عين على العدو

تعامل الإعلام الصهيوني مع انتفاضة الأقصى –الجزء الرابع

 


          توصيف الانتفاضة وتشخيص أحداثها:


منذ أن اندلعت الانتفاضة في 28أيلول 2000 سعت دولة العدو الصهيوني لفرض تعتيم إعلامي عليها ، وكانت تقلل من أهمية المواجهات وتعطي أرقاما مضللة حول عدد الشهداء الفلسطينيين سواء الذين سقطوا في الضفة والقطاع أو في الأراضي المحتلة عام 1948 .


وقد حاول الإعلام إبعاد موضوع الانتفاضة عن موقع الصدارة في الصفحات الأولى في الصحف ، والنشرات الإخبارية ، فكانت الأخبار والعناوين الأولى تتركز في الغالب حول الخلافات الحزبية والانتخابات المبكرة لرئاسة الوزراء ، والمفاوضات الفلسطينية الصهيونية ، والاهتمام ببعض الأخبار العالمية على حساب الأخبار والعناوين المتعلقة بالانتفاضة ، ولعل الدراسات الإعلامية المتخصصة تظهر بشكل أوضح إحصائيات دقيقة تشير إلى إهمال الخبر المتعلق بالانتفاضة ، سواء في الصحف أو الإذاعة والتلفزيون .


وفي فترة لاحقة ، تبدل التكتيك الإعلامي الصهيوني باتجاه تصوير أحداث الانتفاضة وكأنها اشتباكات مسلحة بين مسلحين فلسطينيين والقوات  الصهيونية ، بهدف تبرير القصف العشوائي الصهيوني العنيف ضد الأحياء السكنية الفلسطينية.


وما لبثت أن أضحت انتفاضة الأقصى ، مادة غنية للتشويه في الإعلام الصهيوني ، فعمل على إعادة تشكيل الأحداث من خلال طاقم صحافي إعلامي ماهر يدرك تماما فن التلاعب بالعقول والمشاعر ، بهدف عزل الانتفاضة وحصرها في إطار أعمال ( إرهاب ، وشغب ، وعنف ) فلسطيني موجه ضد العدو الصهيوني.


ورغم أنه لم يصدر أي إعلان فلسطيني ، ولم يتخذ أي قرار في أي هيئة فلسطينية لإعلان الانتفاضة ، إلا أن وسائل الإعلام الصهيوني أصرت منذ الأيام الأولى على الادعاء بأن هذه الانتفاضة ، مدبرة ومخطط لها ، متجاهلة أنها بدأت كرد فعل على محاولة اقتحام أريئيل شارون محاطا بحراسة أكثر من ألف جندي وشرطي للحرم القدسي الشريف يوم الخميس 28/9/2000.


وإطلاق الرصاص في اليوم التالي الجمعة 29/9 على المصلين في ساحة الحرم ، بعد الانتهاء من الصلاة ، وسقوط خمسة شهداء وجرح العشرات ، مما أدى إلى انطلاق مظاهرات احتجاجية في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية وقطاع غزة ، وصورتها وسائل الإعلام الصهيونية كمشاغبات واضطرابات واعتداءات فلسطينية على الجنود الصهاينة .


ونستطيع إجمال المنطلقات التي انطلق منها الإعلام الصهيوني في توصيفه لأحداث الانتفاضة ، على الشكل التالي :


– الفلسطيني هو المعتدي الصهيوني هو المعتدى عليه ، وهذا نهج اتخذته وسائل الإعلام الصهيونية بدون استثناء : فما يحدث في الأراضي الفلسطينية هو اعتداء من الشبان الرعاع ضد الجيش !


– الفلسطينيون بدأوا الحرب ، والصهاينة  يدافعون عن أنفسهم ، وبالتالي تقدم وسائل الإعلام الصهيونية جميع الأعمال والممارسات التي يرتكبها الجيش  الصهيوني على أنها رد فعل على العنف الفلسطيني ، وهذا بعد عن الحقيقة والموضوعية ، لأن كلمة رد فعل توفر ضمنيا سببا للقيام بالهجوم ، وتفسر الأمر بنفسها ، ووسائل الإعلام التي تتبع نهج الحكومة بولاء شديد ، لم تتساءل مثلا لماذا قام الجيش بقصف مناطق مدنية وبيوت سكنية ، بل يلقون بالمسئولية على الطرف الآخر .


