عين على العدو

موسم التنازلات العربية

لم تكد تمر غير أسابيع، وربما أيام قليلة، على تقديم الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) وعده “المشؤوم” لقادة الكيان الصهيوني عن “حق العودة” خوفاً من تهديد عودة خمسة ملايين لاجئ فلسطيني لديارهم في فلسطين المحتلة عام 1948 على مستقبل الدولة “الإسرائيلية”، ولم تكد تمر أيضاً إلا مجرد أيام على مشاركة وزير الخارجية الفلسطيني في المؤتمر الذي نظمته وزارة الخارجية “الإسرائيلية” تحت عنوان “التهديدات الأمنية” للدولة “الإسرائيلية”، وهدفه البحث في أفضل السبل لمواجهة تلك التهديدات وحماية وتحقيق الأمن ل”إسرائيل”، حتى كانت نكسة الأداء الدبلوماسي العربي في المؤتمر العام ال 52 للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي عقد في فيينا، عندما فاجأ الوفد المصري باقي الوفود العربية، وربما باقي الوفود الدولية، بنص جديد معدل لمشروع القرار السنوي الذي كانت تتقدم به الوفود العربية للوكالة، ويوافق عليه تلقائياً ويحمل عنوان “تطبيق ضمانات الوكالة الدولية في الشرق الأوسط”. كان مشروع القرار العربي ينص، وعلى مدى أربعة عشر عاماً مضت، على إجبار “إسرائيل” قانوناً على الانضمام لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة الذرية، وإخضاع جميع منشآتها ومرافقها الذرية لنظام ضمانات الوكالة، ولكن القرار المصري فاجأ الجميع بتعديلين لا يقلان خطورة على المصالح الاستراتيجية العربية من “وعد أبومازن” ومشاركة وزير الخارجية الفلسطيني في مؤتمر حماية أمن “إسرائيل” وتفاخره بالتعاون الممتاز بين الحكومتين الفلسطينية و”الإسرائيلية” سياسياً وأمنياً، ودعوته إلى تعميق هذا التعاون.


فبدلاً من التمسك بالبنود الواضحة والمحددة والعملية السابقة التي تطالب الكيان الصهيوني بالتوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة الذرية وفتح منشآته الذرية للمفتشين الدوليين التابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية، اكتفى المشروع المصري الجديد بالنص المبهم الإنشائي الذي يطالب بجعل منظمة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل.


 


لم يكتف مشروع القرار المصري بذلك، بل تضمن فقرة كانت تحلم بها “إسرائيل” طيلة السنوات الماضية، وهي الفقرة التي كانت ترد بها على أي دعوة تطالبها بفتح منشآتها الذرية للتفتيش الدولي، والتي تربط بين الاستجابة “الإسرائيلية” لهذا المطلب وبين تحقيق السلام الكامل والشامل مع العرب، أي أن “إسرائيل” لن تفكر في أي إجراء عملي وفعلي بالنسبة لسلاحها النووي إلا بعد أن تحصل من العرب على كل ما تريده وتحظى بالسلام الذي تحلم به، وعندها تفكر في ماذا يمكن أن تفعله بسلاحها الذري هل تدمره أم تبقي عليه؟


 


المشروع المصري استجاب لذلك، أي استجاب للمطالب “الإسرائيلية” وتضمن فقرة جديدة تشدد على أهمية “تعزيز الثقة المتبادلة والأمن في المنطقة، بما في ذلك إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية”. وكانت النتيجة هي الانقسام العربي على هذا المشروع، بعد أن رفضت مصر سحبه بناء على توصيات عربية ما أدى إلى امتناع كل من سوريا والعراق عن التصويت، بينما تغيبت عن التصويت كل من الكويت ولبنان والمغرب وقطر والسعودية والإمارات واليمن، ولم توافق عليه سوى مصر والجزائر والسودان، التي أوضح سفيرها أن موافقة وفد بلاده جاءت تأكيداً للمعاني الواردة في النص الأصلي كما قدمته، موضحاً أن موقفهم المبدئي هو معارضة التعديلات التي أدخلها مندوب “إسرائيل” والتي أجيزت بالنص، مؤكداً أن تلك التعديلات تتعارض والمبادئ الأساسية لعملية السلام وجعلها منطقة خالية من السلاح النووي.


 


ما الذي يدفع الدول العربية إلى تقديم التنازلات إثر بعضها بعضاً من دون وجود عملية تفاوض حقيقية مع الكيان تجبره هو الآخر على تقديم تنازلات؟


 


السؤال مهم، لأن الملاحظ هو أن تنازلات العرب لا تأتي إلا بالمزيد من التشدد “الإسرائيلي” والدعم الأمريكي لهذا التشدد.


 


فرداً على “تعاطف” الرئيس الفلسطيني مع الكيان وحرص على أمنه واستقراره، وتطلع وزير خارجيته إلى تقديم المزيد من التعاون لدعم وحماية هذا الأمن، باشر “الإسرائيليون” بتنفيذ مخطط طرد وتهجير (ترانسفير) للشعب الفلسطيني داخل الخط الأخضر، أي داخل فلسطين المحتلة عام 1948، لتنفيذ مشروع “الدولة اليهودية” الذي وعد به الرئيس الأمريكي جورج بوش، ويعني جعل “إسرائيل” “دولة يهودية خالصة” من دون أهلها العرب. ما حدث في مدينة عكا منذ أيام من حرائق منازل وممتلكات للفلسطينيين، والدعوة إلى طردهم، ثم الاتجاه إلى إقامة “كنيس يهودي” لا يبعد أكثر من 50 متراً عن الأقصى هو رد “إسرائيلي” بليغ على التنازلات العربية، وما حدث داخل مؤتمر الوكالة الدولية للطاقة الذرية من إجبار أمريكي وغربي لسوريا على الانسحاب من ترشيح نفسها لعضوية مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لصالح دولة أفغانستان، هو أيضاً أفضل رد “إسرائيلي” وأمريكي على التنازلات العربية.

مقالات ذات صلة