في العمق

عملية “ناحال عوز”.. تكتيك جديد بالكمائن المسلحة

 


تقديم وتحليل: عدنان أبو عامر


أوقعت عملية “ناحال عوز” الفدائية، شرق مدينة غزة، عددًا من الإسرائيليين بين قتيل وجريح؛ لتعيد إلى الأذهان تلك العمليات التي عاشتها الضفة الغربية وقطاع غزة، خاصة تلك التي استهدفت المواقع العسكرية والمستوطنات المنتشرة على طول الأراضي الفلسطينية وعرضها، شمالا وجنوبًا.


“إن تسلل المسلحين الفلسطينيين إلى موقع عسكري، هو تحقيق لكابوس إسرائيلي قديم، عمل مروّع منذ سنوات السبعينيات، نسخة منقحة وحديثة، والإحساس الذي سيسود هو انهيار سور آخر من أسوار الردع، وسيكون الردّ الطبيعي هو الرغبة في إصلاح هذا الردع بالسرعة الممكنة”، بهذه العبارات علّق صحفي إسرائيلي على العملية، في دلالة واضحة على حالة التدهور والإحباط التي أصيب بها جيش الاحتلال ومستوطنوه جراء تواصل عمليات الاقتحام المتكرر للمواقع العسكرية.


وهكذا يتضح بعد مرور ساعات على عملية ناحال عوز أن المقاومين -حسب التحليل العسكري- رصدوا الموقع المستهدف بـ”عدسات مكبرة”؛ لأنهم أدركوا أنه يجب أن تكون هناك ثغرات، وبعد الرصد والمتابعة أمكن تحقيق النجاح للعملية، وهذا ما تم فعلا، ويمكن تلخيص نجاحها في النقاط التالية:


1.   تمكن المقاومين من الحفاظ على عنصر المفاجأة حتى آخر لحظة، ولم يتم اكتشافهم أو ملاحظتهم وإجبارهم على بدء المعركة قبل التهيؤ لها.


2.   وقوع الجيش الإسرائيلي في حيرة امتدت فترة من الزمن، حيث مرّ وقت طويل بعد الاشتباكات قبل أن تتضح الصورة للجنود الذين تعاملوا مع فرضيات وتخمينات حول عدد المقاومين وإمكانية قتلهم.


3.   تمّ اختيار هدف غير متوقع بالنسبة للاحتلال، حيث إن الموقع معزول في شرق القطاع، ولا يتعرض عادة لإطلاق نار بصورة يومية، ووضعه الأمني جيد نسبيًّا.


 


إطلاق النار.. السمة البارزة


المتابع لمسيرة المقاومة الفلسطينية، يرى أنها أخذت أبعادًا متقدمة في استخدام أساليب جديدة ومتطورة في استهداف جنود الاحتلال والمستوطنين، وساعد في ذلك امتلاك الأجنحة العسكرية للمزيد من العتاد والتسليح، وقد كمن المظهر الغالب على انتفاضة الأقصى وأشكال المقاومة السائدة في إطلاق النار والاشتباكات المسلحة التي تنال الجيش الإسرائيلي ومواقعه العسكرية، والمستوطنين ووسائل نقلهم ومواصلاتهم؛ لأنه لا يحتاج إلى كثير عناء أو تخطيط، مقارنة بأشكال العمل الأخرى التي تتطلب الدقة والتخطيط السليمين لضمان نجاح التنفيذ.


وكان من الملاحظ أن عمليات إطلاق النار تتم بشكل يومي، وبشكل كبير نسبيًّا، مقارنة بأشكال ووسائل المقاومة الأخرى؛ إذ تحمل الإحصاءات الإسرائيلية والفلسطينية أرقامًا كبيرة لإجمالي حوادث إطلاق النار التي تتم ضد أهداف عسكرية واستيطانية.


وتنوعت هذه العمليات؛ لتأخذ شكل إطلاق النار على مستوطنة حينًا، وعلى موقع أو برج عسكري حينًا آخر، وعلى سيارة عسكرية أو قافلة استيطانية حينًا ثالثًا، أو أي هدف إسرائيلي يتاح لفصائل المقاومة. وقياسًا لمستوى هذه العمليات وتخطيطها وطبيعة الهدف الخاص بها تكون نتائجها، فالتخطيط الجيد يقود إلى تنفيذ جيد، وبالتالي إلى نتائج جيدة في معظم الأحيان.


