تقارير أمنية

ملفات ساخنة بانتظار الحسم أمام صانع القرار الصهيوني

 


اليكس فيشمان


كانت لدى جورج بوش، خطط رائعة للسابع عشر من أيلول 2008، هو شاهد نفسه يقف على المنصة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، على يمينه أبو مازن، وعلى يساره ايهود أولمرت، وهو يقول أمام العالم كله لقد جلبنا لكم السلام. ولكن بدلاً من ذلك ستجري في إسرائيل انتخابات تمهيدية، بينما تحول أولمرت إلى شخص غير ذي صلة. أما بالنسبة لأبو مازن فقد حدث معه ذلك.


موعد الظهور الأكبر في الأمم المتحدة تحدد مسبقاً ومن قبل مدة طويلة. الإدارة الأميركية كانت على قناعة أن الأصدقاء من الشرق الأوسط سيمنحونه هدية وداعية ملائمة. ولكن بدلاً من ذلك ها هو يحصل على حكومة منهارة في إسرائيل، وتهديدات من أبو مازن بالاستقالة ومفاوضات بلا حراك وتحركات وهمية لا تقود إلى أي مكان.


الأميركيون أيضا يبدأون في فهم القانون الحديدي الذي تجذر منذ أوسلو: السياسيون في الشرق الأوسط ملزمون بإجراء مفاوضات ولكن من المحظور عليهم الوصول إلى الهدف. التفاوض يعني البقاء والحكم، أما اتخاذ القرارات فيعني الموت السياسي. الوصفة الموثوقة لضمان حياة طويلة للسياسيين هي مفاوضات عقيمة.


وهناك قاعدة حديدية أخرى يجب الحرص عليها في الشرق الأوسط: فلتتوجهوا لمشاهدة ما يفعله الملك الأردني. هذه ورقة انعكاسية للمنطقة. إذاً لم يكتفِ الملك باستئناف مفاوضاته مع حماس مؤخراً بل انه استقبل وزيراً إيرانياً في زيارة رسمية غير عادية قبل ذلك بأسابيع. جلالة الملك يشير لنا إلى أن كل الخيارات مفتوحة بالنسبة له. إن تواصل سلوك تل أبيب وأميركا كما هو فلديه قنوات اتصال مفتوحة مع القوى الصاعدة.


في شهر كانون الثاني ستنتهي التهدئة، لأن الاتفاق تحدث عن نصف عام. وفقاً للتقديرات ستكون في غزة 8000 –  10.000 صاروخ قسام من أنواع مختلفة. مئات الكيلومترات من المخابئ والمعابر تحت الأرض على طراز فيتنام الشمالية وحزب الله. الخطة التي أعدها الجيش لكافة العمليات يجب أن تتبدل مع المستجدات.


عدد غير قليل من ضباط الجيش ينظرون ببعض الحسد المخفي طبعاً للتدخل الروسي في جورجيا. في الغرف المغلقة يقولون يجب فقط وجود شخص مثل بوتين وليس خططا جديدة. حادثة شاليت هي نموذج كلاسيكي لقدرة تل أبيب على إهدار الوقت. فهي صادقت على 71 أسيراً من بين 350 الذين اقترح تسليمهم لمصر في حينه، إلا أن مصر قالت لها إن عليها أن تزيد العدد إلى 200 مثلا، الأمر الذي لم يسهل على حماس إبداء الليونة. كما قال المصريون إن حماس ستستجيب لمطلب الشاباك بأن يخرج كل من يطلق سراحهم إلى غزة والى الخارج وان لا يخرجوا إلى الضفة.


هذا كان من المفترض أن يكون المرحلة الحاسمة في الصفقة ومن بعد ذلك تقوم تل أبيب بإطلاق سراح 100 أسير حتى تسلم مصر شاليت إلى تل أبيب. وفي النهاية 500 آخرين من دون أسماء ومن دون جدول زمني كبادرة حسن نية للرئيس مبارك.


الرد الصهيوني: لجان أو بكلمات أخرى: لا شيء. اللجان لم تقرر شيئاً جوهرياً حتى هذا الأسبوع. الأيام الأخيرة فقط قررت لجنة المعايير برئاسة رامون البحث في اقتراح المصري (الذي ينتظر منذ شهر تموز). والآن يتوقع أن تتشكل لجنة إضافية تصادق على توصيات اللجنة التي قبلت توصيات اللجنة التي سبقتها. قضية التطرف تظهر في كل اللقاءات التي تجريها مصر مع أطراف صهيونية بما فيها ايهود باراك، المصريون يقولون إن تخفيف الضغط عن غزة هو أداة أساسية لكبح التطرف ولذلك يجب أن يحدث أمران: الأول، مصالحة بين فتح وحماس. والثاني، فتح معبر رفح.


