عين على العدو

حماس والنموذج الإسلامي للأسرة

الحرب ليست فقط بالسلاح، وإنما تتعدد الأشكال وتتنوع الوسائل طبقاً لظروف كل عصر، ومعطيات كل حضارة.


والصراعات التاريخية الكبرى لا يتم حسمها في وقت قصير.. إنها تمتد مع الزمن، ويكتسب فيها كل طرف من الخبرات ما يمكنه من تحقيق أهدافه، ومن يستطيع أن يحول خبراته إلى مصدر لإنتاج الأفكار وإبداع الوسائل فإنه يحقق النصر في النهاية.


 


لذلك ظلت “إسرائيل” تحاول إنهاء الصراع بشكل مفاجئ وسريع، وطبقاً للخبرة الإسرائيلية، فإن استخدام الأسلحة المتقدمة في التدمير السريع يمكن أن يحقق لها النصر كما حدث خلال عدوانها على الأمة عام 1967، لكنها لا تستطيع الصبر على صراع طويل ومعقد يحتاج إلى تراكم الخبرات التاريخية، ويستثمر الإمكانيات الحضارية.


 


ومهما كانت قوة الأسلحة وتقدمها، فإنها تظل دائماً وسيلة يحكم استخدامها الحكمة التاريخية والبصيرة الحضارية والخبرة الثقافية وقوة الإيمان والعقيدة، ومن المؤكد أن “إسرائيل” تمتلك الأسلحة المتقدمة، فقد فتحت لها أمريكا ترساناتها لتحصل منها على ما تريد، وهي تتمتع بتفوق شامل على العرب في مجال القوة المادية.


 


لكن استخدام تلك القوة قد يحقق نصراً خاطفاً وسريعاً كما حدث عام 1967، وقد يدمر أسلحة الخصم ويؤدي إلى إبادة الآلاف من السكان وتدمير المدن، لكن كل تلك القوة لا تحقق انتصاراً على المدى البعيد.. و”إسرائيل” تعلم تماماً أنها تحارب أمة تمتلك إمكانيات حضارية وثقافية تفوق قدرة الخيال الإنساني، والإسلام يمد هذه الحضارة بشكل مستمر بطاقات إنسانية وفكرية وثقافية أكثر أهمية من كل الأسلحة المادية.


 


ثروة لا مادية


لقد بدأ الكثير من العلماء يتنبهون إلى أهمية الثروة اللامادية التي تعتبر الثقافة والخبرة التاريخية والحلول غير التقليدية للمشكلات الاجتماعية من أهم مصادرها. وهذا يمكن أن يشكل أساساً لتطوير علم جديد سيكون له تأثيره على مجالات السياسة والإدارة والاجتماع وعلم الحكم وبناء الدول.


 


وسوف أحدثكم اليوم عن جانب قد لا يثير الانتباه، ولكنه سيكون له تأثير كبير في المستقبل، وهو يكشف عن إمكانيات لتقديم حلول غير تقليدية لمشكلات المجتمع.. وعن إمكانيات لابتكار وسائل لتحقيق الغني اللامادي.


 


ولقد أشرت في مقالات سابقة إلى أهمية الإنجازات الثقافية التي تحققها حماس والتي مكنتها من الصمود في وجه الحصار والظلم العالمي والعدوان الإسرائيلي والضعف العربي والمؤامرات الأمريكية.


 


لكن سأقدم لكم اليوم جانباً من الصورة قد يثير الدهشة، فلقد تبنت حماس مشروعاً لتزويج الشباب والفتيات، وإقامة حفلات جماعية للزواج وبإمكانيات شديدة البساطة، وهذا المشروع في حد ذاته يمكن أن يعتبر من أهم الأسلحة التي تستخدمها في كفاحها طويل المدى لتحرير فلسطين، وسوف يكون له الكثير من التأثير الإيجابي على مستقبل الأمة الإسلامية كلها، كما أنه يشير إلى تطور فكري مهم لحماس، وأنها تسعى لتحقيق الاستقلال الشامل، وتستثمر كل الخبرات الحضارية والتاريخية الإسلامية وأن تحرير فلسطين ليس مجرد معركة.. إنه مشروع حضاري إسلامي.


 


عقلية جديدة


قامت حماس بالإعلان عن حفل زواج جماعي لذوي الاحتياجات الخاصة، وكان معظمهم من الذين تعرضوا لإصابات خلال العمليات العدوانية المستمرة على غزة، أو خلال عمليات بطولية مقاومة.


 


كان المشهد يثير الخيال الإنساني، ويدمر الكثير من الأفكار العلمانية الغربية التي روجتها وسائل الإعلام، وسممت حياة الناس، وعرضتهم للكثير من المآسي. حيث أصبحت المواصفات التجارية التي تتعلق بالقدرات المادية للشاب أو الفتاة هي المعيار الأساسي للزواج في الكثير من بلاد العرب، وهو ما يتناقض مع تعاليم الإسلام.


 


لكن لو شاهدتم حفل الزواج الجماعي لذوي الاحتياجات الخاصة في غزة، لرأيتم الحضارة الإسلامية تدافع عن نفسها وعن قيمها الخاصة في بناء الأسرة.


 


كان من مفردات ذلك المشهد المثيرة للانتباه صورة فتاة تتميز بقدر كبير من الجمال قد يجعلها أملاً لكثير من الرجال الذين يتمتعون بمواصفات تجارية ومادية كبيرة، لكنها تقف بجانب رجل تعرض لإصابة في إحدى العمليات البطولة بشكل لا يجعله مؤهلاً للزواج من أي فتاة عادية طبقاً لتلك المواصفات المادية الغربية.


 


لكن الفتاة قالت لإحدى المحطات التليفزيونية: إنها فخورة بالزواج من هذا الرجل.. إنه بطل ومجاهد.


 


بهذه الكلمات وجهت هذه الفتاة الفلسطينية الجميلة ضربة مباشرة وقوية ل”إسرائيل” وأمريكا وللعلمانية والمادية، وحققت انتصاراً قوياً على الغزو الثقافي الغربي.


 


تمنيت لو أن قنوات التليفزيون العربية قد بثت هذا، فهو يعبر عن نضج حركة التحرير الوطني، وعملية استثمار حضاري لمشاعر إنسانية تتميز بالقوة والقدرة على العطاء والتميز الحضاري.


 


علمي بنات العرب!


ماذا يعني هذا المشهد؟ هذه الفتاة قررت أن تعبر عن تميزها الحضاري الإنساني، وأن تؤكد أنها ليست سلعة يمكن بيعها لمن يملك إمكانيات مادية، وأن أهدافها في الحياة أكبر من كل المواصفات المادية التي تحكم تفكير الذين خضعوا للغزو الثقافي الغربي.


 


إنها قررت أن تختار لنفسها بطلاً وفارساً ومجاهداً، دافع عن الوطن، وأثبت أنه رجل يستحق الحب والفخر. إنه أفضل في نظرها من آلاف الشباب الذين يملكون مواصفات جسدية ومادية، لكن قلوبهم خائفة، وأحلامهم صغيرة وليس لديهم الهمة والطموح والقدرة على الدفاع عن الوطن.


 


ثم إن هذا الشاب صاحب قضية ورسالة، والإيمان يجمل وجهه حتى أصبح في نظرها أكثر الرجال وسامة.. إنها تريد أن تعيش قضيتها، وتشارك الحياة رجلاً لا يعيش الحياة لنفسه، ومن يستطيع أن يعطي حياته لرسالته فإنه يستطيع أن يعطيها أيضاً حباً وحياة.


 


يضاف إلى ذلك أن الزواج ليس للدنيا فقط، إنه للدنيا والآخرة، إنه رجل يمكن أن يملأ حياتها بالإيمان، والزواج منه في الدنيا يرضي الله سبحانه وتعالى، وهو الهدف الأسمى لكل مسلم، والجزاء هو الجنة ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولذلك فإن الزواج منه أفضل من كل الدنيا بما فيها من مال وجاه.


 


تستحق الفخر


تلك الفتاة الجميلة تفخر بالزواج من هذا الشاب، لأنه مجاهد وبطل يستحق الفخر.. وعلينا أن نسأل أنفسنا بصراحة: مَنْ منا يستحق أن تفخر به زوجته؟! ومعظمنا لن تكون الإجابة في صالحه بالرغم مما نمتلكه من مال وإمكانيات مادية.. أما هذا الشاب المجاهد فهو يستحق أن تفخر به الأمة كلها، ولقد شعرت بالسعادة من أجله، تمنيت أن أقول له: عش سعيداً في الدنيا بفتاتك الجميلة، وستكون إن شاء الله زوجتك في الجنة.


 


وهذه الفتاة الجميلة يجب أن تعلم بنات العرب معايير اختيار الزوج.. إنها حرة تختار بطلاً ليكون أباً لأبطال ومجاهدين.


 


أما حماس فإنها تطور أساليبها في الكفاح وتعلم البشرية كيف يتم بناء الأسر المتميزة التي تكافح لتحرير فلسطين، وتكافح لتحرير نفسها من العبودية لغير الله.


 


حماس تحافظ بذلك على النموذج الإسلامي للأسرة، وهو نموذج يمكن أن يشكل أهم أسس قوة الأمة الإسلامية، ومصدر أساسي لتماسك المجتمع وتوحده، والمحافظة على هذا النموذج سوف تشكل انتصاراً حضارياً على أمريكا و”إسرائيل” والعلمانية.

مقالات ذات صلة