عين على العدو

لا يستويان مثلا..!

كنا نظن أن الخطوة المباركة الأخيرة للحكومة الفلسطينية في غزة والتي تمثلت بحملة الحسم الأمنية في منطقة الشجاعية ضد تجار الدم والمنفلتين وبقايا فلول تيار الإجرام ستفرض شيئاً من الحياء على خطاب بعض القوى والشخصيات ووسائل الإعلام الفلسطينية، وستجبر كل من أدار وجهه عن حقيقة ما يجري في غزة منذ أكثر من عام على الإقرار بها مؤخراً بعد أن ثبت أن الحملة التي أعقبت تفجير الشاطئ الإجرامي لم تكن مجرد ضربة عشوائية متخبطة كما زعمت أبواق النفاق والتضليل حينها، التي ركزت على ردة الفعل وتجاهلت الفعل ذاته المغرق في البشاعة، وكأن جريمة حصدت ستة أرواح جلها من خيرة رجالات المقاومة وحماتها لا تساوي شيئاً أمام الاعتقالات التي طالت مجموعة من كوادر فتح وأنصارها رغم أن معظمهم عادوا لاحقاً لبيوتهم، ورغم أن أية حكومة في العالم لا بد أن تشن حملة اعتقالات واسعة ضمن دائرة المشتبه بهم عقب أية جريمة من هذا الطراز وسواء أكانت دوافعها أمنية أم جنائية.


 


ونحن هنا لا نبرر لأي تجاوز حصل خلال الاعتقال أو في مراكز التحقيق، وخيراً فعلت لجنة الرقابة وحقوق الإنسان في المجلس التشريعي في بيانها الداعي الحكومة الفلسطينية للالتزام بالقانون في جميع إجراءاتها الأمنية، غير أن ما لا يمكن تفهمه هو مواقف بعض القوى والشخصيات التي ساوت بين حملة الاعتقالات في أوساط المشبوهين التي أعقبت جريمة بشعة وبين ردة فعل حكومة المقاطعة الهمجية التي لم يكن ثمة مبرر لها سوى الانتصار للقتلة والسعي للضغط باتجاه طي ملف الجريمة وترك الشارع الغزي مستباحاً لأعمال مشابهة.


 


ولكن يبدو أن من ألف هواية الترنح في المنطقة الوسط وعلى هامش المواقف الجدية لا رجاء منه ولا أمل في شفائه من سقم الجبن واللهجة الباهتة وداء المزايدات الرخيصة!


 


فعلى مدار أكثر من عام لم تكف ألسنة النفاق شرها عن حماس عبر مهاجمة كل خطواتها للقضاء على الفلتان وفرض الأمن من خلال التعلق بتجاوز هنا أو هناك وتضخيمه والنفخ فيه لإثارة الغبار حول الحقيقة التي تبدت اليوم بشكل جلي لكل صاحب ضمير وهي أن حماس استطاعت بإمكاناتها المتواضعة أن تصلح خللاً كبيراً وأن ترمم بناءً متداعياً بعد أن يئس الجميع من إمكانية التغيير الإيجابي وصار الأمن في غزة حلماً مستحيلاً وبدأ هاجس تحوله لعراقٍ ثانٍ يلوح في الأفق قبل أن تأخذ حماس زمام المبادرة مستندة إلى شرعيتها القانونية وتقلب السحر على الساحر ثم تثب وثبات كبيرة وسريعة على طريق تطهير القطاع من كل بؤر الفساد والإفساد والإجرام والتخريب!


 


لا غرو أن يكون المتضررون معنوياً من نجاحات حماس المختلفة وخاصة على الصعيد الميداني الداخلي يمتلكون أجندة التخريب ذاتها والتي تنعكس عبر خطابهم التضليلي الذي ما فتئ يضخم الصغير ويقلل من شأن العظيم، ويساوي بين صنيع حماس المشرف في حربها على الفساد والفلتان بأشكاله المختلفة في غزة وبين جرائم التنسيق الأمني في الضفة والتي تجاوزت كل الخطوط الحمر مؤخراً وطالت – كالعادة – خيرة أبناء الضفة من مقاومين ودعاة وعلماء وأكاديميين وطلاب وإعلاميين!


 


لن نعجب حين تقوم فتح بتلميع وجه المجرمين الملاحقين في غزة ونسبتهم إليها سواء من مدبري حوادث التفجير أو من تجار المخدرات واللصوص، لأنها باتت تجد نفسها حيث يكون أعداء حماس وخصومها فقط، حتى لو كان ند حماس والمستهدف بحملاتها الأمنية (حشاشاً) أو ساقطاً أو حتى عميلاً للاحتلال! لكن الغريب أن نجد بقية الوجوه المتفيئة بظل خيرات فتح وهباتها لا تتورع عن لعب دور المحايد النزيه وهي من النزاهة براء، وأن تبيح لنفسها أن تدلي بمعطيات مشوهة حول حوادث ميدانية تجهل حقيقتها وأن تفتي في ما يجب وما لا يجب رغم إدراكها مسبقاً أن لصوتها سقفاً لا تستطيع تجاوزه!


 


نقول هذا رغم إدراكنا أن خطوات حماس المظفرة لن تعبأ كثيراً ولا قليلاً بالضجيج المرافق والملاحق لها، وأن ريادتها لمشروعي المقاومة والبناء تتقدم رغم جبل التحديات المركوم في طريقها، وأن ما واجهته سابقاً لن يكون أصعب من القادم، وفي المقابل فإن الصورة البشعة لأجهزة عباس في الضفة تتكرس في وعي المواطن الفلسطيني البسيط الذي لم يعد بحاجة لكد ذهني ليدرك أن دورها تبادلي مكشوف مع الاحتلال وأن المستهدفين بحملاتها هم طليعة هذا الشعب ووجهه المشرق وأن تغييبهم هو بالضرورة مصلحة صهيونية فتحاوية مشتركة وحلقة من حلقات الالتفاف على الشرعية وإسقاطها بقوة العربدة والاستقواء بسيف المحتل!


 


ومع ذلك فإن حماس في غزة مطالبة على الدوام بأن تقدم صورة مشرقة لعمل أمني منضبط ومحكوم بالقوانين سواء في ردود أفعالها على الجرائم المختلفة أو عبر حملاتها الأمنية الوقائية، فمن المهم أن يظل التمايز قائماً بين عمل أمني نظيف يهدف لضبط الشارع وملاحقة المجرمين والمفسدين في الأرض وبين دور أمني مشبوه يجري بالتواطؤ مع الاحتلال وتحت إشراف جنرالات أمريكا.


 


 ولقد كانت الصورة في الحملة الأخيرة أبلغ من أي بيان، فمشاهد أولئك الذين هرعوا نحو المحتل طالبين الحماية خشية أن تطالهم يد العدالة في غزة تدلل على طبيعة من تلاحقهم حماس هناك، وكيف أنهم لا يستوون أبداً مع من تلاحقهم أجهزة عباس في الضفة من مقاومين وسياسيين ودعاة وقادة رأي والذين هم مستهدفون من قبل سلطة المقاطعة والاحتلال على حد سواء !

مقالات ذات صلة