عين على العدو

الكيان الإسرائيلي مرآة الغرب الصهيوني!

 


أدهشتني بل أحزنتني وأقلقتني بعض الصحف العربية القومية، التي ترفع رايات المقاومة، في تعليقها على زيارة رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون قبل أيام للكيان الإسرائيلي وعلى ما تضمنه خطابه أمام الكنيست، حيث قالت إحداها بنبرة استغراب أنّ براون: “نصّب نفسه مدافعاً عن إسرائيل”! مستهجنة قوله: “طيلة حياتي كنت أصنّف نفسي صديقاً لإسرائيل”! (صحيفة”السفير” اللبنانية/ 22/7/2008) أما الأخرى فقد بدت في تعليقها على الزيارة كأنّما هي مستنكرة أنّ: “الكنيست الإسرائيلي أصبح محجّاً سياسياً لحلفاء الدولة العبرية في أوروبا وأميركا يعلنون منه ولاءهم الكامل لسياسات تل أبيب”! (صحيفة “الأخبار” اللبنانية/22/7/2008).


 


وواقع الحال أنّ براون لم ينصّب نفسه مدافعاً عن الكيان الإسرائيلي، بل إنّ الدفاع عن هذا الكيان هو مهمّته ومهمّة حكومته، ومهمّة جميع الحكومات البريطانية المتعاقبة التي سبقته، ليس منذ قيام الكيان عام 1948، بل منذ كان مشروعاً وجنيناً تتوالى على إنجاز عملية تكوينه ورعايته في أرحامها جميع عواصم الغرب، وفي مقدّمتها لندن ثمّ باريس ثمّ واشنطن ثمّ برلين، فالكيان الإسرائيلي مشروعها التاريخي منذ عهد أوليفر كرومويل، أي منذ عام 1649قبل أكثر من ثلاثة قرون، وهو قاعدتها الاستيطانية، على الطريقة الاستيطانية الإنكليزية في أميركا وأستراليا، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى على الأقلّ، وهو خطّها القتالي الأمامي ضدّ العرب والمسلمين والأفارقة والآسيويين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو مرآتها التي تعكس ملامحها وحالتها سلباً أو إيجاباً، تراجعاً أو تقدّماً، في حربها المفتوحة على اللانهاية ضدّ العرب والمسلمين خصوصاً والأفارقة والآسيويين عموماً!


 


وكيف لا يكون غوردون براون صديقاً مخلصاً للكيان الإسرائيلي طالما أنّه مخلص لبلاده ولسياساتها الإستراتيجية التاريخية الدولية؟ وكيف يمكن أن يصبح رئيساً للحكومة في بلاده إذا لم يكن مدركاً أنّ الإخلاص لبلاده يعني الإخلاص لمشروعها الإسرائيلي الذي يأخذ على عاتقه الإسهام الرئيسي في إخضاع الآسيويين والأفريقيين “البرابرة” لصالح لندن وحليفاتها؟ وكيف يدافع رئيس الحكومة البريطانية عن بلاده إذا لم يدافع عن أهمّ وأخطر قواعدها في أهمّ وأخطر مناطق العالم؟


 


إنّ رئيس الحكومة البريطانية لا يمكن أن يكون بداهة سوى صديقاً مخلصاً للكيان الإسرائيلي، ليس صديقاً وحسب بل نصيراً وظهيراً وحامياً مدافعاً بكل ما يملك من قوة، لأنه بذلك يدافع عن بلاده وسياساتها الدولية الثابتة على مرّ القرون من جهة، ويدافع عن العصر الأوروبي الأميركي ونظامه العالمي المهيمن منذ خمسة قرون من جهة أخرى! وبالطبع ينطبق القول نفسه على رؤساء الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا الذين “حجّوا” إلى الكيان الإسرائيلي وألقوا أمام الكنيست خطابات تقاطعت جميعها حول مسألة حرصهم على حمايته، وضمانهم لأمنه، وسهرهم على تأمين كلّ ما من شأنه مساعدته على الاستمرار في أداء وظيفته “الحضارية” ضدّ “البربرية”، وعلى بقائه مرآة شفّافة يرون فيها وجوههم، ومقدار عافيتهم أو مرضهم، في مواجهة “الطاعون” العربي والإسلامي، الأفريقي والآسيوي!


