الأمن عبر التاريخ

أوراق أمنية بآيات قرأنية

الورقة الأولى :


 مفاهيم مغلوطة!


يزعم بعض النـاس أنّ العمل الأمني هو من الأعمال الغريبة عن العمل الإسـلامي، ويتناقض مع توجّهاته، وأهدافه، ومنطلقاته! .. ويستنكرون أيّ نشاطٍ أمنيٍ تقوم به التنظيمات الإسلامية، أو المعنيّون من أفرادها!.. وقد تشكَّل مثل هذا الاقتناع عند هذا الصنف من الناس، نتيجة الخلفية النفسية تجاه العمل الأمنيّ في بعض الدول بشكل عـام، فالأمن أو “الأجهـزة الأمنية” في الدولة، ارتبط دوماً بواقعٍ وتاريخٍ مظلم، وَسَمَ جوانب كثيرةً من جوانب الحياة العامة لها!.. وتعبير “الأمن” أو “الجهاز الأمني”، ارتبط في عالمنا بالقمع، والرعب، والسجن، والزنزانة، ومراقبة الناس، وكشف أستارهم، ومداهمة البيوت .. كما ارتبط بالجلاّد، والسَّوْط والتعذيب، والدولاب، والضحيـة، ونزف الدماء، والظلم، والقهر!..


 


الورقة الثانية :


القرآن الكريم والمفهوم الحقيقي للأمن :


إنّ تحقيق الاستقرار والسكينة، والأمن من المكاره، والطمأنينة والحماية، هو المعنى الحقيقي للأمن في القرآن الكريم:


(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام:82).


فالأمن هو ثمرة للإيمان الخالص النقي، إنه أمن النفس وأمن المجتمع وأمن الصفّ الإسلاميّ وأمن الأمة المسلمة، النقي من الشوائب المختلفة، شوائب النفس أو شوائب بنيان هذا الصفّ، والأمن نعمة من الله لا يحظى بها إلا المؤمنون الصادقون، الذين يعبدون الله وحده، ويعملون للوصول إلى تحقيق العبودية المطلقة لله سبحانه بين البشر .. كل البشر:


(فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش: 3 و4).


فيا ربّ كنْ معنا، وآمِن خَوْفَنا، وانصُرْنا على عدوّنا، وانصُر مَنْ نَصَرَنا، واخذُل مَنْ خَذَلَنا، واجعلنا من عبادِكَ المؤمنين الصادقين، العاملين بهدي كتابك الكريم وسنّة نبيّك ورسولك صلى الله عليه وسلم.


 


الورقة الثالثة :


الأصل الشرعي الأول : الأمن والقرآن الكريم :


القرآن الكريم، الذي هو كتاب الله العظيم، ودستور الإسلام القويم، يحتوي -فيما يحتويه- على أعظـم المعاني الأمنية، ولا نبالغ مطلقاً عندما نقول: إنّ كتـاب الله تعـالى جاء بالكثير من أساسيات العمل الأمني ومفاهيمه ومفاتيحه، وقد أكّدت النصـوص القرآنية بشكلٍ لا يقبـل الاجتهاد أو طـول النظر والتفكير، أنَّ للعمل الأمني أصلاً شرعياً من الأصول الإسلامية التي ينبغي للمسـلم أن يأخذ بها، ويستفيد منها، وينفّذ روحها وتعاليمها، ومن أراد الدليل أو المزيد، فما عليـه إلا أن يستعـرض كتاب الله عز وجل، ويتلـوه “بعينٍ أمنيةٍ”، ليكتشف بنفسه حقيقة ما نقول!


لقد زخرت قصص الأنبياء (عليهم صلوات الله وسلامه) في القـرآن الكريم .. بالعديد من المعاني والعِبَر الأمنية، خلال تبليغ دعوتهم لأقوامهـم، ومَن يتأمل في بعض تلك القصص  فسيصل إلى اقتناعٍ قويٍ بأن الحـذر والأمن، كانا من الأساليب الضـرورية التي لا يمكن التخـلي عنها، في أي دعوةٍ من الدعوات التي جاء بها أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام!


