عين على العدو

زيتونتي أنا

هذه السنة، أثمرتْ شجرة الزيتون التي سبق أن زرعتها قبل ثلاث سنوات في بستان الدار. زيتونتي أنا! ومثل من يقطف الفرح كله بما لا شبيه له في العمر، قطفتُ حباتها الخضراء اليانعة، بعناية المترفق إلى حد العشق الباهر ألاّ تتوجع الأغصان المتدلية، ولو بخدش بسيط، أو لمسة خشنة، على شغف من الروح الممتدة بيني وبينها، وعلى حبة القلب مني.


 


أعرف قبل هذا، أن شجرة الزيتون في الوعي الفلسطيني، وبما يسبق الاقتصاد الفلسطيني في المعرفة المعنية، درجات فوق درجات، تتربع على قمة التراث الشعبي، قيمة من قيم التماهي مع الأرض، ومع الهوية. وأعرف أن في دم الفلاح الفلسطيني وفراً عزيزاً من زيت هذه الشجرة، وأن في هذا الزيت الذي يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، وفراً غالياً من دمه. وأعرف أن وجبة الفطور له، على وجه الخصوص، ولأي واحد من الفلسطينيين عامة، لا تكون وجبة طيبة ولو اشتلمت على كل الطيبات، إلا بشمولها الواثق والمطمئن على حبات من الزيتون، وصحن صغير من الزيت. هي حبات وصحن ورغيف طابون كافية لقوت وبهاء يوم بأكمله. وهي الجوهر المتوارث لمن قال في أول الدهر، وما يزال قائلاً إلى أبد الآبدين، أن “الزيت عماد البيت”، و”عندي زيتون وزيت، أنا صفقت وغنيت”. ولم ينس الإرث المكين أن يحتفظ بدفاعه الإنساني عن الإنسان نفسه، حين نقش في الذاكرة أن “الزيت اللي يحتاجه البيت، يحرم على الجامع”.


 


ولكنني لم أفهم هذا العمق الفاتن لهذه المعرفة السائدة، فهماً كافياً، وإن كنت فيه أصلاً، إلا بعد أن زرعتُ زيتونتي بيدي، ورعيتها بيدي، وقطفتُ ثمارها بيدي ومشاعري كلها. كنت قبل هذا والعمق نفسه متوار بتلقائية العادة والمألوف الخفي في داخلي بمجمله العام، أنزل على مهل، في مطلع كل خريف إلى السوق، وأشتري من الباعة ما أشتريه من حبات الزيتون، بضعة أرطال تقل أو تكثر سيان، أحملها في كيس بلاستيكي أسود إلى البيت، لتنتهي مع شرائح الليمون الحامض وقرون الفيلفلة الحارة والملح، مكبوسة ومرصوصة في أحد الأوعية المتاحة والملائمة للتخزين. ثم أمضي في سبيلي عابراً إلى ما يفرض النسيان.


 


وكان أن فهمت بما زرعتُ ولو في متر مربع واحد من التراب، أن ذلك النسيان خديعة، وأن هذا العمق هو الروح فعلاً، بما يتجاوز مقاصد أي بيع وأي شراء. فليس له في معنى الثروة الدارجة بالمال المكدس من شيء. وهل رأينا فلاحاً أو مزارعاً في كده وتعبه، ثرياً؟ وإنما هو المعنى الذي يحول الكد والتعب والشقاء إلى فرح. وإلى ثروة أخرى من نوع لا يصل إليه إلا من زرع الزيتون، وتعهده بجميع الحواس. كيف؟ أزرعوا شجرة زيتون، وسوف تفهمون.


 


وفي صميم هذا العمق، تكون هذه الشجرة كما الفلسطينيون يكونون. هي الشعار لهم، بقدر ما هم شعارها، فلاحين ومهنيين وعمالاً وطلاباً ومثقفين وتجاراً وفنانين وجنوداً وشيوخاً وأطفالاً. فلسطين الزيتون. والزيتون فلسطين. لا طوطمية، بل الوجود بذاته عملاً وخلوداً في الحياة وفي الموت. الجغرافيا والتاريخ والتراث والذاكرة. وملء هذا كله الفرح الدائم.


 


وفي الضد، يستعر جنون الاحتلال “الإسرائيلي” في محاولته لتحطيم هذا العمق، من خلال اقتلاعه وتجريفه لهذه الشجرة، ومنع المواطنين من امتلاك مواسم قطافها، بالنار والحديد والحواجز والبوابات والاعتقالات والحرق والقتل، لقناعته الجادة أنه بمثل هذا التحطيم الهمجي يستطيع إلغاء فلسطين من المكان ومن الوعي، ويستطيع أن يكسر إرادة الصمود والتحدي، ويستطيع أن ينتصر.


 


احتلال مجنون وبشع ومدمر. ولأنه كذلك حقاً، لا بد له من أن يفشل. ولا بد له من أن يزول. فالزيتون العاقل والجميل والمثمر، هو الباقي. 

مقالات ذات صلة