في العمق

معركة القوقاز.. خلفيات الصراع الجورجي ـ الروسي وأبعاده

 


لم يكن الصراع الدموي الذي نشب صبيحة الجمعة(8/8) بين القوات الجورجية واوسيتيا الجنوبية مدعومة بقوات روسية مفاجئا على ضوء التطورات الأخيرة وتصاعد الحرب الإعلامية وارتفاع وتيرة المناوشات العسكرية بين الأطراف المتنازعة في هذه البقعة الساخنة.


 


ونتوقف في هذا التقرير عند خلفية الصراع, وأسباب اشتعاله في هذه المرحلة, وتداعياته المنتظرة في ضوء الموقف الأوروبي والأمريكي من النزاع.


 


خلفية الصراع


العداء ما بين جورجيا والاتحاد السوفيتي ليس وليد اللحظة الراهنة,وإنما يمتد تاريخيا إلى الحقبة التي استولي فيها الروس على الأراضي الجورجية وضمها عنوة إلى أراضي الإمبراطورية الروسية في العام 1921.


 


واستمر هذا الضم القسري حتى قبيل الإعلان رسميا عن تفكك الاتحاد السوفيتي في العام 1991, حيث كانت جورجيا سباقة بإعلان استقلالها عن العملاق الذي ينهار قبل ذلك بثمانية أشهر على الأقل.


 


وفي العام 1992 وبعد أن نالت جورجيا استقلالها, سعت اوسيتيا الجنوبية وأبخازيا للانفصال عن الأراضي الجورجية, حيث طالبت اوسيتيا بالاتحاد مع شقيقتها الشمالية التابعة لروسيا, فيما أرادت ابخازيا أن تظل على وضعياتها المستقلة.


 


وكان من جراء الحراك الاوسيتي والابخازي للانفصال عن الدولة الوليدة الدخول في حرب طاحنة طرفها الأول اوسيتيا الجنوبية وابخازيا وطرفها الثاني جورجيا, لم يحسم فيها الصراع لأي من الطرفين ولكنها كرست وضعا استقلاليا غير معترف به رسميا حتى من قبل روسيا للإقليمين الانفصاليين, وتوقف إطلاق النار باتفاقية بين الأطراف المتنازعة.


 


تجمد الموقف العسكري بين هذه الأطراف منذ العام 1994 بعد توقيع اتفاقية تم بموجبها نشر قوات حفظ سلام في منطقة النزاع,ولكن سياسيا دعمت روسيا الإقليمين الانفصاليين, ودخلت في نزاع سياسي مع جورجيا, وفرضت حمايتها العسكرية على اوسيتيا الجنوبية وابخازيا, بحجة الحفاظ على مواطنيها في الإقليمين.


 


الأسباب الداعية لتصعيد الصراع


جبهة الصراع التي ظلت باردة طيلة هذه الفترة إلا من مناوشات عارضة, جدت أسباب عديدة دفعتها إلى الوضع المتفجر الحالي ومن هذه الأسباب الأتي:


 


أولا:


محاولة جورجيا حسم النزاع بالقوة العسكرية بعد مؤشرات سياسية على توجه روسيا نحو الاعتراف بالإقليمين الانفصاليين, كرد على استقلال كوسوفا بدعم أوروبي ـ أمريكي ,عن حليفتها صربيا, واستغلال زخم هذا الحدث واعتباره تجربة قابلة للتكرار.


 


ثانيا:


توجه روسيا نحو الاعتراف باستقلال الإقليمين, لا يتوقف عند حد رد الاعتبار على استقلال كوسوفا, وإنما يأتي في الأساس كرد على محاولة حلف الناتو ضم جورجيا إلى عضويته, وهي في ذلك تسعى إلى عدة أهداف:


 


1ـ تكوين منطقة عازلة مواليه لها لفصل حدودها عن جورجيا, بحيث إذا انضمت هذه الدولة إلى الحلف, لا يكون على للناتو وجود مباشر على حدود روسيا.


 


2ـ رسالة إلى جورجيا بان مصلحتها بالأساس في التقارب مع روسيا وليس الولايات المتحدة, أو أوروبا, خاصة وأنها قادرة على العبث بوحدة أراضيها, وليس بمقدور الناتو أو الولايات المتحدة تقديم المعاونة والمساعدة العسكرية لها.


