت رغبة استعمارية، وذلك للتخلص من المشكلة اليهودية في أوروبا، وتصدير الفائض منهم إلى الشرق الأوسط، واستغلال اليهود في خدمة مصالح الدول الاستعمارية.


وقد صدرت وعود من ألمانيا كان أحدها عبارة عن خطاب من دوق ايلونبرج باسم حكومة القيصر إلى هرتزل مؤرخ في سبتمبر 1898، وجاء فيه أن جلالته على استعداد لأن يأخذ على عاتقه محمية يهودية في حالة تأسيسها. كما أصدرت حكومة روسيا القيصرية وعداً آخر أخذ شكل رسالة وجهها فون بليفيه وزير داخلية روسيا إلى ثيودور هرتزل يعبر فيها عن تأييد روسيا المعنوي والمادي للحركة الصهيونية.


بريطانيا تتبنى المشروع الصهيوني


زاد حرص بريطانيا في السيطرة على أرض فلسطين بعد فشل الحملة الفرنسية بقيادة نابليون وظهر رأي ينادي بضرورة أن تقوم بريطانيا بتثبيت مركز لها في فلسطين، عن طريق إقامة مستعمرة يهودية فيها تحت نفوذ التاج البريطاني. وذلك لأن إقامة مثل هذه المستعمرة لن يكلف الخزينة البريطانية تكلفة كبيرة. فهو استعمار بأرخص الأثمان. ومن أصحاب هذا الرأي اللورد أشلي الذي قال سنة 1838 تعليقاً على تعيين نائب قنصل لبريطانيا في فلسطين: «إن تربة فلسطين ومناخها يناسبان بشكل فريد إنتاج المحاصيل التي تلزم لحاجيات بريطانيا العظمى وأن بإمكان بريطانيا أن تحصل على ذلك عن طريق إقامة مستعمرة يهودية تحت الحماية البريطانية» .


 


وتولى البريطاني اليهودي الشهير السير موسى مونتفوار النشاطات الخيرية البريطانية على الساحة الفلسطينية، كمقدمة لإيجاد نفوذ بريطاني في فلسطين، ومن الطريف أنه في الوقت الذي كان المسيحيون يرددون في كل مكان عودة بني إسرائيل إلى فلسطين كتب السير موسى مونتيفوار معلقاً على فتح العثمانيين أبواب فلسطين أمام الهجرة اليهودية، «لم يكن هناك يهودي واحد في بريطانيا يرغب في الانتقال إلى فلسطين» .


 


وكتب الضابط المقيم للحكومة البريطانية في دمشق العقيد تشرشل عدة رسائل يحرض فيها السير مونتفوار للضغط على اليهود لإعادة بناء وطنهم في فلسطين، ويقول في إحدى هذه الرسائل: «الأمر مرهون باليهود للقيام ببداية، على رجالهم البارزين أن يتقدموا ويضعوا أنفسهم في مقدمة الحركة، وعليهم أن يجتمعوا ويتفقوا ويقدموا عرائض، الحقيقة أنه من الضروري القيام بالتحريض في وقت واحد في شتى أنحاء أوروبا» .


 


وهكذا استمرت الدعوات البريطانية تحرض اليهود وتنظم جهودهم وتجمع التأييد لهم من أجل بناء دولة لليهود في فلسطين، وكان من أبرز هذه الدعوات مؤتمر كامبل بانرمان الشهير والذي انعقد بلندن عام 1907 وضم مجموعة ضخمة من العلماء في شتى مجالات التخصص العلمية والإنسانية وممثلين عن كل الدول الاستعمارية في ذلك الزمان، والذي افتتحه رئيس وزراء بريطانيا كامبل بانرمان بكلمة جاء فيها: «إن الحضارة الأوروبية مهددة بالانحلال والفناء. والواجب يقتضي أن نبحث في هذا المؤتمر عن وسيلة فعالة تحول دون انهيار تلك الحضارة».


