المكتبة الأمنية

أزمة أميركا الأخلاقية وانعكاساتها الاقتصادية

 


هل من قبيل المصادفة ان يكون المبلغ الذي يطالب به بوش لانقاذ اقتصاد بلاده هو نفسه المبلغ الذي انفق على حرب اميركا في العراق؟


 


ميدل ايست اونلاين الأزمة المالية التي تعيشها الولايات المتحدة حالياً، مرتبطة بشكل مباشر مع فشل حربها على العراق، وهي أزمة عامة لم توفر جانباً من صعد الحياة الأميركية إلا طاولتها، سياسية كانت، اقتصادية، أو اجتماعية (أزمة أخلاقية).


 


ذلك أن الخداع الذي تعرض له الأميركيون لم يكن أوله مع الالتفاف على بوادر الأزمة المالية الحالية والتي ظهرت أولى تباشيرها مع أزمة الرهون العقارية منذ عام ونيف، والتي كان من الممكن تفاديها لولا الاعتماد المفرط على إمكانية أن يصحح السوق نفسه، إنما ملامح التأزم تعود إلى الأيام الأولى من غزو العراق وبالذات من خلال ما بُذل فيها من تضليل إعلامي كبير لتبرير الحملة العسكرية الأميركية عليه. وليس من قبيل المصادفة أن يكون مبلغ تكلفة الحروب الأميركية على الإرهاب (حسب التوصيف الأميركي) حتى اليوم يقارب مبلغ 700مليار دولار استحوذت الحرب على العراق جزئه الأكبر، وهو ذات المبلغ الذي يطالب به بوش في خطته الإنقاذية لسد عجز السيولة النقدية في أسواق المال والمصارف، وهي خطة مهما اتخذت لها من مفاهيم اصطلاحية في الإعلام الأميركي من مثل “الاستحواذ” أو اقتناء الأسهم سعياً وراء التخفيف من آثارها، فان تأثيرها على المزاج الاستهلاكي الأميركي بات واضحا للعيان، إذ أنها خطة تأميمية في النهاية، وهي على قدر تدخل الدولة في ضبط حركة رأس المال والأسواق،حتى باتت خطة تطرح صورة الرأسمالية والنظام الرأسمالي على حقيقته مهما أدخلت تحت باب الأزمات العابرة، على أساس أنه لا بدائل عن الرأسمالية، وأن أميركا ستخرج معافاة بعدها.


 


وفي حقيقة الأمر، أن ما نشهده الآن هو بداية نهاية عهد، وما ستخلفه الأزمة المالية الحالية من فاتحة لكساد في الأسواق العالمية ومن آثار مهولة وتبعات على الاقتصاديات المنخرطة في دوامتها،و التي أصبحت محدودة المناورة وبالتالي أخذت بدورها تراكم خسائرها يومياً، إلى حد بات معه التبرير،في أن سقوط النموذج الأميركي للرأسمالية لا يعني سقوط الأيديولوجية الرأسمالية في العالم، تبريراً غير ذي جدوى. والرئيس الفرنسي ساركوزي عندما يطالب بإصلاح النظام الرأسمالي العالمي من خلال توصيته بجعل الرأسمالية أكثر أخلاقية خدمة للتنمية الاقتصادية وقوى الإنتاج وإسقاط مبدأ “المضاربة”، يلامس الحقيقة في نصفها الظاهر للعيان، ويخفي الحقيقة المرة كاملة والمتمثلة من تهيبه في الإشارة إلى فشل النظام المعرفي والأيديولوجي الذي يقف وراء الفكر الرأسمالي عامة.


 


لم يعد الأمر يتم بهذا التعقيد والغموض، ذلك أن واحداً من أشد أوجه الأزمة الحالية هو “اللاتوطين” لرأس المال المحلي في مشاريع تنموية، وهو ما أنتج سياسة مالية كوزموبوليتانية ساعدت على، ويسرت أمر عولمة الإرهاب الذي تديره مراكز المال العالمية، من خلال تنشيط أسواق السلاح وتمويل الحروب والمضاربة بالسلع الغذائية الإستراتيجية، والتي يقف على رأسها أسواق المال الأميركية في استقطابها لرأس المال الجبان،مما أتاح وفراً مالياً، أنتج تغولاً وجبروتاً ماكرو-عولمي رافقه في قفزاته المتسارعة فكر رأسمالي نيو- ليبرالي، يحتكر الحقيقة الوجودية على مثاله، ويلخصها قولبة قسرية في غصب الصيرورة التاريخية،من خلال إعلان موتها ونهايتها عند أقدامه . فكان لابد للتأريخ من أن يبين الأمر ويزيل اللبس والغموض وأن ينتفض ويتم دورته جبراً، ويلقن المارقين درساً لن ينسوه، من خلال قاعدته الشهيرة “إنما الأيام دول “.


 


إن من ينظر إلى الأزمة المالية الحالية التي تعصف بالولايات المتحدة، رأس هرم النظام الرأسمالي، على أنها أزمة اقتصادية وحسب، أو بمعنى آخر، على أنها أزمة مصارف خسرت مئات المليارات من الدولارات، إنما يجافي منطق التاريخ في إكمال حلقاته ضمن شروطه الخاصة .إن ما تمر به أميركا إنما هي أزمة وجودية ذات أبعاد فلسفية –أيديولوجية تمس صلب النظام الرأسمالي في أبعاده السياسية والاقتصادية والأخلاقية كما أسلفنا .


 


على أن الجانب الأخلاقي المأزوم من الشخصية الأميركية على عمومها والذي يلازمها إلى الآن، يعود إلى أوائل العهد الاحلالي في القارة الجديدة، والذي قام على الإبادة الجماعية للسكان الأصليين من الهنود الحمر وسكان جزر هاواي والمكسيكيين، ولعله في تحميل الادارات الأميركية برؤسائها المتتابعين على قيادة الامبريالية العالمية، الحيف والظلم اللذين أصابا العالم بسببها، فيه الكثير من التجني، ونحن نتكلم عن منحى عام يسم الأخلاق الأميركية، ولا نفرق بين الإدارات الحاكمة والجمهور، وإلا ماذا عن تيار المحافظين الجدد؟ وكأنهم أشخاص تحت الطلب وعند الحاجة، أو كأنهم لا يمثلون تياراً عارماً بين مثقفي أميركا!


 


على أن مبادئ الحكم التي رافقت القيادات الأميركية منذ فترة الحرب الباردة على الأخص والى الآن من “مبدأ نيكسون” إلى “مبدأ كارتر” إلى مبدأ “بوش الأب” والذي التزم بوش الابن بحذافيره، تراوح كلها بين كيفية الانفراد في قيادة العالم، أي بين “ضبط إيقاعه” على وقع المصالح الأميركية تارة و”الفوضى الخلاقة” في رسم حدود جديدة للعالم على حجم تلك المصالح تارة أخرى، وهي مبادئ سمتها الأساس، البحث الدائم عن عدو، إذ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء مرحلة الحرب الباردة أعلنت الولايات المتحدة الأميركية الكونفوشيوسية والإسلام عدواً لها.


 


إن البحث الأميركي الدائم عن عدو ينم عن أزمة ثقة في بعدها الأخلاقي وانعكاس ذلك في التعامل بين الأمم من خلال ممارسة القهر والتسلط، مهما أخذت من مظاهر ولبوسات التأزيم والتي تجسدت أخيراً في شكلها الاقتصادي الفاضح، وهي في أساسها تعبير صادق عن فقدان الثقة بالآخر، ثم أليست في أسبابها أنها أزمة ثقة نخرت نظام الائتمان العالمي فهزت في امتداداتها أسواق المال العالمية؟


 


و لنا أن نقدر، نحن العرب،كم نيسّر لأميركا أمرها في حروبها التي تشنها ضدنا،بعد أن أعلنتها علينا، وذلك من خلال دعم دورة المال في أسواقها عن طريق ضخ أموال البترول في مصارفها ، تلك الحروب التي تشن على الإسلام ولا تستثني في طريقها الفكر العروبي، وهذا ما تجسد صراحة في حرب العراق وتدميره ورده زمن الجاهلية الأولى وهو الذي جمع على أرضه أحدى أزهى الخلافات العربية الإسلامية، وكان منبعاً خصباً للفكر القومي العربي في الزمن الحديث.. لكن العراق يثأر اليوم من جلاديه وعلى طريقته الخاصة .


 


د. علاء الدين شماع


كاتب عربي سوري

مقالات ذات صلة