عين على العدو

ساعة كسر الحصار عن غزة والتمرد على الفيتو الصهيو ـ أمريكي

منذ أن فازت حركة حماس بأغلبية مقاعد البرلمان الفلسطيني مطلع عام 2006، وتولت زمام الحكومة (منفردة أو بالتعاون مع قوى أخرى ـ حكومة الوحدة الوطنية)، عمدت الإدارة الأمريكية ـ بدفع ومؤازرة “إسرائيل” ـ إلى عزلها دولياً وإقليمياً، وطالبت الدول العربية والعالم بعدم الاعتراف بشرعيتها أو التعامل والتواصل معها دبلوماسياً، ومنع التحويلات المالية عنها، بحجة عدم اعترافها بالكيان الصهيوني ورفضها إسقاط حقها في المقاومة المشروعة، ودفعت باتجاه إبقاء التوتر بينها وبين حركة فتح التي تسيطر على السلطة، رافضة أي حوار فلسطيني ـ فلسطيني قد يفضي إلى وحدة الصف الداخلي، واكتمل ذلك العزل بالحصار الإسرائيلي لقطاع غزة بشكل محكم منذ منتصف عام 2007، وإغلاق معابره مع “إسرائيل” ومصر.


 


ويمكن القول إن واشنطن نجحت إلى حد كبير جداً في أن تفرض ما أرادت على المحيطين العربي والإقليمي، والسلطة على مدار عامين ونصف العام.


 


وكان يمكن للتوجه الصهيو ـ أمريكي أن يفشل بكل بساطة في حال عدم إذعان السلطة وفتح للفيتو الأمريكي على الحوار، وفي حال تمرد دول عربية على الرغبة الأمريكية، وخصوصاً مصر التي تملك معبراً حدودياً مع قطاع غزة (معبر رفح).


 


طيلة الفترة الماضية كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس والحركة التي يتزعمها “فتح” ينفيان وجود اعتراض أمريكي على الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني، إلى أن أقرت الحركة على لسان قيادي بارز بذلك، فقد ذكر عزام الأحمد، رئيس كتلة “فتح” البرلمانية، “أن واشنطن أحبطت مبادرة رئيس السلطة محمود عباس للحوار التي أطلقها في الرابع من حزيران (يونيو) الماضي خلال 48 ساعة من إعلانها، معتبراً أن الجهود المصرية من أجل رأب الصدع الفلسطيني “مضيعة الوقت”.


 


ولا يقلل من قيمة هذا الاعتراف محاولة المسؤول الفتحاوي نسبة فشل مبادرة عباس إلى حركة حماس أيضاً، في ما بدا أنه محاولة لتخفيف وطأة هذا الاعتراف.


 


إنه من المؤسف حقاً ـ كما تتضح الصورة الآن ـ أن تشترك أطراف فلسطينية وعربية وإسلامية في المسؤولية عن الموضوعين سالفي الذكر، نظراً لغياب إرادتها بكل ما حمله ذلك من آلام وعذابات للشعب الفلسطيني، وخضوعها للضغوط الأمريكية، والتغطية على هذا بحجج واهية، وسيناريوهات مخادعة لم يخطئ عزام حينما اعتبرها بمثابة إضاعة للوقت.


 


وبغض النظر عن ما سلف وفات، فإن الأمر يحتاج من الأطراف الفلسطينية والعربية إلى الصدق مع النفس وقول الحقيقة، والإرادة والعزيمة في مواجهة المخططات الأمريكية المدعومة صهيونياً، ودعم خيارات الشعب الفلسطيني، وليس تنفيذ ما تريد “إسرائيل” والولايات المتحدة فرضه، وجملة الظروف اليوم تساعد على اتخاذ مواقف مخالفة للرغبة الصهيو أمريكية ومن أهمها:


 


ـ انتكاسة أمريكا في حربها على الإرهاب، مروراً بفشلها المعلن وغير المعلن في أفغانستان والعراق، وما تلقته مؤخراً من ضربتين موجعتين لنفوذها في مناطق مهمة وإستراتيجية لمصالحها القومية في العالم، ونقصد بذلك ضرب روسيا عرض الحائط بجميع التحذيرات الدولية وإعلانها حرباً ضروساً ضد جورجيا، في ما يبدو أنه بمثابة رسالة قوية وجهتها للولايات المتحدة بشأن خططها الخاصة بنشر بعض وحدات الدرع الصاروخي وتوسيع حلف الناتو ليشمل دولاً تقع على الحدود الروسية، يضاف إلى ذلك فقدانها لأهم حلفائها في الحرب على الإرهاب بإعلان الرئيس الباكستاني برويز مشرف الاستقالة من منصبه بعد ضغوط المعارضة الباكستانية.


