عين على العدو

صهيونية تشرشل استمرارية لصهيونية كرومويل


في العام 1649، أي قبل أكثر من ثلاثة قرون ونصف، تشكلت في إنكلترا حركة أنكلوسكسونية بيوريتانية لوثرية تدعو لعودة اليهود إلى فلسطين، وقد سلّمت تلك الحركة لحكومة أوليفر كرومويل (بالاتفاق معها قطعاً) إعلاناً تضمّن ما يلي: “إنّ أمّة إنكلترا وسكان هولندا سيكونون أول الناس وأكثرهم استعداداً لنقل أبناء وبنات “إسرائيل” إلى الأرض التي وعد بها أجدادهم، إبراهيم وإسحق ويعقوب، لتكون ميراثاً لهم إلى الأبد”!


 


أمّا أغرب ما في الأمر فهو أنّ إنكلترا كانت حينئذ “نظيفة” تماماً من اليهود (حسب المصطلح الأوروبي) لأنّ قراراً ملكياً سابقاً قديماً جدّاً حرّم عليهم دخولها! ولذلك فلا بدّ أنّ فكرة الإعلان كانت مستوحاة من النجاح الساحق لعمليات الهجرة والإبادة والاستيطان الإنكليزي في أمريكا الشمالية، ولا بدّ أنّ الدافع هو الانطلاق في بناء إمبراطورية إنكليزية عالمية، حيث كان الأوروبيون جميعاً يتصارعون من أجل تحقيق هذا الهدف، أمّا لماذا فلسطين، ولماذا اليهود بالذات في فلسطين، فلأنّ فلسطين ملتقى ومفترق الطرق الدولية من جهة، ولأنّ العرب في الاجتياحات الفرنجية (الصليبية) ثمّ البرتغالية أبدوا مناعة صلدة من جهة أخرى، وفي ما بعد، في العام 1877، قال الدبلوماسي البريطاني جيمس نيل: “إنّ احتمال أن يتمكّن الإنكليز من استيطان فلسطين بالنجاح نفسه الذي استوطنوا به في أمريكا الشمالية بعيد جدّاً، بسبب الصعوبات التي يقيمها العرب، والافتقار إلى حماية فعّالة، وكثير غير ذلك”! وقد اقترح نيل استخدام اليهود لهذا الغرض بدلاً من الإنكليز، خاصة وأنّ المذهب البيوريتاني الذي اعتنقته ثورة كرومويل بتعصّب مفرط كان يعني اعتناق التقاليد العبرانية (التي خانها يهود الدم!) كما وردت في العهد القديم، وقد وجد البيوريتانيون الإنكليز في “يهوه” إلهاً يخصّهم وحدهم (وليس ربّ العالمين) لأنّهم “شعبه المختار” الجديد! وهم اختاروه لأنّه إله عنصري قاسي القلب يأمرهم باعتبار الأمم الأخرى أجناساً أدنى، ويبيح لهم إبادتها عن طيب خاطر، وهو ما فعلوه بالضبط في أمريكا الشمالية، وما قرّروا فعله في جميع القارات!


 


هكذا منذ أواسط القرن السابع عشر، بعد نجاح التجربة الأمريكية التي انطلقت أواخر الخامس عشر، قدّر للإله العبراني الوثني، ولمفهوم عنصر يهود الروح الجدد ويهود الدم القدامى المميّز المختار أن يلعب دوراً خاصاً في الفكر والفهم والأداء الإنكليزي البيوريتاني، وهو الدور الذي سرعان ما أخذ بعداً عالمياً استئصالياً كاملاً ومقدّساً! وبناء على ذلك أليس غريباً أننا نحن العرب نبقى أسرى الصياغات الأوروبية الأمريكية فلا نرى القضايا الكبرى في سياقها التاريخي، ولا نرى الصهيونية غير اليهودية التي انطلقت من لندن عام 1649، ونجاريهم في صياغاتهم المضلّلة حول صهيونية ونستون تشرشل وغيره تحديداً بدلاً من إبراز وفضح صهيونية النظام الإنكليزي والأمريكي والأوروبي عموماً؟ (أنظر مقالة الأستاذ صبحي الحديدي- القدس العربي- 4/8/2008).


 


لقد قنعت الصهيونية البيوريتانية غير اليهودية في البداية بمجرّد طرح فكرة استيطان فلسطين بوساطة اليهود، وتعهّدها بالرعاية على أمل “عودة وشيكة إلى أرض أجدادهم”، فقد كان عليها أولاً السماح لليهود بالعودة إلى إنكلترا، وكان عليها أن تنتظر ريثما ينطلق المشروع الإمبراطوري الإنكليزي، وبالفعل، عندما حلّ القرن التاسع عشر ظهر اللورد شافتسبري (1801-1885) الذي كان مهتماً طوال الوقت بإقامة دولة يهودية في فلسطين، لكنه كان يعارض في الوقت نفسه التحرير المدني لليهود البريطانيين بحجة أنّ السماح لهم بعضوية البرلمان دون حلف اليمين المسيحي الحق يعدّ انتهاكاً للمبادئ الدينية! وإنّه لمن الواضح أنّه كان يريد الاحتفاظ بهم يهوداً لتجنيدهم لاستيطان فلسطين في اللحظة السياسية المواتية، ولذلك كان يعارض رغبتهم في التحرّر المدني! وهو كان يشرح لإخوانه الإنكليز اللوثريين الأتقياء أنّ اليهود، وإن كانوا بلا شكّ يتسمون بالعناد وسواد القلب والانغماس في الانحطاط الأخلاقي والجهل بالكتاب المقدّس (حسب قول اللورد) فإنّهم لا يستحقّون الخلاص وحسب بل يمثّلون أيضاً شيئاً حيوياً لأمل المسيحيين في الخلاص! يقصد اللورد أنّ عودة اليهود إلى فلسطين شرط لظهور المسيح ثانية ولبداية الألف عام السعيدة اللوثرية الخالصة!


 


لقد نجحت التعبئة الطويلة في جعل استيطان اليهود في فلسطين أمنية سياسية شعبية على صعيد إنكلترا عموماً والولايات المتحدة عموماً حتى يومنا هذا، وقد بدأ منذ ذلك الزمن المبكّر “الاتحاد الغريب بين سياسة الإمبراطورية وبين نوع من الصهيونية المسيحية الأبوية التي اتضحت في السياسة البريطانية عبر الأجيال المتلاحقة! أمّا الهدف الحقيقي فقد شرحه أحد السياسيين الإنكليز المدعو ميتفورد قائلاً إنّ إقامة دولة يهودية في فلسطين ستضع إدارة مواصلاتنا البحرية في أيدينا بالكامل، وستوفّر لنا في المشرق مركز سيطرة نستطيع أن نوقف منه عمليات التعدّي، وأن نردع الأعداء السافرين ونصد ّتقدّمهم عند الضرورة! أمّا الكولونيل جورج جولر، الخبير بشؤون الاستيطان بصفته حاكماً سابقاً في أستراليا، فقد كان يقول: “إنّ بإمكان دولة أجنبية تعريض التجارة البريطانية للخطر بسرعة، ولذلك ينبغي أن تعمل بريطانيا على تجديد سورية بوساطة الشعب الوحيد الذي يمكن توظيف طاقاته بصورة دائمة وعلى نطاق واسع: أبناء الأرض الحقيقيون..أبناء “إسرائيل””!


 


ويجب أن لا يفوتنا القول إنّه كان هناك تشرشل آخر أقدم من ونستون، هو تشارلز هنري تشرشل في أواسط القرن التاسع عشر، الذي كان ينتقد محاولات حكومته لإبقاء الدولة العثمانية على قيد الحياة بحجّة الخوف من فرنسا وروسيا، وكان يدعو إلى “التحرير المبكّر لسورية وفلسطين ووضعهما تحت الحماية البريطانية على أن يقوم اليهود بدور المستوطنين الحماة للمصالح البريطانية في الشرق الأدنى”!


 


خلاصة القول هي إنّ صهيونية تشرشل ليست سوى استمرارية لصهيونية كرومويل، وإنّ الحركة الصهيونية اليهودية والقادة الصهاينة اليهود ظهروا لاحقاً رغم مقاومة الأكثرية اليهودية في مختلف أنحاء العالم وخاصة في فلسطين، أمّا الصانع لهذه الحركة ولهؤلاء القادة فهو الصهيونية غير اليهودية التي مازالت في مواقع السيطرة في واشنطن ولندن وغيرهما منذ عام 1649على الأقلّ!

مقالات ذات صلة