 


ولكن إذا كانت قد غابت عن البال مثل هذه الحقائق التاريخية، وما يترتّب عليها من استنتاجات بديهية، فكيف غابت عن البال تلك الحرب العالمية التي شنّت ضدّ لبنان، والتي لم يمض عليها سوى عامان فقط؟ ألم تنخرط الدول الأربع العظمى المذكورة بكلّيتها عسكرياً وسياسياً ضدّ لبنان المقاومة؟ ألم تشكّل هذه الدول وحلفها الأطلسي العمق العميق للجبهة الإسرائيلية؟ ألم تجرّ معها إلى ميادين الحرب عالمها الغربي الصهيوني بأكمله، مضافاً إليه أتباعها في جميع بلدان العالم بما فيها البلدان العربية؟ ألم يكن الإسرائيليون مجرّد واجهة مموّهة لكلّ ذلك؟ وبناءً على ذلك، أليست لظاهرة “الحجّ” إلى الكيان الإسرائيلي صلة قوية مباشرة بفشل الحرب ضدّ لبنان المقاومة؟ أليس المفترض والمنطقي الربط بينهما بداهة، وتفهّم قلق الصانع على صنيعته والوالد على مولوده والقائد على قاعدته العسكرية وخطوطه الأمامية؟


 


وهكذا فكيف لا يدهش المرء ويحزن ويقلق حين يطالع تعليقات كهذه في صحف عربية قومية رصينة، يفترض بكتّابها الإلمام بحقائق التاريخ الأساسية البديهية، حيث مثل هذا الإلمام هو نصف الطريق على الأقلّ نحو الخلاص؟ فإذا كان هناك، في مثل هذه المواقع الإعلامية المتقدّمة، من يستغرب ويستنكر ويستهجن زيارة براون وأمثاله للكيان الإسرائيلي، ومضمون خطابه أمام الكنيست، وإذا كان شائعاً على نطاق واسع مثل هذا الاستغراب والاستنكار والاستهجان، فذلك يعني أنّ طريق آلامنا ما زال طويلاً جداً، وأنّ خلاصنا ما زال هدفاً بعيد المنال، لأننا لا نزال نتوهّم ونعوّل على مواقف عادلة أو محايدة يمكن أن تتخذها هذه الدول!


 


والحال الذي يستدعي العجب حقاً أنّ هذه الصحف ذاتها نشرت في العام 2003، أو في العام 2004، تلك الصرخة المدوّية التي أطلقها إبراهام بورغ، الرئيس الأسبق للكنيست، بصدد انهيار الصهيونية اليهودية في فلسطين العربية المحتلة، وبصدد مأزقها الوجودي الذي لا مخرج للإسرائيليين منه، ثمّ جاءت نتائج حرب 2006 ضدّ لبنان المقاومة لتؤكّد بصورة شبه قاطعة ما ذهب إليه بورغ في صرخته، فكيف لا يهرع الصهاينة غير اليهود من واشنطن وبرلين وباريس ولندن إلى فلسطين المحتلّة لشدّ أزر مستوطنيهم في مأزقهم، وأجدادهم من أسّس الصهيونية اليهودية ؟ طبعاً سوف يهرعون تباعاً إلى مرآتهم الإسرائيلية، يحدّقون فيها للاطمئنان على صورتهم وعلى مكانتهم وعلى مستقبل بلادهم في غربهم الرأسمالي الاحتكاري الربوي الصهيوني، بعد صرخة بورغ وأمثاله التي أكّدت مضمونها ميدانياً نتائج حرب عام 2006!

مقالات ذات صلة