الأمن عبر التاريخ

الصفة المهنية الثانية عشر لرجل الامن في الاسلام

 


قراءة في كتاب” رجل الأمن في الإسلام “- شروطه.. صفاته.. آدابه  للدكتور إبراهيم علي محمدأحمد


ثاني عشر: معرفة البيئة


نقصد بالبيئة المحيط  الذي يعمل فيه رجل الأمن والمخابرات سواء كان مدينة أو اقليماً أو دولة ، وذلك لضمان سرية عمل رجل الأمن والمخابرات وعدم اكتشافه بواسطة الأجهزة المعادية  ، لذا عليه أن يتعرف وبصورة دقيقة وتفصيلية على منطقة العدو دوربها ومخارجها ومداخلها ومدنها وأحياءها ومواقعها الهامة ومنتدياتها وميادينها ، وأن يتعرف على عادات وتقاليد أهلها ويتعرف على أسلوب معيشتهم وتخاطبهم وزيهم حتى يكون جزءاً منهم وليس شاذاً عنهم  حتى لا ينكشف أمره .


إن المتتبع لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يجد أنه كان لا يسند أي مهمة لأي فرد من أفراد المخابرات النبوي إلا اذا تأكد من أنه على معرفة تامة بالمنطقة ، أو البيئة المراد تنفيذ العملية على أرضها . وفي السيرة شواهد كثيرة على ذلك سنورد بعضاً منها على سبيل المثال لا الحصر .


اسند النبي صلى الله عليه وسلم مهمة اغتيال أبي رافع الي عبدالله بن عتيك رضي الله عنه لأنه كان عالماً بمنطقة خيبر وحصونها بل كان عالماً بمنزل أبي رافع :


مداخله ، ومخارجه ، وموضع سمره،وحجرة نومه ، وسلالم داره، بمعنى أنه كان يعرف كل صغيرة وكبيرة عن بيئة العملية الأمنية المسندة اليه ، لأجل ذلك نجح في القيام بمهمته خير نجاح ، وـنجزها على أفضل وجه وأكمله .


ومن الشواهد أيضاً , أن النبي اسند مهمة جمع المعلومات عن تحركات بني قريضة لسيدنا خوات بن جبير رضي الله عنه , وذلك لأنه كان على معرفة تامة بالمنطقة ،ويظهر لنا خلال سرده لمهمته حين قال :(دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن محاصرو  الخندق فقال : انطلق الي بني قريظة فانظر هل ترى لهم عزة وخللاً من موضع فتخبرني . قال فخرجت من عند غروب الشمس فتدليت من سلع وغربت الشمس فصليت المغرب ثم خرجت حتى أخذت في راتح ، ثم على عبد الأشهل ، ثم زهرة ، ثم على بعاث ، ثم دنوت من القوم قلت اكمن لهم ، فكمنت ورمقت الحصون ساعة ثم ذهب بي النوم فلم اشعر الا برجل قد احتملني وانا نائم فوضعني على عنقه ثم انطلق يمشي ، ففرغت ورجل يمشي بي على عاتقه فعرفت انه طليعة من بني قريظة قال :(والرجل ليرقل بي الي حصونهم ،فتكلم باليهودية فعرفته قال :ابشر بجزرة سمينة قال وجعلت اضرب بيدي وعهدي بهم لا يخرج منهم احداً ابدا الا بالمعول في وسطه قال : فاضع يدي على المعول فانتزعه فشغل بكلام رجل من فوق الحصن فانتزعته فوجات به كبده فاسترخى وصاح : السبع …ووقع ميتاً وانكشف فكنت لا أدرك واقبل من طريقي الذي جئت منه ) .


إن المتأمل للنص الآنف يجد أن سيدنا خوات رضي الله عنه كان عالماً بالبيئة التي ذهب اليها لتنفيذ المهمة الأمنية الموكلة اليه ، ويظهر ذلك من عدة جوانب أبرزها :


1.         سرده لأسماء المواضع التي مر بها وصفاً دقيقاً يدل على معرفة تامة : سلع ثم راتح على عبد الأشهل ثم زهرة ثم بعاث . ولو لم يكن على دراية تامة بالبيئة لما أمكنه سرد هذه المواقع .


2.         قوله: وعهدي بهم لا يخرج  منهم  احداً الا بمعول في وسطه .اذا فسيدنا خوات كان على علم بعادات  اهل المنطقة ولولا معرفته بعاداتهم لما علم انهم يربطون المعول وسطهم, وهذه المعرفة التي أنقذته بعد توفيق الله . من القتل لأنه لو لم يكن على دراية بهذه العادة لما تمكن من اغتيال اليهودي والفرار .


3.         قوله : واقبل من طريقي التي جئت منها . إن معرفته التامة بالمداخل والمخارج الخاصة ببني قريظة هي التي ساعدته على النجاة ، لانه لو لم يكن على دراية بالطريقة التي جاء منها ربما ادركه اليهود ، وظفروا به .ولكن معرفته بالبيئة هي التي سهلت نجاحه من الفرار من العدو .


4.         من الشواهد سالفة الذكر يتضح لنا مدى اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة ( معرفة البيئة ) ، وقد كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص عليها ، يتوخاها في كل فرد من افراد الجهاز الاستخباري النبوي يود ارساله في عملية أمنية أوتكليفه بمهمة استخبارية ، مما يجعلنا نؤكد على هذه الصفة ، ونحض عليها . وينبغي أن يلتزم بها القائمون على أجهزة الأمن والاستخبارات في البلاد الاسلامية .


5.         وقد أكد على هذه الصفة علماء الأمة إذ يقول صاحب كتاب صبح الأعشى :(أن يكون له دربة بالأسفار، ومعرفة بالبلاد التي يتوجه اليها ، ليكون أغنى له عن السؤال عنها أوعن أهلها ، فربما كان في السؤال تنبه له ولأمره . فيكون ذلك سبباً لهلالكه ، بل ربما وقع في القوبة ، وسئل عن حال ملكه فدل عليه فكان عيناً عليه لا  له  ) .


من كل ما سبق يتضح لنا أهمية هذه الصفة،  ومدى أثرها ودورها البارز في نجاح العمل الأمني . وما أحوجنا الآن لهذه الصفة ، وبخاصة نحن في زمان تقدمت فيه وسائل جمع المعلومات وأولت أجهزة المخابرات المعادية على هذه الصفة عناية فائقة ، واهتمت بها أيما اهتمام . فلا يمكن ان تبعث فرداً من أفرادها إلي منطقة ما إلا بعد ان تزوده بجميع المعلومات الخاصة بتلك المنطقة صغيرها وكبيرها . وبالتالي غالباً ما تكلل المهمات بالنجاح وما قصة لورنس العرب الا دليل على ذلك .

مقالات ذات صلة