 


ـ تلقي الكيان الصهيوني لصفعة قوية لقوة جيشه الردعية التي كان يفاخر بها في حربه العدوانية على لبنان صيف عام 2006، وعجزه عن اقتحام قطاع غزة رغم كل المحاولات.


 


ـ بعد أكثر من عامين من محاولات محاصرتها إقليمياً ودولياً، وابتعاد كثير من الدول العربية عنها، لا يبدو أن أمر حماس إلى زوال، بل إن كثيراً من المعطيات تشير إلى أن المرحلة القادمة هي مرحلة تعزيز الوجود الحمساوي، ومن ذلك اضطرار حكومة الاحتلال لتوقيع اتفاق هدنة مع حماس منذ شهرين، واتجاهها لتوقيع اتفاق آخر للإفراج عن أسرى فلسطينيين مقابل الإفراج عن جنديها الأسير جلعاد شاليط.


 


ـ مغادرة رئيس الإدارة الأمريكية الرئيس جورج بوش نهاية العام الحالي، صاحب رؤية حل الدولتين، وانكشاف زيف وعوده وسراب مسار التسوية، خصوصاً بعد 15 عاماً على توقيع اتفاق “أوسلو”.


 


ـ بروز إيران كقوة إقليمية رغم كل المحاولات الدولية لعدم الاعتراف بنفوذها الجديد ومحاولة الضغط عليها من بوابة سلاحها النووي.


 


وكان من الأمور الملحوظة على صعيد علاقات حماس بما حولها عودة الدفء من جديد إلى علاقات حركة حماس بالأردن رغم أنه ما يزال في بداياته الأولى، وهو يحمل برأينا أكثر من دلالة على صعيد مستقبل صلة الحركة بمحيطها العربي والإقليمي، وبسلطة رام الله وحركة فتح، والانعكاسات التي قد يتركها هذا التحرك على تلك المسارات، خصوصاً أن المبادرة جاءت من الجانب الأردني.


 


وبغض النظر عن الأسباب التي دفعت الأردن لإعادة العلاقة مع حماس، سواء المتعلقة به أو بالظروف الإقليمية والدولية المحيطة به، أو المتعلقة بحماس، فإن هذا التطور يعتبر انتصاراً لحماس، ضد محاولات عزلها وعدم التعامل معها، واعترافاً بها كلاعب رئيس قوي ومستمر على الساحة السياسية الفلسطينية. يفسر ذلك القلق الذي صدر عن السلطة وعن “إسرائيل”، وإن لم يطف على السطح بشكل كبير.


 


في جانب الإرادة وصدق العزيمة على الأنظمة العربية، أن تتعلم من الجهات الأهلية في العالم الكثير من الدروس، فعلى سبيل المثال فإن سفينتي “كسر الحصار” اللتين انطلقتا من قبرص وتقلان متضامنين دوليين وصحفيين إلى قطاع غزة المحاصر نجحتا في الوصول إلى غزة، رغم كل التهديدات الصهيونية بمنعهما بالقوة من بلوغ هدفهما الإنساني، في أول خرق بحري للحصار الجائر المفروض على القطاع والذي دخل عامه الثالث على التوالي.


 


وكانت رحلة السفينتين قد تعرضت لعدد من المتاعب منها تعطل أجهزة الملاحة والانترنت، وانقطاع الحرارة من أجهزة هواتف الحقوقيين الذين أبحروا باتجاه القطاع في محاولة لكسر الحصار الصهيوني، إضافة لما تلقوه من تهديدات سابقة في حال واصلوا المضي إلى غزة لكسر حصارها، إلا أن هذه التهديدات لم تثنيهم، بما في ذلك تحذير الخارجية الإسرائيلية للناشطين من خلال رسالة مفتوحة وجهتها عبر سفارتها بأثينا، ووصفت بموجبها تحرّك الناشطين الحقوقيين بأنه استفزازي يدعم نظام جماعة وصفتها بالإرهابية، في إشارة إلى حركة حماس.


 


هذا العمل حصيلة عمل امتد لعامين بعد أن تم تأسيس حركة “غزة حرة” والتي تضم مدافعين عن حقوق الإنسان وعاملين في القطاع الإنساني وإعلاميين من جنسيات مختلفة، وكان هدفها كسر الحصار عن غزة، وقد نجحت في ما فشلت جهود كثيرة لكسره، فهل آن أوان الإفادة من هذه التجربة على المستويين العربي والإسلامي رسمياً وشعبياً لتمزيق صحيفة الحصار الظالمة والتمرد على الفيتو الصهيو ـ أمريكي نرجو أن يكون ذلك قريباً.

مقالات ذات صلة