عين على العدو

اعتقال غزة !!

حسب التقارير والشهادات الفلسطينية والحقوقية المختلفة، فإن شهر رمضان المبارك لم يطلّ على الفلسطينيين في غزة كما يطلّ على أي شعب من شعوب العالم، فرمضان الفلسطيني يأتي دائما على وقع الحصارات والأطواق التجويعية المشددة التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين، يضاف إليها سيطرة قوات الاحتلال على كافة المعابر والبوابات الغزية.


 


زعمت دولة الاحتلال وصفق لها العالم، أنها انسحبت من قطاع غزة في إطار »فك الارتباط« في 2005/8/15 وانه أصبح مستقلا، ولكن هاهو وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي آفي ديختر يعلن اليوم قائلا: »إن إسرائيل لا يمكن لها بأي حال من الأحوال السماح بوجود سلطة إرهابية في غزة«، مؤكدا: »غزة بالنسبة لإسرائيل ليست مدينة في لبنان أو إيران فهي مدينة تخصنا، وأي زعيم إسرائيلي قادم لا ينجح في معالجتها فلن يبقى على كرسي الحكم لفترة طويلة«.


 


كما أن الاحتلال لا ينتهي عند حدود الانسحاب من غزة الذي لم يكن وفقا للمصادر والتحليلات الفلسطينية المختلفة »فك ارتباط« سياسيا وسياديا بمستوى »الطلاق الاستراتيجي الشامل والكامل«، حيث هناك ما يمكن أن نطلق عليه اسم »البوابات الإسرائيلية« برا وبحرا وجوا، ولذلك من المنتظر أن تتواصل المعركة الفلسطينية ضد استمرار هذه »البوابات« لتغدو في نهاية الأمر »بوابات فلسطينية« بالكامل.


 


واليوم، وبينما صادفت قبل نحو شهر ذكرى مرور ثلاث سنوات على ما أطلق عليه خطة »فك الارتباط« أو الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، فإن التطورات والأوضاع الماثلة أمامنا في المشهد الغزي امتداد إلى هذه الأيام، تبين أن القطاع ليس فقط ليس مستقلا وسياديا، وإنما ما زال عمليا تحت السيطرة الإستراتيجية الإسرائيلية جراء إحكام دولة الاحتلال قبضتها على كافة بوابات ومخارج القطاع، بل انه تحول إلى أفقر منطقة وإلى ما يشبه أضخم سجن ومعسكر اعتقال جماعي في العالم.


 


فقد أكد مركز الضمير لحقوق الإنسان »أن الفلسطينيين في غزة يعيشون أوضاعاً مأساوية تزداد تدهوراً في ظل استمرار الاحتلال في جرائمه وانتهاكاته بحق الفلسطينيين وصمت دولي مشجع للاحتلال على ارتكاب المزيد من الجرائم«.


 


وقال مدير المركز خليل أبو شمالة في تصريحاتٍ متلفزة: »إن 1.5 مليون فلسطيني في القطاع أضحوا اليوم نزلاء سجن كبير، حيث إن حركة الأفراد والبضائع متوقفة والحياة مشلولة بالكامل، فيما الأوضاع تزداد تدهوراً، في ظل استمرار انتهاكات الاحتلال وجرائمه وصمت العالم المشجع له وعجز الدول العربية حيال معاناة الفلسطينيين وموت الآلاف منهم جراء الحصار الإسرائيلي ــ فلسطين اليوم«.


 


وقد عزز ذلك مدير مركز الأسرى للدراسات رأفت حمدونة حينما قال: »إن سجن غزة الكبير لا يختلف عن سجن نفحة الصغير إلا في الاسم، مضيفاً أن سجن غزة أصعب ظروفاً من أي سجن في دولة الاحتلال«.


 


والى جانب كل ذلك أصدرت منظمة »بتسيلم« الحقوقية الإسرائيلية بيانا قالت فيه: »إن إسرائيل لم تنه احتلالها لقطاع غزة على الرغم من تنفيذ خطة فك الارتباط«، وأضافت المنظمة التي تعنى بحقوق الإنسان: »إن إسرائيل لا تزال تتحكم في حياة الفلسطينيين في قطاع غزة«.


