عين على العدو

أفرايم هاليفي ..رئيس الموساد السابق

 


المجد


لقب بأكثر من اسم لكنه اختار لنفسه لقب “رجل الظلال”، عنوانا لكتابه الجديد الذي يؤرخ لعمله في الأمن والسياسة الصهاينة، وعمل ما يناهز الأربعين سنة في قلب الموساد المجبول بالأسرار اختار أن تبقى الأسرار مكتومة، واستعاض عن كشفها بالكتابة عن أحداث الشرق الأوسط المضطرب بأسلوب التقرير البارد لرجل الاستخبارات.


ومن موقعه المميز والقوي على رأس الموساد، ودوره كمبعوث خاص لعدد من رؤساء الوزراء شامير، رابين، نتانياهو، باراك، وشارون، يكتب هاليفي تاريخ المنطقة في السنوات العشرين الماضية، ويقدم تقويمات ورؤى رجل الاستخبارات الذي دخل عالم السياسية من باب الأمن ثم أصبح أحد صناعها.


هاليفي المولود في لندن عام 1934، انتقل إلى فلسطين في أبريل 1948، درس الحقوق، ثم انضم للموساد، وكالة الاستخبارات الصهيونية عام 1961، وتدرج إلى أن أصبح رئيسه بين 1998–2002، ويعتبره أقوى وأبرز الوكالات الحكومية السرية في العالم، وفي 1995 عين سفيراً للكيان لدى الاتحاد الأوروبي، وفي أواخر 2002 عين مسئول مجلس الأمن القومي، إلا أنه استقال بعد عام واحد، ويمارس حاليا التدريس في الجامعة العبرية بالقدس.


يعتبر هاليفي ان السنوات الممتدة بين 1990 و2003 غيرت وجه العالم على نحو جذري، إذ تراكمت خلالها السحب من كل حدب وصوب لتؤدي إلى اندلاع ما يطلق عليه “الحرب العالمية الثالثة”، التي ما زالت رحاها تدور حتى الآن بين ما يسميه “الإرهاب الإسلامي العالمي” وعالم الغرب الحر بكل ما يمثله من طريقة حياة وقيم، ويحدد شرارة الحرب بتفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998، أي بعد أقل من عشر سنوات على انسحاب السوفيت من أفغانستان 1989، وتحول أسامة بن لادن نحو التدريب والتعبئة العقائدية للإسلاميين، واستعرت هذه الحرب في رأيه بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.


يبدي هاليفي فخره بأهم الاختراقات التي أنجزها، وفي مقدمها دوره في إنجاز معاهدة السلام بين إسرائيل والأردن عام 1994، إلا أن قيام رئيس الوزراء رابين بكشف دوره لوسائل الإعلام اضطره لتقديم استقالته من الموساد، اختراق آخر تمثل بقيامه شخصياً بحل الأزمة مع الأردن إثر المحاولة الفاشلة للموساد لاغتيال خالد مشعل قائد حماس عام 1997.


وعلى أثرها أفرج عن الشيخ أحمد ياسين من السجن، والإنجاز الأخير تمثل بالاقتراح الاستراتيجي الذي قدمه لشارون ومنه لرئيس الولايات المتحدة الذي تبناه فوراً، والقاضي بتغيير النظام الفلسطيني وإيجاد قيادة بديلة لعرفات، وأصبح هذا الاقتراح سياسة رسمية أميركية وعالمية عندما أعلن بوش في 24 حزيران 2002 عن الدعوة لقيام قيادة فلسطينية جديدة.


يفرد هاليفي فصلاً عن قيادات المنطقة من العرب والصهاينة، وبرأيه فإن ياسر عرفات الذي صنفه من اللاعبين الأساسيين في العقد الأخير من القرن الماضي، لكنه كان قائداً فاشلاً وكذاباً من الطراز الأول، من وجهة نظره، ورغم ذلك يعترف بأن عرفات استطاع في أصعب الظروف أن يقود شعبه عبر سنين طويلة، وأن يفرض قضيته على العالمين العربي والدولي.


كما يعتبر ان كذب عرفات على رئيس الولايات المتحدة حول عدم معرفته بسفينة “كارين آي” التي نقلت أسلحة للفلسطينيين، ومن ثم استغلاله رئيس الولايات المتحدة مرتين: الأولى لدى قيام الأخير بزيارة غزة وعودته خالي الوفاض سياسياً، والثانية في كامب ديفيد صيف 2000 حيث رفض عرفات، وفق هاليفي، العرض السخي الذي قدم له آنذاك، تعبيراً عن جهل عرفات بقواعد السلوك الأساسية في العلاقات الدولية، فلا أحد يقول لا لرئيس الولايات المتحدة الأميركية، ولهذا السبب دفع عرفات الثمن غالياً باستبعاده نهائياً كمحاور أو طرف يمتلك أدنى صدقية.