وهذا اللون من العمليات يقدر عليه الجميع؛ إذ لا يقتصر فقط على ذوي الانتماء الحزبي والتأطير التنظيمي والعاملين في كتائب المقاومة الذين تسعفهم وتمكّنهم قدراتهم وإمكانياتهم من تخطيط وتنفيذ العمليات الاستشهادية، واقتحام المستوطنات النوعية، وإطلاق الصواريخ وقذائف الهاون، بل يجري الأمر على يد أي فلسطيني يريد التصدي للاحتلال، فيندفع حائزًا السلاح بداية لينقض على أي هدف إسرائيلي، عسكريًّا كان أم استيطانيًّا، بأقل قدر من التعقيدات الإجرائية والتنظيمية التي تفرض نفسها في سلك العمل المقاوم المنظم.


والتقدير الذي يلقى قبول الجميع أن هذا اللون من العمل العسكري المقاوم لا غنى عنه للمقاومة، رغم بساطته وقلة التعقيدات الكامنة فيه، فهو يكرس شكلا أساسيًّا من المقاومة التقليدية، في ذات الوقت الذي يحقق فيه مستوى واسعًا من الانفتاح الشعبي على الانخراط فيها، عبر تبني هذا الأسلوب الذي يقترب من إمكانات وقدرات الجماهير، وأشارت تقارير عسكرية إلى أن المقاومين بدءوا تحولا في أساليبهم تمثل في تكتيك جديد يقوم على اعتبار “البندقية” أفضل من “القنبلة”، وهو ما يراه الخبراء خطوة قد تؤدي لتسهيل العمليات ضد قوات الاحتلال، والحصول على قدر أكبر من التبرير السياسي.


 


شهادات إسرائيلية حية


محلل الشئون العربية في التلفزيون الإسرائيلي “إيهود يعاري” عقب على هذه العمليات بالقول: إن الهجمات بإطلاق النار اتجاه جديد قد يحل محل القنابل، حيث يختار المسلحون أماكن تزدحم بالشرطة والجنود المتأهبين لإطلاق النار، نحن نتحدّث هنا عن هجمات “انتحارية” بالبنادق تتم بنفس روح الهجمات بالقنابل، الفارق الوحيد هو الأسلوب.


فيما رأى “جدعون عزرا” وزير الأمن الداخلي السابق والرئيس الأسبق “للشاباك” أن التحول مؤشر على أن جبهة فلسطينية متشددة تأخذ في الاعتبار الأحداث العالمية، بحيث إنهم يريدون تجنب أي صلة بهجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة. المسلحون بالبنادق يعملون كقنابل بشرية، لكنهم على الأقل لا يتركون صور انفجارات خلفهم، غير أن “يعاري” يختلف مع هذا الرأي بالقول: لا توجد خطة رئيسية هنا.. الأساليب الفلسطينية تتغير في دورات تعتمد على أوضاع الساحة، حيث إن الهجمات “الانتحارية” بالقنابل تتطلب فريقًا وخبرة، في حين أن الهجوم بالبنادق أسهل في التنفيذ.


وهذا ما يؤكده الصحفي “تسفي غيلات” بقوله: ما يقلق إسرائيل من هذه الخلايا المتخصصة بالكمائن والقنص هو نوعية الأهداف التي يختارونها، فخبرتها وقدرتها تشير إلى قدرة عسكرية تستحق الثناء.. كل العمليات بحاجة إلى رصد، إعداد، ومنطقة داعمة تمكن “السمك من الغوص في مياهه”.. هكذا تفعل حركات المقاومة الآن، مما يمنحها الاحترام والتقدير في الشارع الفلسطيني.


