عين على العدو

الورقة المصرية خطوة أخرى نحو الحل

بحذر شديد ينظر الفلسطينيون مع الجهود المصرية، لإنهاء حالة الانقسام الواقعة والتي تجذرت عبر ستة عشر شهراً منذ الانقلاب في 14/ 6/ 2007. الجمهور الفلسطيني عموماً متشائم إزاء إمكانية إنهاء الانقسام، أما الفصائل فإنها تبدي تفاؤلاً حذراً.


 


أما تشاؤم الجمهور فإنه يعود إلى جملة من الأسباب أولها إدراكه أن إسرائيل لم تكن بعيدة عن تقصد دفع الحركتين الأكبر فتح وحماس نحو الصراع والانقسام، وأنها من واقع كونها صاحبة المصلحة الأساسية في استمرار الانقسام، عملت على منع وتعطيل استعادة الفلسطينيين لوحدتهم.


 


ثاني الأسباب يتصل بتراجع ثقة الجمهور بالقيادات السياسية والفصائل، التي أكدت عبر تجربة طويلة نسبياً، اهتمامها ببرامجها وأهدافها على حساب المصلحة الوطنية العليا، وافتقدت مصداقية تنفيذ الشعارات والبرامج والتعهدات التي تطلقها.


 


ثالث الأسباب يتصل بالتجربة العيانية الملموسة، فالتصريحات التي يطلقها المسؤولون الفلسطينيون بشأن الرغبة في إنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة، والحرص على الوطن والقضية وأهداف الشعب، تبددها كل يوم ممارسات وإجراءات قاسية على الأرض، من تعميق الانقسام والكراهية والأحقاد.


 


لقد بدأ الحوار في القاهرة منذ الخامس والعشرين من أغسطس الماضي، أي منذ شهرين تقريباً، ولم تتوقف خلالها حملات التحريض الإعلامي والسياسي، ولغة الاتهامات، كما لم تتوقف الاعتقالات السياسية، ومداهمة المؤسسات، ومحاولة كل طرف الضغط بشدة على نشطاء وأنصار الطرف الآخر.


 


إن الجمهور الفلسطيني لم يعد يراهن على حسن النوايا وصدق التوجهات، فيما يعتقد أن الأشقاء العرب تأخروا كثيراً عن التدخل من أجل إنهاء الانقسام، وأنهم غير جادين وغير قادرين ربما على دفع الأطراف الفلسطينية المتصارعة نحو إنهاء حالة الانقسام واستعادة الوحدة.


 


أكثر من ذلك تنتاب الجمهور الفلسطيني شكوك من أن التدخل العربي المتأخر يستهدف التذرع بفشل الحوار في حال وقع ذلك، من أجل التخلي عن التزامات العرب إزاء القضية الفلسطينية، وسؤال الجمهور هو أن الأطراف الفلسطينية المتصارعة ارتكبت في حق بعضها البعض وفي حق نفسها وشعبها وقضيتها، ما يبرر للآخرين عرباً وأجانب أن لا يكونوا ملكيين أكثر من الملك.


 


الفصائل بعمومها تبدي تفاؤلاً حذراً إزاء إمكانية أن تؤدي الجهود المصرية المدعومة بموقف عربي جماعي، إلى إنهاء الانقسام ومعالجة ما ينطوي عليه هذا الملف من قضايا معقدة جداً، ووقائع صعبة جرى بناؤها خلال فترة الصراع والانقسام الطويلة نسبياً.


 


فلقد أبدت الفصائل ترحيبها الإيجابي بمسودة الورقة المصرية، التي جرى تعميمها على الفصائل يوم الأحد الماضي التاسع عشر من الجاري، لدراستها والذهاب بمواقف واضحة إلى جلسة الحوار الشامل يوم التاسع من الشهر المقبل.


 


غير أن ذلك الترحيب لا ينفي أن ثمة وجهات نظر، وملاحظات على بعض بنود الورقة المصرية، بالرغم من توازنها، من حيث أنها تراعي مواقف جميع الأطراف، ومن حيث معالجتها الشاملة لمختلف القضايا.


 


والحال أن الورقة المصرية، التي جاءت نتيجة حوارات أدارها وزير المخابرات المصرية عمر سليمان، مع كل فصيل على حده، لا تشكل حواراً بين الفلسطينيين الذين فشلوا، رغم كثرة المبادرات الوطنية، في الجلوس على طاولة حوار بدون تدخلات خارجية.


 


الأمر الذي يعني أن ضمانة نجاح الحوار هي في مدى جدية الموقف المصري والعربي، واستعداد العرب للمتابعة الحثيثة والقريبة خلال كل مراحل الحوار، وتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. لقد رفضت حركة فتح المبادرة التي تقدمت بها حماس لعقد حوار ثنائي قبل موعد الحوار الشامل الذي حددته القاهرة.


 


وكان الأمر يتصل بخلاف حول طبيعة الأزمة، والحل، إذ تفضل حماس أن يأتي الحوار والحل ثنائياً، على اعتبار أنها مع (فتح) تشكلان طرفي الأزمة، وأن الفصائل الأخرى لا تملك ما يكفي من الوزن السياسي والجماهيري ما يؤهلها للعب دور فاعل في معاجلة الأزمة.


 


على الجانب الآخر ترفض (فتح) بعناد واضح حصر الحل بالفصيلين في انهيار الأزمة، لأنها كما تقول ترفض العودة لمنطق المحاصصة الذي تسبب في انهيار اتفاق مكة، وبأنها أيضاً تؤمن بالتعددية السياسية وتحرص عليها، بغض النظر عن الفوارق في الأحجام والتأثير بين الفصائل.


 


والحقيقة هي أن الموقف من آليات معالجة الأزمة يقدم مؤشراً على طبيعة الرؤى إزاء قضايا الديمقراطية، وآليات إعادة بناء الحالة الفلسطينية والأسس التي تقوم عليها تلك العملية. في السياق يمكن ملاحظة غياب الثقة بين الأطراف المتصارعة والمنقسمة، بما يفسر الحديث من قبل حركة حماس عن ضمانات الحل، خصوصاً وأن اتفاق مكة قد افتقر قبل ذلك لمثل هذه الضمانات، وكان ذلك سبباً آخراً في انهياره.


 


يذهب طلب حماس إلى ضرورة الاتفاق على صفقة شاملة وتفصيلية، تضع النقاط على الحروف، وتحدد بصورة واضحة ما لكل طرف وما عليه، غير أن هذا الطلب غير ممكن التحقيق في ضوء آليات الحوار التي تعتمدها القاهرة، وفي ضوء ضخامة الملف والتعقيدات الهائلة التي تتسم بها التفاصيل. القاهرة، ومن الورقة التي قدمتها، تعمل على مبدأ خطوة خطوة.


 


وبسبب هذه الآلية، وتعقيدات ملف الانقسام، جاءت الورقة المصرية أو المشروع خالية من الجداول والسقوف الزمنية، وغير محددة بالنسبة لبعض المفاصل. فعلى سبيل المثال لم تذكر الورقة ماهية حكومة التوافق الوطني، هل ستكون فصائلية أم حكومة كفاءات أم حكومة تكنوقراط؟ واكتفت بوضع الأهداف والمهام التي ستقوم الحكومة بتنفيذها.


 


وفي مجال إعادة بناء الأجهزة الأمنية ومهماتها، حصرت الورقة مهمة الدفاع عن الوطن والمواطنين في هذه الأجهزة، ولم تحدد الموقف من سلاح المقاومة. كذلك الحال بالنسبة للبند الذي يتعلق بالانتخابات الرئاسية والتشريعية، إذ لم يتم تحديد موعد أو سقف زمني لإجرائها، كما ترك موضوع قانون الانتخابات مفتوحاً على الحوار.


 


في مطلق الأحوال فإن ثمة حكمة وراء هذه الآلية التي يتبعها الأشقاء المصريون، مما يدل على إدراك واع لطبيعة الأزمة وكيفية حلها، الأمر الذي قد يستغرق وقتاً طويلاً، وقد تتخلله مشكلات وتعقيدات كثيرة، تتطلب حضور الدور العربي مشاركاً خلال كل مراحل الحوار والتنفيذ، حتى لا يذهب كل هذا الجهد سدى.

مقالات ذات صلة