           تبرئة ساحة الاحتلال وممارساته في اندلاع الأحداث، فكثيرا ما كان يتهم المراسلون ، أن خطبة الجمعة في المسجد الأقصى تضمنت عبارات تحريضية ساعدت على إلهاب مشاعر المصلين ، وليس مشاهد الجنود المدججين بالأسلحة وهم يفتشون المصلين بصورة مذلة مهينة !


           العمل على إبراز السلبيات والأخطاء التي اعترت بعض أحداث الانتفاضة ، وتسليط الأضواء عليها وإلهام السامع والمشاهد والقارئ باحتلالها مساحة تفوق واقعها العملي ، ومن ذلك :


           إطلاق النار من بين المنازل ، وخاصة انطلاقا من مدينة بيت لحم باتجاه مستوطنة جيلو ، وقد بررت وسائل الإعلام القصف المستمر لمدينة بيت جالا ، وحاولت من خلال ذلك بث بعض الأكاذيب واختلاق أخبار غير حقيقية تهدف إلى اختراق وحدة الفلسطينيين.


فقد أوردت هذه الوسائل أن سكان بعض المدن الفلسطينية الواقعة على خط التماس بدأوا بتنظيم أجهزة حراسة خاصة في محاولة لمنع المسلحين الفلسطينيين من دخول أحيائهم ، خشية إطلاق النار منها باتجاه أهداف العدو الصهيوني ، الأمر الذي يؤدي إلى إلحاق أضرار بهم وبممتلكاتهم نتيجة الرد  الصهيوني.


وجاء في مواضع أخرى أن سكان بيت جالا وقعوا على منشور وجهوه إلى رئيس السلطة الفلسطينية ورؤساء العالم يطالبونهم بوضع حد لممارسات أعضاء تنظيم فتح .


           وقال المراسلون العسكريون : إن الفلسطينيين يطلقون النار من حي مسيحي ، ربما على أمل بأن يصاب رمز مسيحي أو مواطنون مسيحيون ، وهذا سيؤدي إلى مضاعفة اهتمام الرأي العام العالمي.


وسرعان ما نشرت وسائل الإعلام  الصهيونية أن وزارة الخارجية  الصهيونية تساعد عشرات العائلات المسيحية على مغادرة المناطق الفلسطينية ، وقد أجرت الوزارة اتصالات مع سفارات المملكة المتحدة وكندا وقبرص بهذا الشأن ، إلا أن السفارات المعنية أنكرت الموضوع ، كما أن المواطنين المسيحيين الفلسطينيين هم أيضا أنكروا القصة جملة وتفصيلا .


           اختيار قضية اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية ، واتخاذها محور للدعاية والإشاعات عن طريق التهويل تارة ، أو اختلاق إشاعة تستند إلى تلك القضية بشكل ما ، ومن ذلك التركيز على مقتل عدد من العملاء للمخابرات  الصهيونية على يد رجال المقاومة ، وتصوير أن الفلسطينيين يستغلون أحداث الانتفاضة لتصفية حسابات شخصية وثأرية .


           التزام أسلوب التكرار ، في نقل خبر معين ، حيث يشار إلى أن ناطقا أو جهة موثوقة أكدت النبأ بمناسبة ودون مناسبة ، حتى تغرس الفكرة في نفوس المتلقين لهذه الوسيلة الإعلامية ، وخاصة في الأخبار التي تتناول الشأن الفلسطيني لاسيما الأخبار التي تأخذ طابع إثارة الفتن الداخلية ، ومن ذلك أن الإشاعة بأن حركة فتح تتهم حركة حماس بإحراق أربعة حوانيت في مدينة غزة تباع فيها المشروبات الروحية بتاريخ 4/10/2000 .


           اعتمدت وسائل الإعلام التركيز على المناوشات التي تحدث في بعض الأحيان بين عناصر الفصائل الفلسطينية ، والعمل على تضخيمها قدر الإمكان ، وحبك الروايات الخيالية التي توهم المشاهد وكأن الفلسطينيين على أبواب حرب أهلية .

مقالات ذات صلة