علمًا بأن هذا النوع من عمليات إطلاق النار واستهداف الجنود والمستوطنين، يعني استنزاف الآلة الحربية الإسرائيلية، وبالتالي الهجوم على ما يعرف بـ”كبرياء” الجيش الإسرائيلي وعلى مستوى الصراع الإعلامي، وهنا نشير إلى ما كتبه رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الأسبق “شلومو غازيت”: نواجه في الآونة الأخيرة عمليات تتلخص أهدافها في إطلاق النار والتركيز أكثر فأكثر على الجنود ورجال الأمن، وهذه تغيرات في التوجهات تترتب عليها نتيجتان:


النتيجة الأولى: تسلب منا المبررات الأخلاقية بخصوص الطابع غير الإنساني “للعنف” الفلسطيني الذي يوجه للمدنيين، وعلى المستوى الدولي لا يرفض أحد انتفاضة شعب يرزح تحت الاحتلال العسكري منذ 40 عامًا، عندما يخوض هذا الشعب صراعًا ضد جنود الاحتلال.


النتيجة الثانية: نجاح العمليات التي يقوم بها رجال خلايا المنظمات بتوجيه ضربة قاسية لكبرياء الجيش الإسرائيلي ولصورته التي لا تهزم ولقوة ردعه، وإذا استمرت هذه التوجهات فلا ريب أنها قد تؤدي لزيادة جرأة الخلايا وتماديها، وقد تشجع شبانًا فلسطينيين آخرين على الانضمام لصفوفها.


وفي هذا السياق نستذكر قول د. عبد العزيز الرنتيسي أحد قادة حركة حماس الراحلين: حمل بندقية وإطلاق النار على محتلين إسرائيليين، أسهل بكثير من حمل حقيبة مملوءة بالمتفجرات، علمًا بأن تكتيك إطلاق النار اقتصر على كمائن الطرقات، حيث يستطيع المسلحون العودة بسهولة إلى المناطق الفلسطينية.


على صعيد آخر، وبفعل هذه العمليات المسلحة، تحولت حياة الجنود في دباباتهم إلى جحيم لا يطاق، فالأوامر الصادرة لهم تتضمن البقاء داخل الدبابة طوال الفترة المحددة لهم دون الخروج منها، مما جعلهم يعيشون حياة ملؤها الملل والضجر، حتى إن علاقتهم داخل الدبابة امتازت بالمشاحنات والمشاجرات.


فخلال فترة المناوبة لمجموعة الجنود البالغ عددهم خمسة داخل الدبابة، لا يستطيعون الخروج منها لقضاء حاجتهم، خوفًا من تعرضهم لقناص فلسطيني ينتظر خروجهم منها، لا سيما أن وجودهم داخلها، واحتكاكهم طوال الوقت مع بعضهم البعض يسبب مضايقات لهم، حتى إن نفسياتهم أصبحت منهارة، والرائحة الكريهة تنبعث منهم بسبب حالة الطوارئ في صفوف الجيش.


وأشار الجنود إلى أن الجلوس لفترة طويلة داخل دبابة مع الشعور بالخوف من المحيط المتواجد فيه، يجعلنا في قلق دائم، بحيث ينتظر الواحد منا بفارغ الصبر انتهاء ورديته للخلاص من هذا الجحيم الذي لا يطاق، وتتمثل الأوامر الصادرة لهؤلاء الجنود والمتمثلة بالحظر التام عليهم حتى النظر من فوهات الدبابة، خوفًا من تعرضهم لرصاصات تأتيهم من المناطق المحاصرة.


 


تدمير المواقع العسكرية.. الهدف المفضل


عملية ناحال عوز ترتبط بصورة وثيقة بعمليات إطلاق النار والكمائن المسلحة التي شهدتها انتفاضة الأقصى التي لم يسلم منها أي من المواقع العسكرية الإسرائيلية من هجمات المقاومة التي تنوعت وسائلها، فمن اقتحام المستوطنات وإطلاق قذائف الهاون والصواريخ، إلى استخدام العبوات الموجهة وتفجير الآليات العسكرية، إلى حفر الأنفاق وتفجير عبوات ناسفة كبيرة تحت مواقع جيش الاحتلال.


وقد شكلت المواقع العسكرية أهدافًا مفضلة للمقاومين بالرغم من تحصينها، حيث يعتبر كثير من الباحثين العسكريين أن هذا الشكل من أشكال المقاومة يمثل قمة المواجهة مع الاحتلال، وذروة التحدي لأسطورته الأمنية والعسكرية التي روّجها خلال العقود الماضية.