لكل روايته ورؤيته للأمور، ومن مهمات رجل الاستخبارات إتباع أساليب التضليل والمراوغة وبث الإشاعات وقلب الحقائق، ونورد مثالاً على ذلك بادعاء هاليفي في سياق الحديث عن عرفات بأن إسرائيل التي طاردته في الضفة الغربية المحتلة بعد حرب 1967 بسبب عمليات المقاومة، إنما كانت تريد أن تتصل به لفتح حوار سياسي بقرار صادر عن أعلى المستويات السياسية آنذاك!


أما الشخصية القيادية الثانية التي يتناولها هاليفي، فهي شمعون بيريز، فيوجه إليه النقد العلني لأن الود بينهما كان مفقوداً تماماً، خصوصاً على أرضية الخلافات التي كانت قائمة بين بيريز ورابين، وكان هاليفي مقرباً للأخير، والكتاب يحفل بمواقف تبرز طموح بيريز غير المحدود، وانه متعطش للأضواء وللمجد بما يلامس المحظور أحياناً.


ومن ضمن ما يفتخر به هاليفي علاقاته الشخصية القوية مع أجهزة الاستخبارات البريطانية والألمانية والإيطالية والروسية، ووكالة الاستخبارات الأميركية، وعلاقته بجورج تنت الذي يكن له مشاعر خاصة، ويعتبر أن CIA خسرته بعد أن قدم استقالته، ورغم هذه العلاقات لا يخفي هاليفي انتقاده لسياسات الاتحاد الأوروبي ويعتبرها مساندة للعرب والمسلمين على حساب إسرائيل في كثير من الأحيان.


ولا يتوانى عن نعته بـ”نمر من ورق، وأكثر ما يزعجه هو تجاهل أوروبا ما يعتبره أبرز المشاكل التي ستواجهها أوروبا في هذا القرن وهي التغيير الديموغرافي، إذ يرى أن مدناً رئيسة في دول مثل ألمانيا وفيدراليات في روسيا ستشهد منتصف هذا القرن سيطرة غالبية مسلمة، وما يقلقه ارتباط هذا التحول بالحرب الدائرة على “الإرهاب الإسلامي العالمي” وانعكاساته على العالم الغربي ودولة إسرائيل من ضمنه، داعيا الاتحاد الأوروبي إلى سن قوانين خاصة للسيطرة على تزايد الانتشار الإسلامي.


وفي ما يتعلق بالولايات المتحدة يرى هاليفي ان الخلاف معها غير مسموح به، منتقدا مواقف أقدمت عليها تل أبيب كمساندتها للصرب في يوغوسلافيا خلافاً للموقف الأميركي، والاتصال بكوريا الشمالية من وراء ظهرها، لكنه لا يخفي شعوره بالمرارة إزاء مسلك الأميركيين أثناء الحرب الأولى على العراق، إذ يدعي أنهم لم يبذلوا جهداً كافياً لحماية الكيان عسكرياً، مما يطرح في رأيه أسئلة كثيرة حول موقفهم إزاء الدفاع عن إسرائيل في لحظات الخطر الوجودي الحقيقي.


كما ينتقد السياسة الأميركية بالنسبة للإجراءات الأمنية والاستخباراتية لـ”مكافحة الإرهاب الدولي”، ويدعوها لتشكيل جهاز أمني خاص لذلك، علماً أنه تلقى النقد لتقديمه مثل هذا الاقتراح واتهم بأنه يدعو لإقامة أنظمة توتاليتارية، كما يعترف بتعاظم دور المؤسسة الأمنية وأجهزتها المختلفة في خضم الحرب على الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وذلك في العالم ككل وفي أميركا والكيان على وجه الخصوص، وأحد أهم الأسباب التي يسوقها لتبرير ذلك أن “الخلايا الإرهابية العالمية” أوصدت جميع أبواب وقنوات الحوار التقليدية التي سادت زمن الحرب الباردة.


لذلك اضطر المستوى السياسي غير المهيأ لمثل هذا التحدي، للاعتماد الكلي على أجهزة الأمن والاستخبارات للتزود ليس بالمعلومات فحسب، إنما أيضاً بالمشورة والتشجيع والدعم، مما أدى لتغير قواعد اللعبة وأصبحت بعدها هذه الأجهزة شريكة في اتخاذ القرار ورسم السياسات، وبهذا يمكن تفهم حماسته، وهو ربيب الأمن والاستخبارات للعب دور رجل السياسة أيضاً.


ففي الفصل الأخير من كتابه يضع عنواناً معبراً دعاه “الدبلوماسية ..فن الممكن، الاستخبارات حرفة المستحيل”، يؤطر فيه رؤيته الإستراتيجية للصراع مع تنظيم القاعدة، والسياسة الواجب اتباعها ليس لمنعه من تحقيق أهدافه فحسب، إنما للقضاء عليه.


ويقتبس هاليفي ما جاء في إحدى قنوات التلفزيونات العربية أواسط أكتوبر 2005 بأن أهداف تنظيم القاعدة التي تحتل أولوية قصوى في الوقت الراهن هي تدمير الولايات المتحدة ونمط حياتها، والقضاء على الأنظمة العربية المعتدلة والخائنة، بينما تعلن القاعدة عدم نيتها استهداف إسرائيل لوقت طويل قادم، وبالتالي على فلسطين أيضاً أن تنتظر.


