عين على العدو

الحقيقة بين التحليل الشعبوي وتلفزيون “كافور”!

ازدهرت في الأيام الماضية سوقٌ عامرةٌ لمدرسة التحليل “الشَّعْبَوِي” في التعليق على مع جرى في شاطئ غزة وما تبع ذلك من أحداث في حي الشجاعية. وراح عديد الكتاب الفلسطينيين والعرب يتبارون في تسجيلِ مواقفَ تشابهت في دورانها حول مبدأ “انتقاد كلا الطرفين” فتح وحماس على السواء؛ وإظهار الضيق بما جرى والتطلع إلى بروز طريقٍ ثالثٍ ينقذ المشهد الفلسطيني (أو توقع نشوء طريق ثالث مفرط في الانحراف والشذوذ كردة فعلٍ على الواقع البشع كما يراه هذا الفريق من “الخبراء”).


 


هذه المواقف كررت تسليط الضوء على عيوب قادحة في التحليل السياسي والمتابعة الإخبارية عند بعض أبرز الحاضرين في الصحافة والإعلام الذي يغطي الشأن الفلسطيني؛ وأول هذه العيوب يتعلق بمنهجية التحليل الشعبوي المتبع عند هؤلاء؛ فهو تحليلٌ لا يقدم تفسيرًا ولا شرحًا موضوعيًّا لما يجري. ويكتفي أصحابه مثلهم مثل عامة الناس بالتشكي من بشاعة الصورة التلفزيونية المشوهة (وهي صورة بشعة فعلاً) وغير المثالية والمفرطة في الواقعية والبعد عن فروسية المسلسلات الدرامية والروايات. بهذا المعنى فإن هؤلاء المحللين تحولوا – مثلهم مثل قطاعٍ لا بأس به من الجمهور – إلى كائنات تلفزيونية تحكم على الصورة كما تلقم لها بالملعقة من هذه الوسيلة الإعلامية المرئية أو تلك؛ ويعجز هؤلاء عن بذل جهدٍ كافٍ وأمين في تجميع كل مركبات الحكاية والتقديم لها ومناقشتها واستنتاج المعلومات الصحيحة من كل ذلك بموضوعية وحرفية.


 


إن هذا يعد ظلما فادحًا وعظيمًا للحقيقة والجمهور؛ لأن كل صحافيٍّ أو محلِّلٍ من هؤلاء لديه على عكس عامة الناس قدرة استثنائية للوصول إلى كمٍّ كبير من مصادر المعلومات يفوق ما يمكن أن يتجمع لدى الناس العاديين؛ ومع ذلك هم لا يبدعون في الحكم على الأحداث بأكثر مما قد يقدر عليه الفرد البسيط غير المطلع والذي ساءه عن حق منظر إطلاق النار في قلب القطاع…وهذا وضع شاذ يتنازل فيه أصحاب الأدوار الكبيرة عن وظائفهم ويتناقضون فيه مع طبائعهم؛ أو كما يقول الشاعر:


 


“إذا كان الكريم له حجاب * * * فما فضل الكريم على اللئيم”؟


 


وحتى حين حاولوا انتاج معرفةٍ جديدةٍ تفيد الناس؛ جاء ما كتبه أبناء فريق “انتقد الطرفين واسلم” مخيبًا للآمال بدرجة مريعة؛ فتحدث محلل فلسطيني تعرض للسجن على يد جلاوزة محمود عباس عن ضرورة إنقاذ المشهد الفلسطيني من قادته – كلهم على السواء من مختلف المشارب والألوان – الذين يفتقرون برأيه للحياء ويتصارعون على الكراسي بناءً على دوافع حزبية مقيتة (هذه الدوافع لا تنجح في تفسير سبب اعتقال هذا المحلل المناوئ للتيار الخياني وأيضًا المستقل والمعروف بكثرة انتقاداته اللاذعة لحماس كما يظهر في عين هذا النقل عنه) ودعا لتسليم الشأن الفلسطيني العام للأكاديمين (كأن الشهادة الجامعية دليل على الحصانة الأخلاقية والوطنية لحاملها وكأن مشكلتنا مع “الدكتور” محمود عباس هي في كونه أمِّي؛ أو كأن فياض لم يكن في ماضي الأيام مدرسًا في الجامعة!)


