عين على العدو

أبأمثالهم ستتحرر فلسطين؟

تشهد الساحة الفلسطينية تصريحات حادة وخطيرة تمس الثوابت الوطنية الفلسطينية في الصميم، فبعد تصريحات رئيس السلطة أبو مازن حول حق العودة وموافقته على التفاوض حول عودة جزء صغير من اللاجئين الى فلسطين المحتلة سنة 1948، وتفهمه لاستحالة عودة كل اللاجئين الى ديارهم التي شردوا منها لأن في ذلك خطر على وجود كيان الاحتلال الصهيوني. بعد تلك التصريحات المتنازلة عن أهم ثابتة وطنية فلسطينية جاءت تصريحات أخرى من رام الله ليست أقل خطورة. تصريحات تدعو لحسم الانقسام الداخلي الفلسطيني واستعادة غزة من سيطرة حماس بالقوة العسكرية.


 


 


تصريحان خطيران أدلى بهما مؤخراً كل من ذياب العلي قائد الشرطة الفلسطينية في الضفة الغربية وأحمد قريع أبو علاء أحد مهندسي سلام أوسلو و مفاوضي السلطة مع الطرف الصهيوني. عبرا في التصريحين عن رغبة السلطة الفلسطينية باستعادة السيطرة على قطاع غزة بالقوة العسكرية. لكن أحمد قريع كان أقل حدة من زميله ذياب العلي، حين ربط الحسم العسكري بفشل الحوار في استعادة القطاع كخطوة أخيرة كي تستعيد سلطة رام الله سيطرتها على غزة التي سيطرت عليها حركة حماس بالقوة العسكرية في حزيران يونيو من العام الفائت.


 


إن حديث أحمد قريع، الذي عرفت حكومته أعلى سقف فساد في فلسطين، وشارك يعضها في استيراد الاسمنت من مصر وبيعه لشركات صهيونية استخدمته في بناء الجدار العازل في الضفة الغربية. حديثه عن الحسم العسكري في غزة سيء جداً لكنه لن يكون بالتأكيد أسوأ من حديث رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عن حق العودة وتقديمه تنازلات علانية بهذا الأمر على فضائية العربية وفي جريدة هآرتس الصهيونية.


 


لكن لنرى ونفكر كيف ستتمكن الأجهزة الأمنية الهزيلة والضعيفة للسلطة الفلسطينية من استعادة غزة بالقوة العسكرية؟ ليس هناك سوى أن تتلقى دعماً من الأحتلال الصهيوني أو الأنظمة العربية المتحالفة معها والتي تقيم علاقات سلام وتبادل دبلوماسي كامل مع الصهاينة. مثل النظام الذي تحاصر قواته المحدودة العدد، الحدود مع غزة وتخنق سكانها وتتحكم بحياتهم.أو عبر مساعدات النظام الآخر على جهة الحدود الأخرى، والذي لعب مثل هذه الأدوار سابقاً. لكن بالرغم من هذا فإن الحديث عن استخدام القوة لاستعادة السيطرة المفقودة لا يعني انه حديث عن استعادة جزء محتل من الوطن الفلسطيني. فالذي يحتل أرض فلسطين هم الصهاينة فقط لا غير… إنها تصفية حسابات وتسديد فواتير تريد سلطة رام الله فرضها على الجميع. فالحسم العسكري يعني الاقتتال الفلسطيني الداخلي، وهذه المرة ليس بين جهازي أمن أو جناحين مسلحين، بل بين سلطتين تابعتين لحركتين متنافستين، تتصارعان من أجل السيطرة على سلطة تحت الاحتلال وفي ظل حرابه. مع التفريق بين من هم تحت الحصار وعرضة للابتزاز والضغوطات وبين من هم في زواج متعة مستمر مع ليفني وحكومات الاحتلال.


 


إن الذي سيدفع ثمن الصراع المقبل في غزة بالطبع هم الابرياء والسكان المدنيين في القطاع. وكذلك سوف تدفع القضية الفلسطينية ثمناً باهضاً من سمعتها وجديتها وعدالتها. لأن المتصارعين لم يعد لديهم ما يأبهون به سوى الحفاظ على النقاط التي سجلوها في معاركهم الجانبية السياسية والأمنية. فالذين حسموا أمر غزة عسكرياً قبل أن يقوم الطرف الآخر بفعل ذلك، لم يتمكنوا من حكم القطاع بطريقة ديمقراطية صحيحة، بل تحولوا الى عبء وأداة جديدة لقمع الآخرين، وقاموا بأعمال شبيهة بأعمال الذين كانوا يحكمونه قبل الحسم العسكري. و أبدوا استعداداً واضحاً للتفاهم مع الأعداء حين قبلوا بالهدنة ووافقوا عليها والتزموا بها ومازالوا ملتزمين. فهل الهدنة هي سلام مقابل سلام، ووقف اطلاق نار مقابل وقف اطلاق نار؟؟ إذا كان الأمر كذلك لماذا كانت محرمة هذه الأمور على عرفات وعباس والآن مسموح بها لحكومة هنية وحماس؟؟


 


إن بقاء الحالة الفلسطينية على هذا المنوال من التشرذم والانقسام الداخلي والتراجع السياسي، مقابل علو أصوات فلسطينية تردد و تجاهر بالتنازل عن حق العودة، مثل تصريحات ابو مازن الأخيرة. وكذلك تصرحيات قريع وذياب بالحسم العسكري لاستعادة غزة لهي دلائل اضافية على بئس السياسة والسياسيين الرسميين الفلسطينيين. والأخطر أن الفصائل الفلسطينية الأخرى التي تسبح في محيطي عباس و حماس هي الأخرى عاجزة وبائسة وهزيلة وضعيفة ، فمنها المنافق ومنها المزايد ومنها شاهد الزور، كما حال أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الذين يجلسون في الاجتماعات مع عباس  وغالبيتهم لا تدري ماذا يدور في المفاوضات بين طاقمه التفاوضي المصغر(عباس، قريع، عريقات وعبد ربه) والصهاينة في كل جولة. فيما يخرج بعضهم برفقة عباس في جولات عربية ودولية، ويطلقون تصريحات سياسية مقززة.كذلك هو الحال مع غالبية أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري لفتح. هل لهؤلاء أي دور في العملية السياسية الدائرة في فلسطين؟ لا دور حقيقي لهم سوى دور شاهد الزور. فغالبيتهم من فئة الموظفين التي تنتظر مرتباتها آخر الشهر …  أبأمثالهم ستتحرر فلسطين؟

مقالات ذات صلة