 


3ـ رسالة إلى الناتو والولايات المتحدة بان روسيا باتت خياراتها مفتوحة إزاء ما يهدد سلامة أراضيها, وأنها قد تسعى إلى مواجهة مسلحة للحفاظ على استقرار الأوضاع الحالية في محيطها الاستراتيجي والأمني والدول الملاصقة لها.


 


4ـ إضعاف فرصة جورجيا في الانضمام إلى الناتو, لان الحلف لن يسعى في هذه الفترة لضم دولة في حالة حرب, إذ سيفرض عليه هذا الانضمام تكلفة عسكرية ومواجهة مباشرة مع روسيا.


 


مآلات الصراع العسكري


من غير المتوقع, على المستوى العسكري, أن يمتد الصراع جغرافيا إلى أي من الدول المجاورة إلا إذا تدخلت ابخازيا في الصراع الحالي, وهذا فرصته ضيئلة على ضوء سير الأحداث والتدخل العسكري الحاسم من قبل روسيا وتوقف الهجوم الجورجي على اوسيتيا الجنوبية.


 


وقد يساهم موقف أوروبا والولايات المتحدة,في إعطاء رؤية عن إمكانية تطور الصراع وامتداده من عدمه خلال الفترة القادمة, وهذا ما يمكن استعراضه على النحو التالي:


 


أولا: الموقف الأوروبي


أوروبا التي رفضت عدة طلبات جورجية سابقة بإرسال قوات لحفظ السلام بدلا من القوات الروسية المتواجدة في منطقة النزاع لن تخاطر بالتدخل المباشر في صالح جورجيا لعدة أسباب منها:


 


أولا:


 الدول الأوروبية ترغب في القيام بدور الوسيط بين الطرفين(جورجيا وروسيا), وقد يتعارض ذلك الدور مع تدخلها المباشر في الأزمة.


 


ثانيا:


الدول الأوروبية لا تريد التورط في نزاع عسكري قد يتعارض مع مصالح الكثير من دول الاتحاد, وقد يؤدي إلى نزاعات داخل الناتو على نحو ما يحدث بالنسبة للصراع في أفغانستان.


 


ثالثا:


الدول الأوروبية حريصة على عدم استفزاز الدب الروسي وتصعيد الصراع معه, خاصة وانها تعتمد بصورة تكاد تكون كلية على مصادر الطاقة الروسية.


 


ثانيا: الموقف الأمريكي


أما الولايات المتحدة فتدخلها المباشر في الصراع الحالي غير مؤكد, لان ذلك سيجعلها في مواجهة صريحة مع روسيا, وما قد يجعل الصراع ممتدا من ناحيته الجغرافية والزمنية, وتصبح تداعياتها خارجة عن نطاق السيطرة, وسيقتصر دعمها في الأغلب على الأتي:


 


أولا:


الدعم السياسي لجورجيا, وذلك باللجوء إلى الضغط على روسيا لوقف الصراع المسلح,عبر تصعيد الموقف في القنوات الرسمية كمجلس الأمن.


 


ثانيا:


التدخل لإنهاء الأزمة من خلال التفاوض مع الجانب الروسي في محاولة لتقليل خسارة حليفتها جورجيا, والحفاظ على وضعيتها الاستقلالية بما يضمن ولائها المستمر للولايات المتحدة,وعدم تحريك وضع الإقليمين الانفصاليين ناحية الاندماج مع روسيا.


 


ثالثا:


 قد تلجا,إذا طال أمد الصراع إلى الدعم العسكري غير المباشر, لان كل مواجهة عسكرية طويلة الأمد تخوضها روسيا ينظر إليها أمريكيا بايجابية على اعتبار أنها تقلص من قدرة روسيا على استعادة مكانتها القديمة.


 


وعلى ضوء هذا التحليل فان الصراع الحالي مرشح للانتهاء دون توسع في أطرافه المتنازعة أو في محيطه الجغرافي, وقد لا يغير كثيرا من وضعية الإقليمين الانفصاليين في الفترة القريبة لكنه قد يحرك الأوضاع في اتجاه البحث عن حل جذري لعلاقتهما مع جورجيا,باعتبار أن الحرب هي الخطوة الأولى نحو المفاوضات.


عصام زيدان


10/8/2008م

مقالات ذات صلة