 


ثم ختم المحلل عرض فكرته باقتراح أن يرعى هذه الخلية القيادية المكونة من الأكاديميين فصيلان سياسيان غير حماس وفتح؛ لكن يكون لكل منهما حظوة أو يد عند أحدهما (فصيل إسلامي ممثلاً لحماس كما قال وفصيل وطني ممثلاً لفتح). بصرف النظر عن كل مقدمات المحلل الكبير غير الموضوعية والمجافية للحقيقة فيما يخص حماس؛ فهل يبدو هذا الحل الذي يعيدنا للمربع رقم واحد (حماس وفتح موجودتان من وراء حجاب) فكرة عظيمة قابلة للتطبيق والإفادة وإحداث التغيير المنشود؟


 


أما أحد أعمدة الإعلام الفلسطيني في أوروبا وعمود مدرسة “ضربة عالحافر وضربة عالنافر” في الفتوى السياسية ؛ فقد حافظ على موقعه في التوسط بين كل المتناقضات: فأعلمنا أن جريمة اغتيال القساميين في شاطئ غزة جريمة “بشعة ومدانة”؛ لكن ذلك لا يبرر تصرفات حماس وحكومة القطاع على المستوى الأمني! واعتبر أن قيام “أحمد حِلِّسْ” وأصحابه بالفرار للكيان وظهورهم على الصورة المشينة التي ظهروا عليها – اعتبره أمرًا لا يشرف حماس ويسيء لها بنفس الدرجة التي يسيء بها إلى حلس! طيب ما ذنب حماس في أن هؤلاء القوم حين وجدوا حر العقوبة على اللائحة الطويلة بجرائمهم فإنهم فطنوا إلى لقم الرضاعة الصهيونية التي ما فُطِمُوا عنها قط؟! كيف يمكن للموضوعية أن تستوعب هذا التعسف؟


 


سأكتفي إلى هنا بهذه العينات من التحليلات المشوهة؛ لأن معظم ما كتبه الحريصون على جمال الصورة التلفزيونية أكثر من حرصهم على الحقيقة – معظم هؤلاء لم يراوح مربع الطعن في الفريقين ومساواتهما بشكل أو بآخر؛ وإن زاد البعض من حدة الإعراب عن ذلك الموقف شكلاً لحد التعبير عن الخجل من كونه فلسطينيًّا (ليس لدي مشكلة مع هؤلاء فأنا أيضا أشاركهم إلى حدٍّ ما نفس الشعور بالخجل من كونهم فلسطينيين…) أو أسفَّ لأبعدِ حدٍّ مكنٍ على مستوى الموضوع – كما حصل حين زعم أحدهم أن حل مشاكل المربعات الأمنية وفرق الموت والاغتيالات يكون بالحوار السياسي وليس بتدخل الشرطة…(ما أسهل الكلام حين “تحيِّد” الضربة عن ظهر المرء)


 


فما العمل إزاء كل هذا الشطط؟ لا بد كما قلنا آنفًا من حشد المعطيات وتجميع مركبات الحكاية ووصلها بموضوعية ليفهم الناس ما جرى ويجري (أحد الكتابات الحسنة والموجزة في هذا السياق كان مقالاً لمحمد العوضي الشيخ الذكي والمتكلم) لكن نفسي في ذات الوقت تتوق إلى مداواة العلة “بالتي كانت هي الداء”. أحببت أن أجد دليلاً دامغًا من التلفزيون على فشل التحليلات الشعبوية وظلمها؛ لأن هذه الآلة كما تقدم هي “ديوان العرب” المعاصر والبوابة الآكد إلى قلوبهم وعقولهم! وبينما أنا متفكِّرٌ في أمر مادة مرئية سهلة ممتنعة يمكن أن تحقق صدمة الوعي المنشودة وتنبه الناس إلى حقيقة مواقف كل طرف بكل بساطة ووضوح؛ التفتُّ حولي فوجدت التلفزيون “الكافوري” يتبرع بعرض ما أحتاج. ولأن تلفزيون “كافورستان” فعل ذلك عن غير قصد منه أو إرادة فسأضن على اللئام بالشكر والثناء وسأحمد الله تعالى ربيَّ المستأهلَ الحمدَ دائمًا وأبدًا!