 


وخرج المؤتمرون بتوصيات جاء فيها: «أن الخطر الذي يهدد الاستعمار الغربي يكمن في البحر الأبيض المتوسط الذي يؤلف حلقة الاتصال بين الشرق والغرب، والذي يقيم على سواحله الشرقية والجنوبية شعب واحد متميز بكل مقومات التوحد والترابط، وبما في أراضيه من كنوز وثروات تتيح لأهلها مجال التقدم والرقي في طريق الحضارة والثقافة، وأوصى التقرير لمواجهة هذا الخطر بأن تعمل الدول الاستعمارية على تجزئة المنطقة والإبقاء على تفككها، ومحاربة أي اتحاد يقوم بين أجزائها، والسعي الدائب إلى تفسيخها عملياً وفكرياً وتاريخياً، واقترح التقرير كوسيلة عاجلة، العمل على فصل الجزأين الإفريقي والآسيوي في هذه المنطقة، وإقامة حاجز بشري غريب في نقطة التقاء هذين الجزأين، يمكن الاستعمار أن يستخدمه كأداة تحقيق أغراضه» .


 


مما تقدم يتضح مدى الحماس البريطاني والاستعماري بشكل عام، لإقامة كيان غريب في أكثر المناطق حساسية وأهمية، وهي فلسطين.


 


يلخص “ونستون تشرشل” أطماع بريطانيا بقوله، غداة صدور وعد بلفور «إن قيام وطن قومي لليهود في فلسطين يخدم أهداف بريطانيا من حيث إنه يساعدها على مواجهة تناقض المصالح الحادة بينها وبين العرب، وأن هذا الوطن القومي لليهود في فلسطين سوف يكون عازلاً يفصل بين العرب شرق سيناء والعرب غرب سيناء، ثم إن الوطن القومي لليهود سيكون بحاجة إلى الدفاع عن نفسه ضد الامتداد العربي الواسع، سوف يبقى دائماً في أحضان الغرب الذي يستطيع في أي وقت أن يستعمله كقاعدة للعمل ضد أي تهديد لمصالح الإمبراطورية البريطانية في مصر من ناحية أو في العراق من ناحية أخرى، كذلك فإن هذا الوطن القومي لليهود سوف يشغل العرب ويمتص طاقاتهم أولاً بأول» .


 


ويمكن النظر إلى مشروع شرق إفريقيا الذي أصدرته إنجلترا عام 1905 باعتباره وعداً بلفورياً سبق وعد بلفور.


وقد صدر وعد بلفور عام 1917 من إنجلترا، ولكن ألمانيا أصدرت وعداً آخر بعد ذلك التاريخ في (14) أغسطس 1918. وقد صدر هذا الوعد الألماني في محاولة يائسة لإغراء أعضاء الجماعات اليهودية للوقوف وراء ألمانيا أثناء الحرب العالمية الأولى. وكان الوعد هزيلاً وضعيفاً للغاية فقد كانت ألمانيا حليفة للدولة العثمانية التي تقع فلسطين داخل نطاقها .


 


ومما يجدر ملاحظته أن كل الشخصيات التي كانت وراء إِصدار تلك الوعود معادية لليهود تود ترحيلهم من أوطانهم إلى أي مكان آخر. فسلوك نابليون تجاه أعضاء الجماعات اليهودية في أوروبا لا يترك مجالاً للشك في شأن كرهه لهم، أما قيصر ألمانيا فقد كان يعتقد تماماً أن اليهود هم «قتلة المسيح» وأن الشعب الألماني لا يكن لهم سوى الكراهية. وكان فون بليفيه من أكثر الناس كرهاً لليهود، ومن المعروف أن كثيراً من الهجمات على أعضاء الجماعات اليهودية تمت بممالأة السلطات القيصرية حينما كان يعمل وزيراً للداخلية. أما بلفور فلم يكن يضمر كثيراً من الحب والاحترام لليهود. فقد اعترف هو نفسه لوايزمان بدوافعه المعادية لليهود. ولم يكن لويد جورج رئيس الوزارة البريطانية التي أصدرت الوعد يكترث باليهود، بل إِنه استخدم في أحد الانتخابات التي أجريت بعد صدور الوعد عبارات معادية لليهود ضد أحد منافسيه .


 


من الواضح إذن أن الدافع وراء صدور الوعود الغربية لليهود ليس حب اليهود وإنما الرغبة في التخلص منهم وترحيلهم. ولكن أوروبا كانت حضارة نفعية مادية تتجاوز الحب والكره وتلتزم بأمر واحد: تحويل العالم إلى مادة استعمالية لا قداسة لها. وكان معظم الذين يصدرون الوعود يهدفون إلى توظيف اليهود في خدمة مشاريعهم وإلى تحويلهم إلى عملاء لهم، وقد كان نابليون مثلاً واضحاً على ذلك.


 


أما قيصر ألمانيا فكان أكثر وضوحاً فقد أورد في خطابه الذي أسلفنا الإِشارة إليه (وفي تعليقه على تقرير سفير ألمانيا في سويسرا عن المؤتمر الصهيوني الأول) مسوغات تعاونه مع اليهود وهي: محاولة إِفراغ ألمانيا من اليهود الموجودين فيها والاستفادة من رأس المال اليهودي.


ولم تكن دوافع فون بليفيه أقل وضوحاً، فالمشروع الصهيوني بالنسبة له هو إحدى الآليات التي تؤدي إلى تخفيف عدد اليهود المتزايد في روسيا وتحويل الشباب اليهودي عن الانضمام للحركات الثورية.


 


ولا يختلف وعد بلفور عن كل الوعود الغربية التي سبقته أو صدرت بعده، وفيما يتصل بالدوافع الكامنة وراء صدوره فيكاد يكون هناك ما يشبه الإجماع بين المؤرخين كانت تريد توظيف اليهود في محاولتها التخلص من البنود الخاصة بفلسطين في اتفاقية سايكس ـ بيكو السرية المبرمة بين بريطانيا وفرنسا، فبعد أن تم عقد هذه الاتفاقية شعر البريطانيون بأن البنود المذكورة لا تخدم مصلحتهم كثيراً، وأنه لو قامت سيطرة فرنسية على فلسطين فإن الدفاع عن مصر وقناة السويس سيصبح أمراً محفوفاً بالمخاطر. ولذلك اتخذت وزارة الحرب من المشروع الصهيوني وسيلة للانسحاب بلباقة من الاتفاقية .


 


ومع أن تعديل اتفاقية سايكس ـ بيكو كان بلا شك هو السبب المباشر لإصدار الوعد، إلا أن «الإطار العام لمخططات الإِمبراطورية» كان هو الهدف الاستراتيجي النهائي الكامن. ويمكن التدليل على هذا بالعودة إلى المذكرة التي تقدم بها السير هربرت صموئيل في مارس 1915 ووضح فيها الاحتمالات الخمسة لمستقبل فلسطين بعد انهيار الدولة العثمانية. وما يهمنا هو الاحتمالان الرابع والخامس في هذه المذكرة. وكان الاحتمال الرابع هو «الإقامة المبكرة لدولة يهودية»، وتم رفضه لأن اليهود كانوا لا يشكلون آنذاك سوى سدس سكان فلسطين على الأرجح، «الأمر الذي سيؤدي إلى تلاشي حلم الدولة الصهيونية» (بسبب مقاومة السكان الأصليين). وتضيف المذكرة أن «زعماء الحركة الصهيونية كانوا على إِدراك تام لهذه الاعتبارات».


 


ولهذا كان الاحتمال الخامس (إنشاء محمية بريطانية في فلسطين لفترة من الزمن ثم إِعلان الدولة الصهيونية بعد ذلك) هو الاحتمال الوحيد القابل للتحقيق. وفي مجال عرض مزايا هذا الاحتمال قالت المذكرة أن إعلان الحماية البريطانية سيقابل بالترحيب من قبل السكان الحاليين (أي الفلسطينيين) وسيتم بالتالي تحاشي الصدام مع اليهود. ولكن هذا الوضع ـ حسبما جاء في المذكرة ـ هو مجرد غطاء مؤقت لإعطاء فسحة من الوقت «للمنظمات اليهودية في ظل الحكم البريطاني لكي تقوم بابتياع الأراضي وإنشاء المستعمرات وإقامة المؤسسات التربوية والدينية، وللتعاون في الإِنماء الاقتصادي للبلاد، وستنال مسألة الهجرة اليهودية مركز الأفضلية بحيث يتحول السكان اليهود إلى أكثرية مستوطنة في البلاد»، أي توطيد دعائم الاستيطان الصهيوني.