فاقتحام وتدمير المواقع العسكرية، واختراق أنظمتها الأمنية ذات الحصانة العالية، والتمكن من الوصول إلى عمقها، وإعمال القتل والتجريح في أفرادها، يشكل أعلى درجات الإهانة لجيش الاحتلال الذي كثيرًا ما تباهى بحرفيته العالية، ومهنيته الرفيعة وقدراته الكبيرة التي تتفوق على مجموع الجيوش العربية، ويدلل على مستوى الارتقاء النوعي الذي بلغته المقاومة، وتقدمها المطرد في مضمار المواجهة مع الاحتلال.


ولا شك فإن هذا الأسلوب القوي والمتميز يستلزم إعدادًا جيدًا، وتخطيطًا دقيقًا، قد يفوق الإعداد والتخطيط لأشكال المقاومة الأخرى، على النحو التالي:


تحديد الهدف المفترض اقتحامه واستهدافه، جمع كامل المعلومات الخاصة بالهدف، ودراسة إمكانيات وفرص اقتحامه والثغرات الموجودة فيه، ورسم خطة عملية استنادًا للواقع الميداني، تراعي المفاجآت ودواعي الفشل، وتضع البدائل للاحتمالات المختلفة، تنفيذ سليم، وتطبيق دقيق، قد يتكلل بالنجاح، وقد يمنى بالفشل والإخفاق لاعتبارات مختلفة.


وصنعت التجارب العسكرية تطورًا في التفكير لدى المقاومين الفلسطينيين الذين استفادوا من تجارب سابقة على مدار أعوام الانتفاضة في عمليات لم تحقق النجاح المرجو منها، حيث حاولت بعض المجموعات العسكرية العمل في محيط المواقع العسكرية والمستوطنات والحواجز، ولم تكن النتائج كاملة رغم محاولات اصطياد دوريات الاحتلال ودباباته على طرق تحركها من وإلى هذه المواقع، والوصفة الأخيرة التي اكتشفها القادة الميدانيون لقوى المقاومة هو تنفيذ العمل بعد الوصول إلى بيت العدو، وليس مهاجمته من الخارج، وقد ثبت نجاح هذا الأسلوب في بعض العمليات.


فقد تمكنت المقاومة من اكتشاف وصفة جديدة لكيفية مواجهة المواقع العسكرية المحصنة والمنيعة، من خلال تنفيذ عدة عمليات عسكرية نوعية في الضفة الغربية وقطاع غزة بقوة، مستفيدة من تجارب تراكمية خلال أعوام من العمل العسكري.


وقد شهدت انتفاضة الأقصى عددًا كبيرًا من العمليات التي استهدفت مواقع وثكنات قوات الاحتلال، منها ما أصاب الاحتلال وأوجعه، ومنها من كتب له عدم النجاح، ورغم ذلك فإن عمليات الاقتحام الناجحة للمواقع العسكرية كانت لافتة، بل ومذهلة في كثير من الأحيان، لم يتوقعها أشد قادة جيش الاحتلال تشاؤمًا.


وفي صدارة هذه العمليات، تفجير موقع معبر رفح الحدودي أواخر 2001 الذي اعترف فيه الاحتلال بمقتل خمسة جنود وإصابة ستة آخرين بجروح، وتفجير موقع محفوظة “أورحان” العسكري قرب خان يونس منتصف 2004، واقتحام حاجز “عين عريك” العسكري برام الله أوائل 2002، وأحد المواقع العسكرية في مستوطنة “غوش قطيف” أواخر 2001، وكان آخرها عملية موقع “كيرم شالوم” شرق رفح أواسط 2006 التي قتل فيها عدة جنود وأسر الجندي جلعاد شاليط.


هذه العمليات وغيرها تبدي بوضوح عمق الجدوى العسكرية الميدانية، والفوائد النفسية المعنوية، التي يحققها هذا الأسلوب المقاوم في إطار معركة الحرية والاستقلال التي يخوضها الشعب الفلسطيني.

مقالات ذات صلة