عين على العدو

الرجوع عن الحق فضيلة!

 نهنئ السيد عيسى قراقع بالنزول السريع من المرتقى الصعب الذي وجد نفسه فيه فجأةً إثرَ لحظة “ضعفٍ” انتابته بفعل عارض الكرامة الوطنية الحاد الذي ألمَّ به عشية اجتياح آخر – وليس أخير – لبيت لحم. نهنئه لأن فلسفة البقاء عنده – بما تَعَمَّدَت به من براغماتية يمتلكها كل أبناء “المشروع الوطني” – قد غلبت أسباب النزق والتطرف الطارئة عليه؛ وعاد وازع الواقعية السياسية ينهى النفس عن الهوى النضالي؛ لتعود للاستواء بالصف “الوطني” السلطوي وتبتعد عن شبهة مفارقة جماعة المفرطين! والحق أن بعض أبناء حزب المقاطعة قد تنزعه فطرته أحيانًا نحو الخير؛ وقد تحرِّشه ذكرياتٌ قديمةٌ مع الفضيلة لنزع أثواب التنسيق الأمني والحب غير العذري مع الأجهزة السياسية والعسكرية للكيان الصهيوني؛ لكن “العاقل” من يَكُفُّ نفسه عن التمادي في مجاراة عوارض الشرف السياسي؛ وَتَذَكَّرَ أن الفضيلة هي علبة لفائف تبغ مكتوبٌ عليها أن “معاداة الخيانة سبب رئيسي من أسباب المعاناة وأمراض الاعتقال والشبح والتعذيب وانتهاك حرمات البيوت على يد اللحديين الجدد”!


 


لذلك ضع نصب عينيك – يا حضرة النائب المنتخب – بيت الشعر الذي يقول: “لولا المشقة ساد الناس كُلُّهُمُ * * * الجود يفقر والإقدام قتَّالُ”! وحذار من تكرار إلقائِكَ نفسكَ في التهلكة؛ فألوية وجنرالات أبي رغال يحملون فوق صفات الجبن والأرنبة والذل والنذالة التي أثبتَّها لهم في مقالك الذي كتبته وأنت فوق الشجرة – يحملون مَلَكَةَ الحمق المطلق والانخفاض الحاد في القدرات العقلية؛ الأمر الذي يُنْتِجُ مع ما احتوت عليه نفوسهم من لؤمٍ في الطباع – ينتج صورة أبغض مخلوقٍ مر على هذه الأرض حتى حينه…فإياك وفتح باب العداوة مع أمثال هؤلاء مرة أخرى!


 


والحقيقة أن المرء لَيُعْجَبُ بإبداعك في سرعة حسن التخلص حين كتبت اعتذاريتك – مقالك الاستدراكي – لمن سميتهم ” أصدقائي العاملون في أجهزة الأمن”؛ خصوصًا وأنت تعرف كيف تقف أمام حائط المبكى الفتحوي؛ فتلعن غزة وتلعن حماس وتلبسها غصبًا بعضًا من أسمال سفال فريقك وخباله؛ وترجم مفتيًا لم يعش إلا في عالم خيالك؛ وأفتى بحسب شهادتك الجديدة – هذا بعد أن ذهبت الفكرة وعادت السكرة! – بوقف المقاومة في الصحراء! فأي شيء يحب اللواء الجنرال ذياب العلي وسلطته وحكومته والجنرال “دايتون” والحرامي “أولمرت” أكثر من شتم غزة وصحرائها؟! (بالمناسبة: لا شك أن أجناد “يعقوب المصري” لو سمعوا بشعر العصفورتين الحجازيتين اللتين حنتا للوطن الصحراوي بقولهما “هب جنة الخلد اليمن * * * لا شيء يعدل الوطن” – لا شك أنهم كانوا سيطلبون من “جيش الدفاع” تنسيقًا لدخول المنطقة “ج” من التاريخ العربي المعاصر لاعتقال أحمد شوقي “بس يا خسارة”!)


 