 


والهدف من كل هذا كما جاء في المذكرة ليس أية دوافع إنسانية أو أخلاقية وإنما «إنشاء محمية تشكل ضماناً لسلامة مصر»، أي لسلامة المصالح الإِمبراطورية البريطانية، التي كانت مصر تشكل إحدى ركائزها الأساسية آنذاك. ويشير صموئيل في المذكرة ـ وفي أماكن أخرى ـ إلى أنه بعد أن يستقل اليهود في دولة خاصة بهم تشكل هذه الدولة جزءاً من الحضارة الغربية وتدافع عن مصالحها. كما ستؤدي هذه الخطوة إلى شعور يهود العالم بالامتنان تجاه بريطانيا بحيث يؤلف اليهود كتلة متحيزة .


هذه هي الدوافع الحقيقية لصدور وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917، والذي جاء فيه أن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وإنها ستبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف.


 


مما تقدم يتضح مدى الحماس البريطاني والاستعماري بشكل عام، لإقامة كيان غريب في أكثر المناطق حساسية وأهمية، وهي فلسطين.


ويمكننا مما تقدم  أن نخلص إلى بعض الاستخلاصات أهمها:


1) حضارية الصراع بين الأمة الإسلامية من جهة والتحالف الاستعماري الصهيوني من جهة أخرى. فصراعنا صراع حضارات إما أن تكون حضارة الإسلام أو حضارة الغرب، وإن دور دولة اليهود واضح دون لبس، فهي مخلب الحضارة الغربية في المنطقة الإسلامية، للحفاظ على المنطقة ضعيفة مجزأة، واستنزاف ثرواتها، وتأمين استغلال الغرب لخيراتها .


2)إن بريطانيا والرأسمالية الغربية كانت تخشى من الهجرات اليهودية من شرق أوروبا، نتيجة لظروف الفقر والاضطهاد إلى غرب أوروبا، وهذا ما كانت ترفضه الدول الغربية، مما جعل حماس بريطانيا لنقل اليهود والتخلص منهم كبيراً.


3)إن بريطانيا كانت ترغب في استعمار فلسطين لما يمثله من موقع استراتيجي هام بالنسبة للمستعمرات البريطانية، وبعد الدراسة وجدت أن أرخص وسيلة لذلك هي إنشاء مستعمرة يهودية ترعى المصالح البريطانية، فهو استعمار بأقل تكاليف.


4)هناك علاقة دينية متميزة بين الشعوب المسيحية البروتستانتية والانجلكانية واليهود، أثرت بصورة فاعلة في توجيه القرار السياسي الاستعماري الغربي نحو المساعدة في إقامة دولة صهيونية في فلسطين.


5)حرصت بريطانيا والدول الغربية على إيجاد قومية غريبة عن المنطقة لتمثل الدولة الحاجزة، في أهم منطقة في العالم، أثبت التاريخ أن التحكم بها هو الطريق أمام السيطرة العالمية، فهي منبع الحضارات الإنسانية المختلفة، وهي مهبط أفئدة المؤمنين في شتى بقاع العالم.


6)إن المشروع الصهيوني، هو نتاج العقلية الاستعمارية الغربية، قبل أن يكون نتاج العقلية اليهودية، وأن الصهيونية لو لم يصادف وجودها وجود مثل هذا التوجه الاستعماري لما سار التاريخ في اتجاه إقامة كيان صهيوني في فلسطين، وهذا لا ينفي تطلعات يهودية، اتخذت شكلاً روحانياً دينياً للعودة إلى فلسطين حينما يأتي المسيح المخلّص.































 انتقال سريع
 الرئيسية (الملف)
 الخلفيات التاريخية والاجتماعية والسياسية لنشأة الحركة الصهيونية
 تبلور الفكر الصهيوني في الفكر والسياسة الغربية
 الوعود الغربية لليهود
 الصهيونية بين أعضاء الجماعات اليهودية
 مسار المنظمة الصهيونية العالمية حتى قيام الكيان الصهيوني عام 1948م
 الأصول الرئيسة للفكرة الصهيونية
 المراجع والمصادر

مقالات ذات صلة