وما يثير الاهتمام أكثر هو الإستراتيجية المضادة التي يضعها هاليفي لمحاربة “الإرهاب الإسلامي العالمي” وعلى رأسه القاعدة، إذ يرى ألا شيء في العالم أهم من وضع خطة مركزية مشتركة للدول المعنية للانتصار في هذه الحرب وتحديد سقف زمني لها، وممارسة أقسى درجات الضغوطات داخلياً ودولياً ورفع درجات المواجهة الجسدية، فضلاً عن معاملة الدول التي تؤمن الملاذ الآمن لـ”الإرهابيين” كدولة مارقة.


لا تستوي الأمور في خطة هاليفي دون أن يرافق المعركة “نضال داخلي ضمن الإسلام نفسه”، تقوم به حركات مثل حماس وحزب الله، فعلى رغم أنهما حركتان “إرهابيتان”» كما يدعي، وأن حزب الله شن هجمات ضد الكيان في الخارج، الشيء الذي لم تفعله حماس، التي هدفها الأوحد القضاء الكلي على الكيان كما يقول، ومع هذا وذاك يرى أن ثمة فوارق واضحة بينهما وبين القاعدة، فالقاعدة المنتشرة في أصقاع الدنيا ليست لها أبعاد جغرافية محددة، ولا طموحات للسيطرة على بلد بعينه، فطموحاتها تشمل العالم بأسره، وبالتالي من الواجب رؤية الاختلافات الكامنة بين الحركات “الإرهابية” والتعامل معها بشكل خلاّق.


أما أوجه اختلاف حماس عن القاعدة فتتلخص بأن الأولى ليست مجرد مجموعة إرهابية، فلديها مصالح سياسية واجتماعية وبرامج تعليمية وجمهور، وتريد المحافظة عليها، وتدرك أن ثمة ثمناً لذلك، فحماس تعاونت مع الفصائل الأخرى عندما انسحبت إسرائيل من غزة، وشكلت عاملاً مهماً في السماح للجيش الإسرائيلي بأن ينسحب بنظام، فضلاً عن مشاركتها في الانتخابات، وبالتالي تطمح ان تكون جزءاً من النظام وليس تدمير النظام كما تسعى القاعدة، ويضيف: بعض المقربين من حماس التقوا الإسرائيليين وتحاوروا معهم، كما ان لحماس شبكة واسعة من العلاقات مع الدول والمنظمات في أنحاء العالم.


ويسترسل: أبلغت حماس بكل وضوح وصراحة ان ازدواجية مقاربتها للسياسة/الإرهاب مرفوضة ومدانة، وأن عليها الاختيار بينهما، هناك اعتقاد متأصل بأن حماس تملك خياراً، وقد تنشأ ظروف تدعى بعدها حماس إلى الخيمة، بينما القاعدة لن تواجه مثل هذا الخيار أبداً، فطبيعتها لا تسمح لها أن تكون شريكاً.


ولكن: متى يمكن لحماس أن تنضم؟ من الممكن جداً أن نشهد مزيداً من العنف قبل أن ينضج الوضع ويصل إلى نقطة تسمح بأن يحصل هذا، وفي تقويم إيجابيات وسلبيات ضم حماس، على العالم الحر بقيادة الولايات المتحدة مع بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وأخيراً وليس آخراً إسرائيل، أن يفكر ملياً بمدى إسهام وتأثير مثل هذا التطور على الحرب العالمية ضد القاعدة.


أخيراً، من المفيد أن نلقي نظرة على رؤية هاليفي لحل الصراع الفلسطيني–الصهيوني، حيث اعتبر رجل الموساد المخضرم اتفاق أوسلو هشاً وشبيهاً بالجبنة السويسرية، الثقوب فيها أكثر من الجبنة، الهدف الذي سعت للوصول إليه الدولة الفلسطينية، غير قابل للتطبيق، كما يعتبر أن قبول شارون خريطة الطريق خطأ جسيم وفاجأه كلياً باعتبارها تؤسس لفرض حل على إسرائيل من الخارج قائم على الدولتين وتقسيم القدس، وهو من أنصار الحل المؤقت، باعتبار ان الكراهية وفقدان الثقة بين الصهاينة والفلسطينيين من الحدة بحيث يمنعان من عقد اتفاق نهائي للقضايا العالقة بينهما في المدى المنظور.


يوماً بعد يوم تصبح الحياة أكثر استحالة من أي وقت مضى في التاريخ البشري، هكذا ينهي هاليفي كتابه، ويؤكد ان الدبلوماسية والمفاوضات في أوقات الحرب والسلم بحاجة إلى ملكتي العلم والفن معاً، أما اليوم، فيحتاج العالم، إضافة لذلك، إلى حرفة الاستخبارات التي هي فن أكثر منها علماً، والكثير مما سيحدث مستقبلاً سيتحقق بالطرق والوسائل السرية، والطريق للنصر سيعتمد على حرفة صناعة المستحيل.

مقالات ذات صلة