عين على العدو

السؤال التقليدي في الملف الفلسطيني

أحياناً يخيّل لي وأنا أقرأ بعض التعليقات على ما نكتبه في الملف الفلسطيني أن علينا في كل مرة أن نستعيد ذات الأبجديات التي ناقشها الناس طوال عقود من دون أن يحسم الجدل حولها، إذ سيبقى هناك من يعيدها كما لو كانت تطرح للمرة الأولى، كما سيكون على الطرف الآخر أن يكرر موقفه منها، أكان في سياق التأكيد أم في سياق الرد والتوضيح.


 


فلسطين ليست أول بقعة تتعرض للاحتلال في العالم، وليست أول قضية يختلف الناس حول سبل حلها والتعاطي مع ملفاتها، ففي كل قضية خرج من يطالب بالتفاهم مع المحتل، مقابل من يطالبون بمقاومته، الأمر الذي كان ينتهي بتفوق منطق المقاومة على منطق القبول بواقع الاحتلال، ولتنتهي المسيرة بتفكيك الاحتلال واستعادة الشعب المناضل لحريته.


 


القضايا تتشابه من حيث منطقها العام، لكن الفروق تبقى كثيرة في التفاصيل، وهنا في القضية الفلسطينية ثمة بعد بالغ الأهمية يتعلق بميزان القوى بين الطرفين، وحيث لا يواجه الفلسطينيون عدوهم فحسب، وإنما يواجهون عالماً تنحاز أكثر قواه لذلك العدو، أكان قناعة بأهمية وجود المشروع الصهيوني لمصالحها، أم بسبب النفوذ الصهيوني في أروقتها السياسية.


 


في ظل هذا الوضع البائس نهضت برامج سياسية تقوم على التعاطي مع الأمر الواقع كما هو، أبرزها برنامج القبول بما يعرف بقرارات الشرعية الدولية التي تمنح العدو 78 في المئة من فلسطين قبل التفاوض على ما تبقى منها.


 


مشكلة هذا البرنامج تتمثل في فشله طوال ثلاثة عقود، ولو وافق الإسرائيليون في أية مرحلة على الانسحاب من الأراضي التي احتلوها عام 67 ووافقوا على إنشاء دولة فلسطينية بالمواصفات التي مللنا تكرارها وسماعها لحل السلام العظيم في المنطقة.


 


لكن المصيبة التي ظهرت وتأكدت مراراً وتكراراً هي أن ما يريده الإسرائيليون لا يتطابق مع قرارات الأمم المتحدة، وهو لا يعدو أن يكون مفاوضات وتطبيع تنتهي بدولة مقطعة الأوصال من دون القدس ولا عودة اللاجئين، الأمر الذي تأكد على نحو سافر في قمة كامب ديفيد عام 2000.


 


الذين لا يرون هذا الرأي أصروا على رفض الاعتراف بالأمر الواقع، كما أصروا على أن المقاومة هي المسار الذي جربّته الشعوب الحرة في مواجهة محتليها فأثبت نجاحه.


 


هنا سيقول لك الطرف الآخر إن المقاومة قد جربت ولم تؤد إلى نتيجة، وينسى تماماً أن المقاومة لم تشكل مساراً وحدها في أية فترة معقولة منذ الاحتلال الثاني عام 67، بدليل أن العرب كانوا يركضون خلف أية مبادرة من أجل تنفيذ قرارات الشرعية الدولية من دون نتيجة. كما ينسى أن ستين عاماً ليست كثيرة على صراع تاريخي بهذا الوزن.


 


نعم، المقاومة عند الممسكين بخناق القضية (فلسطينيين وعرباً) كانت الخيار الثاني: خيار المضطر في ظل رفض الطرف الآخر لخيار السلام، أو لنقل كانت المقاومة وسيلة ضغط لإقناع المحتلين بالسلام وليس لاستعادة كامل الأرض منهم.


 


من هنا يمكن القول إن خيار التسوية قد فشل، وكذلك خيار الضغط بمقاومة محدودة من أجل التسوية، ووحده خيار المقاومة هو الذي حقق التحرير في لبنان أولاً، وفي قطاع غزة ثانياُ، وإن جاء هذا الأخير ضمن برنامج إسرائيلي لتسوية مشوّهة.


 


ما يتفق عليه الطرفان الآن هو أن الواقع الفلسطيني والعربي وعموم ميزان القوى الدولي لا يسمح بالتحرير الشامل، كما لا يسمح بتسوية كالتي يعرف الجميع شروطها المستندة إلى قرارات الأمم المتحدة، ولذلك ينهض سؤال الحل: هل نواصل المقاومة على أمل فرض التراجع على العدو، ولو بإنجاز جزئي دون التنازل عما تبقى، أم نبيع القضية بثمن بخس، أم نواصل التفاوض الذي يزيد الوضع سوءاً، بدليل تصاعد الاستيطان.


 


تبقى ثنائية حماس وفتح، وهنا نلاحظ من متابعة التعليقات إياها أن من يشتمون حماس مستغلين أخطاءها كانوا ضدها طوال الوقت، وازدادوا توتراً منذ فازت في الانتخابات، ثم بعد الحسم العسكري، وفي حين أعلنا موقفاً ضد الخطوتين، فإن أصحاب التعليقات المتوترة لا ينتقدون جماعتهم مهما فعلوا، فهم معهم في كل الأحوال وضد حماس في كل الأحوال.

مقالات ذات صلة