 


وكانت صحيفة »يديعوت أحرونوت« قد أشارت أيضا إلى »أن الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة ستكون (الحدود الأوتوماتيكية) الأولى في العالم، إذ ستستخدم إسرائيل على الحدود جواً وبحراً وبراً أسلحة حربية أوتوماتيكية ــ يديعوت أحرونوت«.


 


يضاف إلى ذلك أن »قوات الاحتلال الإسرائيلي أخذت توسع المنطقة العازلة لتبتلع الأراضي الزراعية الواقعة قرب الشريط الحدودي لقطاع غزة«، حسب تقرير لمؤسسة الضمير الفلسطينية.


 


وعلى نحو مكمل، أظهرت دراسة ألمانية »أن تحليل عينات مياه الشرب في قطاع غزة الفلسطيني خلال السنوات الماضية أظهرت وجود نسبة عالية من مادة النيترات المؤكسدة التي تؤدي إلى أضرار صحية لدى الأطفال الصغار«.


 


ولم تتوقف الأحوال البائسة في غزة عند ذلك، بل تنامت نسبة الفقر والبطالة لدى أهل القطاع إلى مستويات ليس لها مثيلا في العالم، إذ أكد تقرير صادر عن معهد دراسات التنمية في غزة ــ IDS ــ »أن مسوحات القوى العاملة تشير إلى أن مستوى البطالة لا يزال مرتفعا مقارنة بالدول المجاورة ومن المتوقع أن ترتفع نسبة البطالة إلى 45% على الأقل في حال استمر الحصار الاقتصادي«، وأظهرت نتائج التقرير أن »معدل الفقر عام 2007 مثلا وصل في قطاع غزة إلى 80% وأن ما نسبته 66.7% يعيشون في فقر مدقع نتيجة للآثار الناتجة عن الإغلاق وزيادة معدل البطالة«.


 


بل وأبعد من ذلك فقد جاء في احدث استطلاع لآراء المواطنين في قطاع غزة »أن 40% يفكرون في الهجرة من القطاع إلى الخارج بسبب الأحوال »سما ــ 2008/8/10«، وبينت نتائج الاستطلاع الذي أجرته شركة الشرق الأدنى للاستشارات ( نير ايست كونسلتينج)« أن 63% من المواطنين في قطاع غزة يعانون من نقص في المواد الغذائية و66% يعانون من نقص في الأدوية«.


 


ولا تكتفي دولة الاحتلال بكل هذه الإجراءات الإجرامية ضد غزة، بل تطارد أهل غزة في الضفة الغربية أيضا، إذ قال تقرير أصدرته منظمتان حقوقيتان إسرائيليتان، 10.9.2008: »أن إسرائيل تعمل منذ بداية الانتفاضة الثانية، بطرق شتى، من أجل إنشاء حالة من العزل بين الضفة الغربية وقطاع غزة وتقسيم الفلسطينيين فيهما إلى مجموعتين سكانيتين منفصلتين، ووصلت هذه السياسة أوجها في العام الأخير«.


 


ليتبين لنا في ضوء كل هذه المعطيات والحقائق أن مرحلة ما بعد »الفك ــ الانسحاب« المزعوم وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية كانت اشد احتداما واشتباكا وصراعا قد يصل قريبا إلى نقطة الصفر لـ: »الاحتلال الثالث« الإسرائيلي للقطاع كما حدث مؤخرا بإقامة ما يسمى »الحزام الأمني« شمالي القطاع، والمسألة تبقى مسألة وقت، فحسب تقديرات عدد كبير من الجنرالات والباحثين الإسرائيليين أيضا فإن الأوضاع تسير باتجاه ربما »احتلال جديد للقطاع« وربما باتجاه »انتفاضة فلسطينية« ثالثة…!

مقالات ذات صلة