عين على العدو

أولمرت ونهاية الحلم الصهيوني.. ملاحظات أساسية

«أرض إسرائيل الكاملة انتهت، ومن يعتقد غير ذلك إنما يوهم نفسه. خلال مفاوضات كامب ديفيد 2000 اعتقدت أن التنازلات التي قدمها باراك مبالغ فيها وقلت له ذلك، اعتقدت أن كل ما بين النهر والبحر هو لنا، لكن في نهاية سيرورة ليست سهلة من الألم والتخبط توصلت إلى استنتاج أنه يتحتم علينا أن نتقاسم مع من نجلس على هذه الأرض إذا كنا لا نريد فعلاً دولة ثنائية القومية. الغالبية الساحقة من الجمهور تدرك منذ زمن أن الوقت لا يلعب لمصلحة “إسرائيل”، وأنه ينبغي دفع المفاوضات مع الفلسطينيين. اقتراح التعويض والإخلاء هو جزء من سيرورة إدراك الجمهور الإسرائيلي لما ينتظره. سيأتي يوماً قريباً، أقرب مما نتصور، ننشد فيه الحلول التي يرفضها قسم منا اليوم، وعندها سنقول كيف غفلت أعيننا عن الرؤية؟».


الكلام السابق هو لرئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت، ينعي فيه نظرية أرض “إسرائيل” الكاملة، وكذلك الحلم الصهيوني بالسيطرة والهيمنة على فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر. وفي احتفالية شديدة تعاطى البعض مع تصريحات أولمرت، وتم الاهتمام فقط بالعنوان «نهاية الحلم الصهيوني» الذي على أهميته لا يفصح عن المغزى الكامن في التصريحات، علماً بأن وضعها في سياقها الكامل والأيديولوجي والتاريخي والسياسي يستوجب طرح الملاحظات الأساسية التالية:


 


– انتهى الحلم الصهيوني منذ سنين، وتحديداً منذ الانتفاضة الأولى عندما اعترف القادة الإسرائيليون السياسيون والعسكريون بأنه لا حل عسكرياً للانتفاضة، وأن ثمة شعباً يناضل من أجل حقوقه السياسية، وبالتالي لا بد من الحديث أو التفاوض مع ممثليه. أبعد من ذلك، يمكن الحديث عن نهاية الحلم الصهيوني في العام 1948، أي منذ البدايات، عندما صمد معظم الشعب الفلسطيني في أرضه، وبعدما رد هذا الشعب عبر ثورته المعاصرة في الستينيات من القرن الماضي وعبر انتفاضته الأولى على تساؤل غولدا مائير «أين هو الشعب الفلسطيني؟».


 


– نهاية الحلم الصهيوني ظلت مقتصرة على اليسار، أو ما يعرف مجازاً باليسار الإسرائيلي، إلى أن وصل آرييل شارون إلى السلطة ممثلاً لليمين، وتحت شعار «دعوا الجيش ينتصر»، متعهداً بإنهاء وهزيمة الانتفاضة خلال مئة يوم.


 


الانتصار لم يتحقق، وسرعان ما تم الإقرار بموت الحلم الصهيوني من قِبَل شارون نفسه الذي قال في تسويق خطة الانسحاب الأحادي وتفكيك مستوطنات قطاع غزة وشمال الضفة: «كان لنا حلم ولم يتحقق».


 


وكذلك عبر إيهود أولمرت نفسه الذي كان آنذاك مجرد بوق أو تابع لشارون يطلق بالونات الاختبار من أجله عن الموقف نفسه قائلاً في حديث مع صحيفة يديعوت أحرونوت في أكتوبر 2003: يجب الانسحاب من 80% من الضفة وغزة كلها وضواحي القدس الشرقية للحفاظ على ما تبقى من الحلم الصهيوني، أي دولة “إسرائيل” يهودية ديمقراطية. المفاهيم نفسها كررها في المقابلة مع الصحيفة نفسها منذ أسبوعين والتي اقتبسنا منها في مستهل المقال.


 


– التعبير عن نهاية الحلم الصهيوني، غالباً ما يرتبط بالذهنية اليهودية التقليدية انتزاع أعلى ثمن ممكن مقابل البضاعة الفاسدة، وحتى بيعها أكثر من مرة ولأكثر من طرف.


 


شارون حصل مقابل الانسحاب من غزة وشمال الضفة الغربية على رسالة ضمانات من بوش تسعى للحفاظ على ما تبقّى من الحلم الصهيوني: شطب عودة اللاجئين الفلسطينيين، ورفض العودة لحدود يونيو 1967، وربط الدولة الفلسطينية بالمصالح والرؤى الصهيونية الإسرائيلية.


 


المساومات الإسرائيلية لمبعوثي شارون آنذاك أثارت أعصاب وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس التي خاطبتهم ذات مرة: إذا كنتم تتحدثون عن خطة وانسحاب من أجل المصلحة الإسرائيلية فلماذا تطلبون ثمناً لذلك؟ شارون أراد كذلك من خطة الانسحاب والحديث عن نهاية الحلم إيقاع الحرب الأهلية الفلسطينية، الانسحاب من دون تنسيق ومن دون إعطاء أي اعتبار للشريك الفلسطيني، وأراد كذلك رسم حدود الدولة الفلسطينية من جانب واحد وفق الرؤى الإسرائيلية، وهو ما تحقق نظرياً عبر رسالة الضمانات الأميركية.


 


– الآن يحاول أولمرت تحقيق ما عجز شارون عن تحقيقه، تسويق مقولة نهاية الحلم الصهيوني مقابل الحصول على موافقة رسمية فلسطينية على تصورات “إسرائيل” للحل النهائي: دولة من دون القدس، ومن دون حق العودة، وخاضعة للهيمنة الإسرائيلية الاقتصادية والأمنية.


 


وكما أشار في المقابلة نفسها التي تحدث فيها عن نهاية الحلم الصهيوني إلى ضرورة نهاية الحلم الفلسطيني، ليس في دولة على كامل فلسطين التاريخية وإنما في حدود يونيو 1967، دولة كاملة السيادة عاصمتها القدس مع حل عادل لمشكلة اللاجئين! مسوقاً ومروجاً نفسه كرجل سلام فيما المشكلة عند الطرف الآخر والفلسطينيين والعرب بشكل عام.


 


لا داعي للاستلاب أو الانبهار بتصريحات أولمرت وغيره، بل يجب الصمود سياسياً ورفض التوقيع على أي اتفاق ينال من الحلم الفلسطيني في حدوده الدنيا، ومواصلة الصمود ميدانياً لإثبات أنه ليس من فرصة ل”إسرائيل” يهودية وديمقراطية. في فلسطين فرصة فقط لدولة واحدة من البحر إلى البحر وهي فلسطين ديمقراطية لكل مواطنيها.


 


رغم الأداء السياسي الهزيل من قِبَل الطبقة السياسية الفلسطينية، فإن الصمود الأسطوري وغير المسبوق للشعب البطل يؤكد أن إمكانية تحقيق الحلم بحدوده القصوى ليست مستحيلة، إنما باتت ممكنة، خصوصاً في ظل الإقرار الإسرائيلي بنهاية الحلم الصهيوني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى