الأمن المجتمعي

أحكام وضوابط «الولاء» في الشريعة الإسلامية

السؤال: ما هي ضوابط وأحكام «الولاء» في الشريعة الإسلامية؟


جواب الهيئة الشرعية:


الولاية: بفتح الواو وكسرها تعني النصرة: يقال هم على ولاية: أي مجتمعون في النصرة. والولي والمولى واحد في كلام العرب، ووليك هو من  كان بينك وبينه سبب يجعله يواليك وتواليه٬ أي تحبه وتؤيده وتنصره، ويفعل هذا معك، والله ولي المؤمنين ومولاهم بهذا المعنى، أي: محبهم وناصرهم ومؤيدهم، كما قال تعالى: «الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور» (البقرة:257).


وقال أيضاً: «ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم» (محمد:11).


والولاية ثابتة من كل مسلم لأخيه المسلم تشمل الحب، والنصرة، والتراحم، والتعاون، وكف كل أنواع الأذى والشر عنه.


وأما الأدلة عليها من الكتاب والسنة: فمن الكتاب قوله تعالى: «إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض» (الأنفال:72)، وهذا تأكيد من الله  جاء بصفة الخبر وكأنه أمر مستقر مفروغ منه، والمقصود بالأمر أن يوالي المهاجرون الأنصار بعضهم بعضاً.


وقال تعالى: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله  ورسوله، أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم» (التوبة:71). ففي هذه الآية تقرير لولاية المؤمنين والمؤمنات واتصافهم بما وصفهم الله به من أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر. والآيات في هذا المعنى كثيرة.


وأما الأدلة من السنة فهي كثيرة، منها: قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه: «المسلم أخو المسلم….» وقوله فيما رواه مسلم وغيره: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضهم بعضاً» وقوله في الحديث المتفق عليه: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». وهذه الأحاديث مؤكدة لما جاءت به الآيات السابقة.


الحقوق اللازمة من كل مسلم لأخيه المسلم:


الحب: وأدلته كثيرة منها قوله عليه السلام فيما أخرجه الشيخان: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وهذا واجب قد أغفله أكثر المسلمين اليوم، فلا نجد إلا القليل ممَّن يحبون إخوانهم حباً دينياً حقيقياً مجرداً عن الهوى والمصلحة والعصبية.


المجاملة: وتضم حقوقاً خمسة واجبة جمعها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وتشميت العاطس، وإتباع الجنازة، وعيادة المريض، وإجابة الدعوة».


النصرة: ومعنى ذلك أن يقف المسلم في صف إخوانه المسلمين فيكون معهم يداً واحدة على أعدائهم ولا يخلي بتاتاً ما استطاع إلى ذلك سبيلاً بين مسلم وعدوه. قال تعالى: «وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أَخرِجنا من هذه القرية الظالم أهلها، واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً» (النساء:75). وقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» وقال صلى الله عليه وسلم مفسراً كيفية نصرته ظالماً بأن ترده عن الظلم، ومثل هذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» ومعنى يسلمه أي: يخلي بينه وبين أعدائه.


ولما كان هذا الحق يتصل بعلاقات المسلمين والكفار قوة وضعفاً، وفي  وقت عهد وهدنة وفي غير ذلك، كان للنصرة قواعد وأحكام كثيرة ملخصها: على المسلمين النصرة في حال الضعف وعدم القدرة والإمكان كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر على آل ياسر وهم يعذبون فلا يملك إلا أن يقول لهم: “صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة” ولم يستطع  عليه السلام أن يرد عن أحد المستضعفين شيئاً طيلة مكوثه صلى الله عليه وسلم بمكة ولكن بعد أن أعزه الله بسيوف الأنصار استطاع أن يمد يد العون للمستضعفين بمكة، فكان يرسل إليهم من ينقذهم ويساعدهم على الفرار إلى المدينة، ولكن الله سبحانه نهانا عن عون المسلمين في ديار الكفر إذا كان بيننا وبينهم عهد، كما في صلح الحديبية حيث امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن مساعدة المستضعفين في مكة بعد هذا الصلح، ولذلك اضطروا للفرار إلى ساحل البحر كما قال تعالى: “وإن استنصركم في الدين فعليكم بالنصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق، والله بما تعملون بصير” (الأنفال:72). وهكذا نعلم  أن النص النبوي الســـــــــابق “ولا يســــلمه” وقولـــه تعالى: “وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان” (النساء :75) مخصصان بالاستطاعة، وبأن لا يكون المسلمون قد ارتبطوا بعهد وميثاق مع قوم من الكفار فلا تجوز خيانتهم في هذا.


 


نواقص الموالاة


ويمكن تلخيصها فيما يلي: إخراج المسلم من الإسلام عن معرفة وبصيرة.


يكفر المسلم إذا حكم على رجل مسلم بأنه كافر وهو يعلم أنه مسلم، ودليل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه: «أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما». وقوله عليه الصلاة والسلام أيضاً فيما أخرجه الإمام مسلم: «من قال لأخيه يا كافر وليس كما قال إلا حار عليه» أي رجع الوصف عليه. استحلال دم المسلم أو عرضه أو ماله، لأن دم المسلم وعرضه وماله حرام لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه «دماؤكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا».


 


موالاة غير المسلمين وإعانتهم


 يخرج من الإسلام كل من والى الكفار وأعانهم وظاهرهم على المسلمين، وقد جاء في هذا آيات كثيرة منها قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين» (المائدة:51) فقوله «فإنه منهم» واضح الدلالة على أنه خرج بذلك من الإيمان إلى الكفر. ولكن إن والى المسلم الكفار وهو في حال ضعف أو خوف غير مستحل لذلك فلا بأس عليه لقوله تعالى: «لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيءٍ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه» (آل عمران:28) يدل على أنه إن اتقى شر الكفار وداراهم وهو لا يحب انتصارهم على المسلمين فإنه لا يكفر بذلك بل يكون معذورا عند الله، والله أعلم بالقلوب كما تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع حاطب بن أبي بلتعة الذي أفشى سر المسلمين، وأخبر قريشاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم يريد حربهم.

مقالات ذات صلة