عين على العدو

الذكرى الستون لقيام إسرائيل تعيد طرح السؤال حول مستقبل الشعب اليهودي

السفير اللبنانية


ألغى الرئيس الإسرائيلي موشيه كتساف صفقة قضائية كان قد أبرمها مع المستشار القضائي للحكومة لإنهاء قضية الاتهامات الموجهة إليه بشأن فضائح جنسية. وقبل أيام من ذلك، كان ابن رئيس الحكومة السابق أرييل شارون، عومري، قد دخل السجن بعد إدانته بمخالفات مالية تتعلق بفساد انتخابي لمصلحة والده الملقى في غيبوبة منذ أكثر من عامين. بل إن رئيس الحكومة إيهود أولمرت نفسه يخضع لتحقيقات متواصلة تكاد لا تنقطع بالفساد.


ورغم أنه كان في السابق من اتهم «الإجرام المنظم» بمحاولة التغلغل في قلب المؤسسة الإسرائيلية السياسية والتشريعية والقضائية، إلا أن الصراع الدائر اليوم بين المحكمة العليا ووزارة العدل في إسرائيل يشير إلى وجهة أخرى. وقد حمل الرئيس الأسطوري السابق لمحكمة العدل العليا القاضي أهرون باراك على وزير العدل دانئيل فريدمان الذي لم يخف أبدا رغبته في إنهاء سطوة المحكمة العليا ودورها في الحياة العامة الإسرائيلية. وقد اتهم كثيرون أولمرت نفسه باستهداف المحكمة أصلا بجلبه فريدمان للحكومة لمقارعة قضاة المحكمة وإسكاتهم.


وتعجز الحكومة الإسرائيلية عن فرض قوانينها على المخلوق الذي كونته بنفسها في الضفة الغربية المحتلة باسم الاستيطان. وهناك أكثر من مئة موقع استيطاني أقيمت بشكل «غير مرخص» و«خلافا» للتعهدات الرسمية المعلنة، وقد وعدت حكومة أولمرت أميركا مرارا بإزالتها من دون جدوى. وتحظى هذه المستوطنات بدعم واسع من أغلب الأحزاب المشكلة للحكومة الحالية، إن لم يكن جميعها، فضلا عن الحلبة السياسية الصهيونية في إسرائيل. بل إن بعضها، مثل حركة شاس حاليا، تربـط استمــرار مشـاركتها في الحكومة بعدم التعرض للمستوطنين، بل بزيادة الاســتيطان، على الأقل في غلاف القدس.


غير أن هذا يضاف إلى واقع حرمان أعداد متزايدة من الإسرائيليين من أفضال الازدهار الاقتصادي الذي شهدته إسرائيل في السنوات الأربع الماضية. فقد تعاظم الفارق النوعي بين مداخيل الشرائح العليا والدنيا في المجتمع، وتنزلق بشكل متزايد شرائح جديدة إلى دائرة الفقر، في حين تزداد سيطرة 19 عائلة على مفاصل الاقتصاد الإسرائيلي.


وبين هذا وذاك، انتقلت ريادة المجتمع الإسرائيلي وطليعيته من رأس رمح اليسار الصهيوني ممثلا بالكيبوتسات، إلى رأس رمح اليمين الصهيوني المعاصر ممثلا بالمستوطنات. وتراجعت قيم المثل الصهيونية لدى طوائف المجتمع الإسرائيلي، بحيث غدت أقرب إلى قيم الاقتصاد منها إلى تلك المثل. وهكذا فإن الهجرة إلى إسرائيل تتقلص والهجرة من إسرائيل تتعاظم، وهناك فوارق نوعية بين القادمين والمغادرين.


ويعتقد كثيرون أن تراجع المثل تمثل أكثر من أي شيء آخر في أن القادة العسكريين لم يعودوا المثل الأعلى للشباب، وغدت إدارة الأعمال أبرز مهنة يحاول هؤلاء الاندفاع إليها. بل إن هناك من يعتقد أن اندفاعة إسرائيل نحو التكنولوجيا العالية جاءت بفضل هجرة روسية سقطت في لحظة تاريخية على انتشار الانترنت ومتطلباته.


ومن المؤكد أن هناك الكثير مما يمكن قوله عن مثالب الحياة العامة في إسرائيل، مما يضعف قدرتها التنافسية عن إبقاء اليهود فيها. غير أنه لا ريب في أن ذلك كله يتضاءل مع حقيقة أن المشروع الصهيوني نشأ أولا وقبل كل شيء من أجل توفير «ملاذ آمن» لليهود الملاحقين في العالم. وقد بنى هذا الملاذ نفسه ليس على قاعدة أنه كيان طبيعي أو حتى كيان يهدف إلى تطبيع علاقاته مع محيطه. فلو كان الأمر كذلك لما سعى عبر السنين إلى تطوير نظرية الأمن القومي الإسرائيلي، بحيث ترتكز على قاعدة أن إسرائيل يجب أن تكون الدولة الأقوى في محيط ألف وخمسمئة كيلومتر، وهو ما لم يكن عند نشأة الدولة اليهودية. في ذلك الحين، كان يكفي بن غوريون أن تكون لإسرائيل القدرة على هزيمة جيوش الدول العربية المحيطة مباشرة بإسرائيل.


ويبدو أن حرب لبنان الثانية والصراع القائم حاليا مع قطاع غزة عادا ليظهرا للإسرائيليين ولليهود في العالم مشكلة قديمة جديدة، وسؤالاً لا يكف عن البروز: هل ان إسرائيل هي الملاذ الآمن لليهود؟ ففي إسرائيل والعالم اليهودي لاحظوا أن الجيش الإسرائيلي عجز في حرب لبنان الثانية عن إلحاق الهزيمة بعدة آلاف من مقاتلي حزب الله في الجنوب اللبناني. كما لاحظوا أن إسرائيل عجزت في الضفة الغربية عن قمع المقاومة الفلسطينية، وعجزت في قطاع غزة عن منع إطلاق الصواريخ عليها.


البعض يسمي ذلك افتقــاد إســرائيل قــدرتها الردعيــة، ولكـن البعض الآخر يسمي ذلك نهاية لفكرة الملاذ. فإسرائيل، خلافا لدول الــعالم أجمع، تعيش مشكلة وجودية، ليس كدولة أو كنظام سياسي، بل كمجتمع سياسي. والسبب أن المجتمع في إسرائيل هو في الواقع مجتمع قام على أسنّة الحراب، وهو باق بقدر ما بقيت هذه الأسنّة قوية. ولأن أحداث السنوات الأخيرة شككت جزءاً من الإسرائيليين واليهود بهذه القوة، فإن السؤال عاد للظهور بأشكال مختلفة: هل من الأفضل للإسرائيلي أن يحمل جنسية دولة أخرى لحماية النفس من عثرات الزمان؟ هل من الأفضل لليهودي العيش مثلا في أميركا وروسيا لا في إسرائيل؟


من المؤكد أن احتفال إسرائيل بالذكرى الستين لتأسيسها يعيد من جديد طرح الأسئلة القديمة ولكن بقوة أشد.

مقالات ذات صلة