 


الورقة الرابعة :


المسلم وأمن الدولة :


نعم، لقد ارتبط اسم “الأمـن” بكل المصطلحات القبيحـة المذكـورة آنفاً، في الوقت الذي يدلّ فيه هذا الاسم الراقي على: السكينة، والسلام، والاستقرار، والراحة المطلقـة، والرخاء، والعدل، والهدوء! وهذا الارتباط الشاذ هو واقع الحال في معظم دول العالم اليوم، وفي طليعتها دول ما يسمى بالعالم الثالث!.. فقد أُسِّست “الأجهزة الأمنية” في هذا العالم لحماية “نظام الحكم” بدلاً من حماية “الشعب” أو “الوطن”، خاصةً في الدول التي تُقلَبُ فيها الكراسي بقوّة السّلاح، وبِهمّةِ الجنرالات وتُفرَض فيها أنظمة الحياة ومناهجها، بقوّة “الأجهزة الأمنية”  التي تَعتبر “الشعب” أو “المواطن” (منذ لحظة تأسيسها وإنشائها) الخصمَ الأول، والعدوَّ الذي لا يمكن الانتصار عليه إلا بمثل هذه الأجهزة القمعية!


لقد أرسى هذا الواقع المرير (الذي كان نتيجةً من نتائج إقصاء الإسلام وتعاليمه عن الحكم) دعائم أرضيةٍ نفسيةٍ مشوهةٍ تجاه “الأمن” عند الإنسان المعاصر، وخاصةً الإنسان المسلم، الذي تعتبره بعض الأنظمة الوضعية العدوّ رقم واحد، الذي يتوجب عليه أن يتلذّذ بطعم “الأمن” المرّ بشكلٍ دائم، وأن يشعر -رغم أنفه- بنعيم تلك الأجهزة الأمنية في أقبيتها المظلمة !


إنّه الأمن الزائف، وإنها “الأجهزة أو الأنظمة الأمنية” الظالمة، التي مارست الظلم على “اسمها”، قبل أن تمارسه -بأبشع صورةٍ أخلاقيةٍ- على شعوبها المقهورة!


 


الورقة الخامسة:


العاملون في الحقل  الإسلامي والأمن : تصحيح المفاهيم المغلوطة :


العاملون في الحقل  الإسلامي  ما وُجدوا أصلاً إلا لتحكيم منهج الله في جميـع نواحي الحياة، ولإخضاع كلّ جبارٍ لحكم الإسلام العظيم، ولتحقيق العبـودية لله الواحد القهار لا شريك له، ولتحرير الإنسانية من العبودية للأنظمـة الوضعية الظالمـة، التي كان “أمنها” و”أجهزتها الأمنية” المستبدّة، إحدى إفرازاتها “النّتنة”، التي شوّهت خُلُق “الأمن”، قبل تشويهها لأجساد ضحايا التعذيب في أقبيتها السوداء! والمطلوب من العامل في الحقل الاسلامي الحقيقي، أن يتحـرّر من تلك الخلفية النفسية التي زرعها الطغاة في عقله الباطن، بالواقع القهريّ الذي فرضوه، لأنّ “الأمن” في المفهوم الإسلاميّ هو: تحقيـق الاستقرار، والسّهر على راحة الناس، والمرابطة على الثغور، وترسيخ معاني السكينة والهدوء والراحة المطلقة للأفراد وللمجتمع .. فالأمـن في العقليـة الإسلامية هو “الأمن”، ولا شيء سواه، من غير تحريفٍ أو تزييف!


 


الورقة السادسة:


الحيطة والحذر .. أوامر قرآنية مباشرة :


المنافقون! هذا الصنف من الناس، الذين يتغلغلون في الصفوف، ويتّخذون لأنفسهم أقنعةً متعددة، ويسعون إلى تفتيت الصف الإسلاميّ من الداخل، بكل ما أوتوا من مكرٍ ودهاء، أولئك العيون الضّالة، عيون الكفار والأعداء على المسلمين إنهم المفسدون الخطِرون على الأرواح والخطط والأفكار ، هؤلاء أخطر أهل الأرض على الإسلام وجنده .. ما الموقف منهم؟!


(.. هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المنافقون: من الآية 4)


(فَاحْذَرْهُمْ)، أوَلَيسَ “الحذر” والقيام بمتطلباته من أهم المبادئ الأمنية؟!..


(هُمُ الْعَدُوُّ)، لأنهم العدو الحقيقي الخطير، الذي ينبغي كشفه قبل تمكّنه من الصف الإسلاميّ، فيعمل على تدميره من الداخل!..


(قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)، لأنهم أعداء الله، لذلك فهو يبغضهم ويقاتلهم، وعلى المسلم أن يقوم بواجبه تجاههم فينفّذ أمر الله فيهم، فيحذرهم!..


ذلك ليس كل شيء فيما يتعلق بأولئك المندسّين في الصفوف، المدمّرين لها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (آل عمران:118).


فربّ العزّة يصفهم بوضوح، ويكشف سرائرهم بجلاء، ويأمرنا أمراً قاطعاً بكشفهم، وإبعادهم عن كل موقعٍ في الصف الإسلاميّ، خاصةً المواقع الهامة التي تتعلّق باتخاذ القرارات الخطيرة أو المصيرية!


إنّه بيان وأمر من الله تعالى للعاقلين الحريصين على إسلامهم، وعلى دعوتهم من مكر الماكرين، وخبث المتربصين: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)!


 


الورقة السابعة:


الحذر مطلوب في السِّلْم .. وفي الحرب أَوْلى وأهمّ :


إذا كان الحذر وتحقيق “الأمن” بعملٍ أمنيٍ متكامل  مطلوباً في حالات السِّلْم، فكيف به في حالات الحرب؟ علماً بأنّ الحرب الحديثة متعددة الوجوه والأشكال:


(.. وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَة) (النساء: من الآية 102).


إنه العدوّ المتربّص في كل زمانٍ ومكان، ينتظر حالة “الغَفْلة والاسترخاء” في الصفّ الإسلامي، وهي حالة تتعارض مع حالة “اليقظة والحذر” .


 هذا العدوّ البارع بانتهاز الفرص التي تصنعها له حالة “الغَفْلة” ماذا يفعل؟!


(فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَة)، مَيْلَةً لا تُبقي ولا تذر، تُهلِك الحرث والنسل، وتهتك العِرْض، وتغتصب الأرض، وتستولي على الديار، وتتحكّم بعباد الله بطغيانٍ لا مثيل له!..


إنها نتائج الغَفْلة والتفريط بأسس حماية الصفّ الإسلاميّ والجماعة المسلمة والأمّة المسلمة!..


أما تنفيذ الأوامر الإلهية بامتلاك أسس الحماية، الكفيلة بتحقيق الأمن للصفّ الإسلاميّ، فالله عز وجل يبارك ذلك ويدعمه ويمدّه بأسباب القوّة والحصانة.


 


الورقة الثامنة:


التثبّت من صحة المعلومة .. مبدأ قرآنيّ أمنيّ أخلاقيّ :


ليس التعامل مع المعلومة أصماً، فالمعلومة في المفهوم الأمنيّ مادة خام، تحتاج إلى التحرّي والبرهان، فيُبنى على صحتها الموقف واتخاذ القرار المناسب .. وكم من معلومةٍ خاطئةٍ أوْدت بجماعاتٍ وأمم، وكم من موقفٍ مصيريٍّ تم تداركه بفضل معلومةٍ صحيحةٍ تم الحصول عليها في الوقت المناسب! وناقل المعلومة جزء مهم من اعتمادها أو تجاهلها .. من استثمارها أو نبذها وتجاهلها:


(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6).


إنه التحرّي الصادق الأمين، للتثبّت من المعلومة، قبل بناء الموقف عليها واتخاذ القرار المناسب بشأنها، كي لا يقع الندم، والندم هنا هو نتيجة من نتائج ظلم الناس .. وإيقاعُ الظلم بالناس هو نتيجة لتصرّفٍ أرعن متسرّع، لا يدع المجال للتثبّت من المعلومة والتحقق من إيمان ناقلها وصدقه وتقواه وولائه .. فهل نتعلّم ونتّعظ ونفعل وننفّذ أمر الله عز وجل؟!


 


الورقة التاسعة:


الحذر من إذاعة الأخبار وترديد الإشاعات: مبدأ قرآني آخر :


لأنّ إشاعة الأمن في صفٍ متيقّظٍ حَذِر، ستنتهي به إلى التراخي والغفْلة عن العدوّ المتربّص . وكذلك إشاعة الخوف في صفٍ آمن، يمكن أن تُحدث فيه إرباكاتٍ وردّات فعلٍ غير محسوبة .. فما الحلّ؟!


الحلّ إلهيّ من عند الله تعالى جل شأنه:


(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً) (النساء:83).


 فالحلّ هو: ردّ الأمور إلى أولي الأمر القادرين على تحليلها واستنباط خفاياها ومراميها، ثم اتخاذ القرار المناسب بشأنها، وبذلك يبقى الصف الإسلاميّ آمناً مطمئناً، محمياً بعقول أبنائه وسواعدهم وإيمانهم!

مقالات ذات صلة