أبدعت إذًا في حشد ألوان السباب لحماس ونسج المفتريات عليها ورجمها بتهم متهافتة لا يصدقها سامعها ولا قائلها (مثل تهمة وقف المقاومة التي تصدر هنا من “صديق” أصحاب قصب السبق في نزع الثياب والثوابت وبيع السلاح والتماس العفو من العدو والتوبة بين يديه عن الوطنية – ناهيك عن قتل المقاومين الحقيقيين واعتقالهم كما حصل في الخليل منذ أيام) لكن مع هذا فلا زال في كلامك يا أستاذ عيسى بعض اللحن والعوج؛ لا سيما وأنت تكثر الحديث بما يزعج اللواء الجنرال ذياب العلي وعمداء وعقداء مدرسته في “النضال”. فخفف “الله يرضى عليك” من التبرم بالاستيطان والحواجز والاجتياحات وضرب الصهاينة عرض الحائط بكرامة سلطتك وحكومة مقاطعتك؛ فمثل هذا الحديث ينقض غزل “المشروع الوطني”! وحبذا لو كتبت مقالاً ثالثاً تشيد فيه بمخازي قادتك كلها؛ ويستعرض مناقبهم جميعها من أول التنازل عن الثوابت وصولاً للإفطار في رمضان على مائدة واحدة مع جنرالات العدو الصهيوني “الصديق” لبحث خطة الهجوم على “الصحراء”! واكتب فيه أن حصرم “أنابوليس” حادق الحلاوة يدبق اللسان والأسنان والشفاه؛ وأن الإذعان لاملاءات الصهاينة من شيم الرجال! واخرج فيه من الساحة الوطنية إلى الساحة العربية لتشيد بالحصار الاقتصادي المفروض على “الصحراء”؛ ولتُكْبِرْ في الإخوة “أولاد الكامب” استخدامهم الأسلحة الكيميائية ضد شعب “الصحراء” لقمع أنفاق معاشهم وتجارتهم. وحبذا لو صحب هذا كله عبارات شامتة تسخر فيها بالذين يحفرون في التراب بحثًا عن طعامٍ وسلاحٍ يفرون به من السلسلة النحاسية الثقيلة التي تجر أعناق من سجنوا القضية الفلسطينية في عزل صدقات الرباعية!


 


واتخذ لنفسك حجابًا يكتبه مفتٍ براغماتي – ابحث عنه تحت عمامة سارق مال الحج والعمرة…”أكيد عارفه” – تستعيذ فيه بالشيطان الرجيم من الخروج على الشرعية الدولية وشروط الرباعية ومبادرة “توماس فريدمان”. وليكن لك أسوة وقدوة في قول الرصافي:


يا قوم لا تتكلموا * * * إن الكلام محرَّمُ


ناموا ولا تستيقظوا * * * ما فاز إلا النُّوَّمُ


ثم استوشم على ذراعك وشمًا يقول “بحبك يا ياسر عبدربه” لتكون الواقعية السياسية ديدنك ورفيقك اللصيق في الحل والترحال؛ وثق أنك ستبرأ بعدها من عوارض الصحوة البغيضة (كل الصحوات كريهة بغيضة إلا صنف واحد منها “محمود” وهو ما كان على طريقة مجالس الهالك ستار ريشة) وستعود عن قولك إن “الحياة ليست هكذا” لتكتشف أن “الحياة هكذا” ونص!


 


وأنتم أيتها الجماهير المتصيدة في الماء العكر ممن استبشروا بمقالة قراقع الأولى خيرا: لا تعذلوا صاحبكم فإن العذل يولعه؛ وتذكروا أن صحوة “شرفاء” فتح من السبات تهدد بهدم الأحجية الفولكلورية المحببة عن الأغلبية الوطنية الصامتة في فتح والتي ترفض كل تصرفات فريق “دايتون” لكنها لسبب مجهول – مدفون مع أسرار الفراعنة و”الهكسوس” – لا تحب أن تعبر عن هذا الرفض سرًّا أو علانية! وفي هذه التركيبة كما تعلمون ضمانة أكيدة لاستمرار تدفق “إبداع” جيش المحللين السياسيين والصحافيين – وأخيرا بعض الدعاة التلفزيونيين – ممن لا زالوا يرون في النزاع مع أذناب أولمرت قتالاً بغيضًا بين “الإخوة الأشقاء”؛ فهل تريدون أن يسقط هذا التحليل العقيم والمجدب فنخسر كل هؤلاء وتفرغ أعمدة كثير من الصحف من المقالات؟ قليلاً من المسؤولية أيتها الجماهير!


 


آخر العنقود: توفي منذ أيام الزعيم النمساوي اليميني المتطرف “يورغ هايدر” إثر حادث سير. وكان آخر عهد الرجل بالذكر – طبعًا قبيل خبر وفاته – أن “ذياب العلي” شرح كيف أن الرجوع عن اختيار حماس لقيادة الفلسطينيين أمر مشروع قياسًا على حادثة رفض الانصياع لأغلبية “هايدر” في النمسا. وأنا من هنا أنصح السلطات النمساوية بالتحقيق في موت الرجل؛ فلعل ما ظاهره حادث سير أن يكون حادثةَ انتحارٍ نفذها سياسي “طق من قهره”…نظرًا لورود اسمه على لسان سقطِ متاعٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ مثل جندي حرس الحدود محقِّر الانتفاضتين و”صديق” السيد قراقع!

مقالات ذات صلة