عين على العدو

مشروع أولمرت والدوران في الحلقة المفرغة

قدم إيهود أولمرت من جديد وضوحاً عالياً واضح المعالم والحدود في الرؤية الإسرائيلية لمستقبل الحل مع الفلسطينيين، في مشروع جديد أقل ما يقال عنه انه لا يشكل فقط تدهوراً على النسب والشكل العام الذي كان عليه العرض المقدم في كامب ديفيد الثانية في يوليو 2001.


 


والذي قدمه آنذاك الرئيس الأميركي السابق ويليام بيل كلينتون وإيهود باراك للرئيس للشهيد ياسر عرفات، بل هو في واقع الأمر يعتبر اختلافاً جوهرياً في شكله وسياقه عن العرض السابق، فبينما كانت سمة عرض كامب ديفيد الثانية، هي صفقة أسمتها مصادر السلطة الفلسطينية ذاتها بصفقة «سلام ناقصة».


 


فإن العرض الحالي المقدّم اليوم من إيهود أولمرت له سمة مختلفة تماماً، فسمته البادية بشكل واضح، هي صفقة قالت عنها المصادر نفسها «مقاولة ناقصة»، خاصة وأن العدو الإسرائيلي يقدم على تقديم مشروعه الراهن وهو يجد الطرف المقابل وقد تشظّى وترنّح تحت وطأة الانقسام الداخلي وتحت وطأة الصراعات الداخلية.


 


وعليه، ففي حين لم تستطع اللقاءات الماراثونية بين أحمد قريع وتسيبي ليفني، والتي تواصلت منذ ما بعد انعقاد مؤتمر أنابوليس وحتى اللحظة الراهنة من التوصل النهائي لوثيقة إعلان مبادئ جديدة ومستنسخة عن ما سبقها، أطلق أولمرت مشروعه الجديد متبوعاً باشتراطات إسرائيلية جديدة تتالت في سبحة المواقف الصهيونية التي دعت لـ «إعادة تفعيل التنسيق وتنفيذ المهام الأمنية الملقاة على عاتق السلطة الفلسطينية»، والمقصود من الوجهة الإسرائيلية كبح قوى المقاومة الفلسطينية.


 


والعمل في المساعدة على إطلاق الأسير الإسرائيلي جلعاد شاليت الموجود في قطاع غزة، وفي هذا الإطار كانت مسألة استئناف التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية العنوان الطاغي على لقاءات قريع ـ تسيبني المختلفة وفق مصادر من داخل غرف الاجتماعات التي شارك بمعظمها عدد من القيادات الإسرائيلية المعنية بالأمن والجيش.


 


وفي حقيقة الأمر وتبعاً للمعلومات المتسربة التي أطلقتها بعض المصادر الإسرائيلية بالنسبة للاقتراحات التي قدمها إيهود أولمرت ان العرض المقدم من إيهود أولمرت لا يعدو سوى لعب حر في الوقت الضائع ومحاولة إسرائيلية لإحداث المزيد من التشرذم والانشقاق في البيت الفلسطيني من خلال طرح مشاريع سيئة أولاً ووهمية ثانياً لإثارة الجدل والخلاف داخل البيت الفلسطيني مع أنها تحمل عنواناً فضفاضاً اسمه إقامة دولة فلسطينية مستقلة.


 


وعليه فإن المقدم من إيهود أولمرت لا يعدو أكثر من تكرار سمج للمنوال الإسرائيلي ذاته من المشاريع التي سبق وأن شبع الفلسطينيون كلاماً عنها وعن الدولة المستقلة التي اقترحها رابين ذات مرة وبيريز مرة ثانية وإيهود باراك مرة ثالثة وهكذا ولم تكن في حقيقتها سوى مشاريع «الدوران في الحلقة المفرغة» طالما أنها أساساً لا تستجيب لشرعية قرارات مجلس الأمن الدولي خصوصاً بالنسبة لمبدأ الانسحاب الشامل والتام حتى خطوط الرابع من يونيو 1967ووحدة عناصر القضية الفلسطينية ككل لا يتجزأ.


 


فإيهود أولمرت يقترح إجراء مفاوضات على «اتفاق مبادئ» لإقامة دولة فلسطينية على «معظم» أراضي الضفة الغربية وفي قطاع غزة والبحث في المسائل التي يكون فيها نسبياً من السهل الوصول إلى اتفاق، مثل طبيعة الدولة الفلسطينية (كيان، شبه كيان مرتبط بإسرائيل، كيان مرتبط بالأردن، محمية ليست سوى أوسع من حكم ذاتي وأقل من دولة).


 


وتنص الوثيقة (المشروع الجديد) على انسحاب إسرائيلي من (93%) من الضفة الغربية، طبعاً بعد إخراج القدس الكبرى من الحساب علماً بأنها تمثل ربع مساحة الضفة الغربية والمناطق المحتلة عام 1967 ليصبح مشروع أولمرت في حقيقته متحدثاً عن (93% ـ 25% = 58%) فقط من مساحة الضفة الغربية كأرض محتملة للكيان الفلسطيني العتيد الذي يراه في مشرعه الجديد.


 


ويلحظ بأساس المشروع مدى الأكذوبة الكبرى التي مازالت العديد من القيادات الإسرائيلية تكررها بشأن الدولة الفلسطينية على مساحة (93%) من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، فالطرف الإسرائيلي يستثني ربع مساحة الضفة الغربية من خلال استبعاد مدينة القدس (متروبلن) التي تم توسيع حدودها الإدارية منذ العام 1967.


 


كما يستثني مساحات ليست بالقليلة من المناطق التي التهمها جدار العزل العنصري من أراضي جنين ونابلس ورام الله حتى جنوب الخليل، ومقابل (7%) يعتزم أولمرت الاحتفاظ بها بغية إلحاق الكتل الاستيطانية الكبرى الواقعة ضمنها إلى الدولة العبرية الصهيونية حيث تعيش غالبية المستعمرين اليهود لتتطابق الحدود الجديدة وفق المشروع مع المسار المحدث لجدار الفصل، وأن يتم إخلاء المستعمرات التي ستبقى خلف جدار الفصل في الجانب المحتل عام 1967 على مرحلتين، الأولى منها مع توقيع اتفاق المبادئ.


 


حيث تبادر حكومة أولمرت إلى ما أسماه أولمرت في مشروعه تشريع «تعويض ـ إخلاء طوعي» للمستعمرين الذين يوافقون على الانتقال إلى نطاق فلسطين المحتلة عام 1948. وفي المرحلة الثانية عندما يستكمل الفلسطينيون الإصلاحات الداخلية ويكونون قادرين على تنفيذ الاتفاق بكامله، تخلي إسرائيل المستوطنين الذين يتبقون شرقي خط الحدود الوارد في مشروع أولمرت، أي أن أولمرت لا يقترح الانسحاب من الضفة الغربية.


 


وإنما هو يريد موافقة السلطة الفلسطينية على التنازل عن قرابة (42%) من مساحة الضفة الغربية، مقابل أن تعوض حكومة أولمرت للسلطة الفلسطينية مساحة (5,5%) من الأرض هي طول الشريط الواصل كمعبر بين الضفة الغربية والقطاع على أن يبقى تحت السيادة الإسرائيلية، وحسب مشروع أولمرت الجديد، ففي اللحظة التي يتفق فيها على خط الحدود، يكون بوسع إسرائيل أن تبني بحرية في المستوطنات التي تلحق إلى داخل حدود فلسطين المحتلة عام 1948.


 


من جانب آخر، فإن مشروع أولمرت يرفض «حق العودة»، ويقرر أن بوسع اللاجئين الاستقرار في الدولة الفلسطينية، باستثناء حالات شاذة لجمع شمل العائلات، ومع ذلك فإن الاقتراح مفصل ويقرر صيغة أكثر تعقيداً لحل مشكلة اللاجئين.


 


وفي هذا السياق فإن المسألة الكبرى المطروحة على الفلسطينيين تتمثل في العودة السريعة من أجل تجاوز الأزمات الداخلية المترتبة على ما جرى أخيراً من انقسام مدمر بعد أحداث غزة، والسير على طريق إعادة اللحمة وتغليب التناقض الرئيسي مع الاحتلال على أي تناقض أو تباين ثانوي.

مقالات ذات صلة