 


صباح الخير يا “كافورستان”!


 


لو احتاج العالم العربي إلى بوصلة ما أو إطارٍ معياريٍّ أو “ستاندرد” لتحديد “الموقف السياسي الشريف” وتحديد موقف مبدئي مما جرى ويجري ومما كان وسيكون؛ فسأوصي لتحقيق هذا الغرض باستعمال اختبار “صباح الخير يا كافورستان”! لا على المشاهد العربي إلا أن ينتظر ليسمع رواية هذا البرنامج لِما وقع ليعرف الحقيقة من خلال الانتقال للمربع المضاد لرسالة البرنامج! فما سلكت الوطنية والالتزام فجًّا إلا سلك البرنامج العتيد فجًّا غيره معبَّدًا بالخسة والكذب الواطئ شكلاً وموضوعًا على خير ما يغضب الله ويرضي الصهاينة!


 


عضو في برلمان “كافورستان” يدعى منذ أيام قلائل للبرنامج الصباحي لقراءة عناوين الأخبار. لم يكتف العضو “بالتشنيع” على ما صنعته حماس ومارسته من “غطرسة” و”تجبر” و”قهر” للشعب الفلسطيني في غزة – طبعًا بعد وصلة مملة من الحديث عن دور نظام بلاده في دعم فلسطين وشعب فلسطين – بل إنه تعدى ذلك إلى اتهام حماس بتعرية فُرّار الشجاعية الذين نزعوا ثيابهم في “ناحل عوز” بعد أن نزعوا الكرامة والأخلاق في غزة من اليوم الذي قرروا فيه التصرف كعصابة جاهلية في خدمة أعداء فلسطين. لم يتهم الناقل الغشاش وغير الأمين حماس بتلك التهمة على سبيل المسؤولية غير المباشرة أو المبالغة كما فعل المدلسون الأقل خيبة؛ بل تعمد وضع الصورة أمام الكاميرا والقول أن حماس عرَّت الفارين – الفارين الذين اكتفى بوصفهم بأنهم فلسطينيون دون تحريرٍ لمواقعهم ودورهم في المعركة؛ ودون توضيح لدور الصهاينة في خلق تلك الصورة المشينة؛ ودون شرح لدور المتعرين هؤلاء في استرقاق أنفسهم لصالح إخوان القردة!


 


كان يكفي هذا الرجلَ المزوِّر أن يقول أن حماس قتلت وأطلقت النار – وهذا صحيح وصادق شريطة أن يُحَرَّرَ جيدًا لتحديد هوية من أُطْلِقَت النيران عليهم من المجرمين والخارجين على قوانين السماء والأرض؛ وشريطة توضيح دور المجرمين في قتل الشهداء من الشرطة والقسام والمدنيين – لكنه أبى إلا أن يمضي في طريق الطعن في الحركة بالكذب الفج الصريح؛ محولاً الصورة الأبشع والاكثر كشفًا لتهافت وتداعي مواقف خصوم حماس في غزة – محولاً إياها إلى دليل إدانة لحماس!


 


إن هذا الاختبار الناجح والأكيد والمضمون (جربوه في المناسبات القادمة إن أحببتم!) للسلامة المبدئية لموقف حماس يشجعني على المضي قدمًا في سوق المزيد من الشروحات التي أتكئ عليها لا لتبييض صفحة حماس – فليس مثلي من هو أهلٌ لأن يزعم أنه سيجبر كُسور بِيض الوجوه وبيض القلوب في الحركة الإسلامية – بل لفضح وهن وتهافت ولا معقولية التحليل السياسي الشعبوي وقراءته لمواقف الأطراف الفلسطينية المختلفة.


 


فإلى لقاء قريبٍ بإذن الله…

مقالات ذات صلة