تقارير أمنية

أزمتان وانعطافة تاريخية

بقلم: شلومو افنيري


           


أزمتان سياسية واقتصادية تحدثان في آن واحد مبشرتان بسقوط النهج الرأسمالي المنفلت وعودة للتوازنات القديمة


 


            في أشهر الصيف والخريف من عام 2008 حدثت ازمتان لا صلة بينهما في الواقع: الحرب بين روسيا وجورجيا والازمة المالية العالمية الاشد منذ 1929. الازمتان فاجأتا كل المراقبين والاقتصاديين والسياسيين وكل واحدة منهما حدثت في ساحة مختلفة ومن خلال ديناميكية منفصلة. كما انه لم يكن هنا اي سبب لان تحدثا في ذات الوقت تقريبا.


            ولكن رغم طابعهما المختلف الا انهما ازمتان تنطويان على انعطافة وتسببتا في تحطيم عقائد كانت شائعة وبدا ان لا تشكيك فيها في الجدل الاقتصادي والسياسي والدولي.


            حتى ان كانت “نهاية التاريخ” لفوكوياما التعبير الاكثر تطرفا عن منظومة الحقائق الشائعة هذه فهي في المجال السياسي وفي المجال الاقتصادي كانت ضمن اجماع كامل تماماً لان العالم وجد في آخر المطاف نقطة التوازن الداخلية التي يريدها. الارهاب الاسلامي المتطرف وحرب العراق والصراع الشرق اوسطي شوشت هذه الصورة تقريبا ولكن بدا ضمن خطوط عامة ان كبار السياسيين والاقتصاديين الدوليين يعرفون ما الذي يفعلونه والى اين يسيرون.


            يتبين ان النهج كان طوباويا وساذجا في المجالين.


            في المجال السياسي بدا ان انهيار الشيوعية قد تسبب في نهاية  الصراع الايدولوجي الذي ميز القرن العشرين وبعد سقوط الفاشية انفرط الان ايضا النوع الثاني من النظام الشيوعي السوفياتي وان الطريق قد اصبح مشرعاً امام الانتشار الشمولي للافكار الديمقراطية التي تنطوي ايضا على نبؤة كانت السلمية؛ ذلك لان الدول الديمقراطية لا تخرج لمحاربة بعضها البعض. وان كانت هناك دول لم تصل الى الطريق القويم كما في العالم العربي فيجب دفعها في هذا الاتجاه حتى ولو بالقوة يتوجب الامر.


            يتبين ان الايدولوجيا السوفيتية قد اختفت فعلا ولكن الدولة الروسية – الدولة العظمى التاريخية قد حددت مصير اوروبا منذ الحروب النابوليونية بدرجة كبيرة – لم تختفي. بعد فترة ضعف معينة انتعشت روسيا من خلال المزج بين النظام متعدد الصلاحيات من الداخل والتعبير عن القوة واستخدامها في الخارج. كما يتضح انه ليس هناك عالم احادي القطب يعيش في ظل العصر الامريكي وان اسس التنافس بين الدول العظمى لم ترحل عن هذا العالم. كما ان الصراعات القومية والعرقية التي بدا انها قائمة في البلقان وفي الشرق الاوسط عادت لتتحول الى ذريعة بحروب حقيقية. القرن الواحد والعشرين اصبح مشابهاً جداً للقرن التاسع عشر.


            شيءٌُ مماثل حدث ايضا في المجال الاقتصادي. انفراط عقد الاتحاد السوفياتي كان برهاناً على علوية مبدأ اقتصاد السوق والايدولوجيا الامريكية الرأسمالية التي تدعو للسوق الحرة بلا كوابح والتي تفشت في ارجاء العالم كله. الرأسماليون اعتبروا انهيار الاتحاد السوفياتي ذريعة لتوجيه الضربات لكل الايدولوجيات الاشتراكية الديمقراطية. ذلك لان تيار شيكاغو اعتبر كل تدخل حكومي رسمي في مجريات السوق تعرضاً للالية العفوية التلقائية “الخفية” التي تعرف كيف تكبح وتوازن تأرجحات السوق: اتركوا للاقتصاد كامل الحرية فيأتي الرخاء والازدهار للعالم كله.


            حقيقة ان الصين الشعبية حتى التي بقيت ديكتاتورية احادية الحزب ترفع لواء الشيوعية شكلياً، تبنت اقتصاد السوق كانت هي الاخرى دليلاً راسخاً على تفوق النموذج الرأسمالي المنفلت. رغم ان الاشتراكية الديمقراطية الغربية كانت احد الاركان الاساسية في الكفاح ضد الشيوعية السوفياتية الا ان انفراط الاتحاد السوفياتي الحق بحركات اليسار المعتدل في العالم الديمقراطي ضربة قوية.


            إلى ان جاءت الازمة الحالية وبرهنت ان نتيجة ترك السوق بلا كوابح هي كارثة عالمية. كما تبرهن ان العولمة ليست ضمانة للازدهار والنمو فقط وانما هي قناة تمرر بسرعة وبلا قيود الازمة من اقتصاد الى آخر مثل الجرثومة الفتاكة بصورة شمولية.


            النموذج الافضل على النتائج الفتاكة التي تسببت فيها العولمة هي حقيقة ان صناديق التقاعد الخاصة ببلديات وقيادات الشرطة البريطانية خسرت كل ودائعها عندما انهار البنك الايسلندي الذي اودعت فيه. وهكذا جاءت لحظة الصحوة. ادارت بوش وليست حكومة كوريا الشمالية هي التي تحاول اعادة الاستقرار للاقتصاد من خلال تحويل الاموال للبنوك التي تواجه المحنة وتعلن عن تأميم ولو جزئي للبنوك التسعة الاكبر حتى تضمن ودائع المواطنين وتمنع الافلاس الشامل. هل تخيل احد ما قبل عام ان تقوم ادارة بوش بعملية تأميم قسرية للبنوك؟ اهلاً وسهلاً بالقادمين الى دولة الرفاه التي تعتبر فيها الدولة وليست السوق هي الضمانة لرفاه المواطن. نحن لسنا عائدين الى الحرب الباردة الا اننا عائدون الى المنافسة بين الدول الاعظم الكلاسيكية التي تسيطر فيها السياسة الواقعية وتوازن القوى على القمة. الاقتصاد الامريكي والاقتصاد العالمي سيخرجان من الازمة ولكن من الصعب ان نعود ونرى عما قريب رأسمالية بلا كوابح كاسحة كما شاهدنا في العقدين الاخيرين. لا التاريخ لا يعود وانما يواصل طريقه فقط في الدروب الملتوية.


هآرتس :16 /10/2008

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى