عين على العدو

هل يسلم العرب من التسونامي الاقتصادي؟

  حينما هبت عاصفة البورصات الأميركية شرع قادة السياسة والاقتصاد والمال في الاتحاد الأوروبي في اعادة النظر بجدية في النظام النقدي الدولي المعروف باسم (بريتن وودس) وحين قررت الادارة الأميركية انقاذ المنظومة المصرفية والتأمينية في الولايات المتحدة بمبلغ 700 مليار دولار يوم الجمعة 3 أكتوبر.


 


اجتمع في باريس رؤساء الدول الأوروبية اليوم الموالي السبت الماضي مع السيد (جون كلود تريشيه) محافظ المصرف المركزي الأوروبي ليقرروا بأن أوروبا تختلف عن الولايات المتحدة في تركيبتها الدستورية والاقتصادية.


 


لأن الاتحاد الأوروبي مشكل من 27 دولة ذات سيادة كاملة على مدخراتها المالية ولديها 27 مصرفا مركزيا ولكن أوروبا ليست في مأمن أمين من الهزات القادمة رغم أن لديها فسحة أكبر من الزمن لتعدل من مسارها وتحور من خياراتها لمجابهة الأزمة.


 


وجاءت قرارات الحكومة البلجيكية هذا الأسبوع والقاضية بضخ مبالغ مالية من خزينة الدولة لإنقاذ مصرف (فورتيس) البلجيكي وشركة ( ديكسيا) الاستثمارية المشتركة بين فرنسا وبلجيكا وهو ما يثبت ويؤكد أن استقلالية أوروبا في هذا المجال تبقى استقلالية نسبية وأن الإعصار الذي انطلق من نيويورك لا بد أن يعبر المحيط الأطلسي ليزرع الخوف والجزع في نفوس المواطنين الأوروبيين مهما كانت نسب تعاملهم مع المصارف.


 


وذهب رئيس الحكومة الفرنسية (فرنسوا فيون) الى حد تشبيه هذا الاعصار بالهاوية قائلا يوم الجمعة الماضي بأن العالم على شفا هاوية ما اذا تردد في بناء نظام مالي واقتصادي جديد على أنقاض نظام ( بريتن وودس).


 


الغريب أن ما يحصل في العالم اليوم سبق واستشرفه بعبقرية نادرة أحد أصدقائي الذين أعتز بهم وطالما عرضت مواقفهم في مقالاتي المتواضعة في هذه الصحيفة وهو عالم الاقتصاد الأميركي الشهير والمرشح الأسبق لرئاسة الولايات المتحدة (ليندن لاروش) الذي طالما اعتبره زملاؤه السياسيون رجلا كأنما يحلم أو يهذر! أو في أفضل الحالات يصنفونه ضمن اليمين المتطرف!


 


والسبب الحقيقي لهذا التجاهل المبرمج هو تجرؤ ليندن لاروش على انتقاد إسرائيل لا على أسس أيديولوجية ولكن من منطلق أن سياسات الدولة العبرية تهدد السلام الإقليمي والدولي. وهو نفس الموقف الذي بدأ يجاهر به حتى زعماء إسرائيل ذاتها بنوع من عودة الوعي واسترجاع الحكمة والحرص على بقاء إسرائيل!


 


اليوم فقط شرع الأذكياء من القادة الأمريكان والأوروبيين والروس يردون الاعتبار لليندن لاروش، فالصحيفة الأولى في ألمانيا (فرنكفورتر ألغاماين زيتونغ) الناطقة عادة باسم الطبقة الحاكمة وأصحاب المال والأعمال كتبت يوم 21 سبتمبر تقول بقلم الكاتبة والخبيرة ( أوبر هيبر) : حينما تنبأ لاروش منذ سنوات بحصول هذه الكارثة لم يحفل بأفكاره رجال الاقتصاد. أما اليوم فالأغلبية منهم يكررون ما قاله لاروش.


 


وأضافت الكاتبة: لقد كان لاروش يتميز برؤية ثاقبة وفريدة في التكهن بانهيار النظام النقدي العالمي. أما القناة الفضائية الرسمية الروسية (روسيا توداي) فقد استجوبت مباشرة ليندن لاروش يوم 22 سبتمبر ليلا لتؤكد سلامة تحليلاته ووقوع ما كان نبه اليه مرات بدون طائل. وفي الكونغرس الأميركي بدأت تتشكل مجموعة ضغط تتبنى مواقف ليندن لاروش وتحاول تطويق الأزمة وتطبيق العلاج الحقيقي الحاسم الذي اقترحه عالم الاقتصاد الأميركي.


 


لكن هل تحرك العرب لتقييم مدى ارتباط منظوماتهم المالية بهذه الأعاصير؟ أذكر أنني في إحدى لقاءاتي العديدة بالصديق ليندن لاروش حينما دعاني في ضواحي واشنطن للغداء في (رانشه) في بنسيلفانيا منذ حوالي عشرين عاما قال لي : حين ينهار النظام العالمي الجائر الذي أسسه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية سيكون العرب أول الضحايا لأني ألمس بأن أغلب استثمارات العرب .


 


ومدخراتهم تأتي للولايات المتحدة بدون تنويع الملاذات المالية في حين أن الأميركيين أنفسهم يستثمرون في الصين! وأن العملة النقدية العربية دائمة الارتباط بالدولار وحده وأن المصارف الأميركية والأوروبية بدأت تشتري نسبا مئوية مهمة من رؤوس أموال المصارف العربية الوطنية والخاصة. وهذه العوامل سوف تحد من استقلالية الحركة العربية لو بدأت تهب عواصف الانهيار والتغيير. بالإضافة الى غياب التنسيق والتشاور بين الدول العربية في مجال السياسات النقدية.


 


إنني أسوق هذا الرأي السابق بعقدين عن ظهور الأزمات لكي نعتبر جميعا بالأحداث ونستخلص الدروس وندرك بأن للعرب قوة كامنة في التحكم بمصائرهم لم يستغلوها الى اليوم، فلننظر كيف يواجه اليابانيون والروس والصينيون أزمة اليوم لنتعلم كيف نستقل ونفعل هذه القوة الكامنة من أجل خير شعوبنا.

مقالات ذات صلة