وهنا تأتي حكاية البيضة والدجاجة: ليس من الممكن فتح المعبر بصورة حرة طالما أن صفقة شاليت بقيت عالقة. زد على ذلك إنهم يقولون في تل أبيب أن الاستجابة لمطلب حماس ستكون ضربة لابو مازن الذي سينهي منصبه في كانون الثاني 2009، إن غادر فسيغادر مع ورقة التين التفاوضية، ولذلك يجب تقويته حتى يحصل على الشرعية لمواصلة ولايته خلافاً للدستور. وان كنا نريد تعزيزه فمن المحظور إعطاء حماس أي شيء. وان لم نعطِها فجلعاد شاليت سيبقى عالقاً وسيبقى معبر رفح مغلقاً وهكذا دواليك.


وهذا ليس الشرك الوحيد. المصريون غيروا رأيهم أيضا بالنسبة للقوات العربية المقترحة. في البداية لم يرغبوا بتدخل عسكري مصري في القطاع. عندما أدركوا انه لا يوجد حل آخر، قال لهم باراك إن هذا ليس واردا بالحسبان، لعدم وجود احتمالية تصادم القوات العربية مع الجهات المسلحة في غزة. ومن هنا فهمت مصر أن وجود هذه القوات سيعرقل تحرك الجيش الصهيوني في القطاع.


المصريون على قناعة أن القوة العربية ستهدئ القطاع وستوفر رداً لمطلب حماس بعدم قيام تل أبيب باغتيالات ممركزة ضد قادتها بعد إطلاق سراح شاليت. حماس تطالب بالتزام مصري بعدم مس الصهاينة لقادتها، وعليه يقترح المصريون قوة عربية. ولكن تل أبيب وحماس أيضا تعارضان ذلك. وفي المرحلة الحالية لا يوجد حل خلاق آخر لبولصة التأمين التي تطلبها حماس لأعضائها.


المصريون يعملون على صيغة لإطالة التهدئة، ولكن غزة تغير وجهها في هذه الأثناء: حتى قادة حماس محتارون مع الظاهرة الآخذة في التزايد والتي لا يوجد لها جواب. إلى جانب المجموعات المسلحة يزداد عدد “جيش الإسلام” مدعوماً من عشيرة دغمش ويزداد عدد “الخارجين من حماس في القطاع”.


الطريق السياسي الذي اختاره التنظيم بدلا من الكفاح المسلح يخلو من أية تسويات، ويتمخض عن ديناميكية خروج في صفوف المجموعات المتطرفة. هؤلاء تخلوا عن أيديولوجيا الإخوان المسلمين ويتحدثون بمصطلحات الجهاد العالمي والقاعدة وأشباههم. هم يلبسون ويتحدثون مثل طالبان.


هذه ديناميكية كما تقول جهات استخبارية سريعة وهناك خياران اثنان: إما ان تنشق حماس ويشكل المنشقون المتطرفون معارضة تخوض المنافسة على الشارع في مواجهة حماس، أو أن يقوم قادة حماس بملاءمة أنفسهم مع التيارات المتطرفة.


الوضع كما هو اليوم يشير إلى أن حماس لن تفجر التهدئة في كانون الأول لأنها ليست ناضجة لاستئناف الصراع بعد. كل طاقاتها موجهة نحو تصفية السلطة الفلسطينية في رام الله والقضاء على زعامة فتح والسيطرة على م.ت.ف – الأمر الذي سيقدم لها الضفة على طبق من فضة. حماس لن تقبل أيضا أي حل قانوني لانتهاء ولاية أبو مازن إلا أن تجاوب معها في قضايا ستستصعب تل أبيب قبولها.


وماذا تفعل تل أبيب في مواجهة كل هذه التقديرات؟ تدرس المسألة وتعد السيناريوهات وتجري المداولات في الجيش والشاباك ووزارتي الدفاع والخارجية. كما أن مجلس الأمن القومي ازداد عدداً، وعليه أن يقوم بالمهمة. إذاً هناك تأويلات وتحويلات وجلسات كثيرة حولها. يبلورون شعوراً بالاستعجال حول ما سيحدث بعد التاسع من كانون الثاني أن غادر أبو مازن؟ وما الذي سيحدث إن انتهت التهدئة في كانون الأول؟ جبال من الورق وساعات طويلة من المداولات، المهم عدم كسر التقاليد. ولكن الأمر الجوهري هو عدم اتخاذ القرارات.

مقالات ذات صلة