عين على العدو

ًإسرائيل”.. وتكتيك المفاوضات التي تلد أخرى

عندما توجه الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس إلى شرم الشيخ، ليبحث مع الرئيس المصري حسني مبارك إمكانية بدء مفاوضات جديدة، على قاعدة مبادرة السلام العربية، كان الدكتور صائب عريقات رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية، يصدر كتاباً جديداً بعنوان «الحياة مفاوضات».


 


«الحياة مفاوضات».. إذا.. فإن المفاوضات هي الحياة. تبدأ وتستمر وتتواصل ولا تنتهي إلا حين تقوم الساعة. وحين نلقي من هذه الزاوية نظرة على المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية الجارية على قدم وساق منذ العام 1991، أي منذ سبعة عشر عاماً، نجد أن هذه المفاوضات هي تطبيق عملي لنظرية صائب عريقات في المفاوضات. فالمفاوضات شأن من شؤون الحياة كالطعام والماء والملبس والعمل والبيع والشراء والحياة والموت. وفي كل يوم نجد أمامنا شأناً نتفاوض عليه مع الجار أو مع الشريك أو مع البائع أو مع المشتري أو مع الشرطي أو مع الحاكم. وفي التفاوض قد نصل إلى نتائج، وقد نصل إلى طريق مسدود، إلى أن ينفتح الباب عن قضايا جديدة تحتاج إلى مفاوضات، وهكذا دواليك.


 


ويبدو أن شمعون بيريس، وهو الزعيم الإسرائيلي البارز، رغم أنه فشل في كل أنواع انتخابات الزعامة، من المؤمنين بنظرية صائب عريقات هذه. فبعد أن أمضى سبعة عشر عاماً في مفاوضات مع الفلسطينيين (مفاوضات واشنطن، مفاوضات أوسلو، مفاوضات كامب ديفيد، مفاوضات أبو مازن ـ أولمرت، مفاوضات أنابوليس) مباشرة أو بالواسطة، أدرك من موقعه الجديد، موقع (الأخ الأكبر كما يجسده جورج أورويل في روايته 1984)، أن التفاوض الثنائي سواء مع الفلسطينيين أو مع سوريا، قد استوعب نفسه، ولا بد، إخلاصاً لنظرية «الحياة مفاوضات» من الذهاب إلى مسار تفاوضي جديد، وليكن هذه المرة مع «مبادرة السلام العربية».


 


ولكن الرئيس بيريس، الذي اشتهر بأنه رجل سلام، وارتكب مع ذلك مجزرة قانا في لبنان عام 1996، عندما كان رئيساً للوزراء، والذي اشتهر بأنه رجل سلام مع أنه هو بالذات الرجل الذي خطط وقاد وأشرف على بناء السلاح النووي الإسرائيلي المغلف بالحنان الأميركي، لا يقبل أن يذهب إلى مفاوضات جديدة، وقد علقت به أوصاف تعنت أو فشل أو سوء تصرف، فهو الرجل السياسي الكامل، وهو الرجل الذي يفيض كرماً من أجل السلام، حتى أنه دفع لسوريا ثمناً سياسياً من دون مقابل، وهو لا يريد تكرار ذلك. قال: لا نريد أن ندفع لكل دولة ثمناً خاصاً، فمثلاً دفعنا لسوريا ثمن الانفتاح على كثير من الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا، ولكن “إسرائيل” لم تأخذ أي ثمن مقابل ذلك.


 


وعلى غرار الموقف نفسه يتقدم إلى الواجهة زعيم إسرائيلي آخر هو إيهود باراك وزير الدفاع وزعيم حزب العمل. يقول لإذاعة الجيش الإسرائيلي «في غياب تقدم على المسارين التفاوضيين الفلسطيني والسوري، قد يكون الوقت حان للبحث عن صفقة سلام شاملة في المنطقة». وهو يحدد خطوته العملية المقبلة ببندين:


 


البند الأول يقول: هناك مجال لطرح خطة سلام إسرائيلية شاملة.


 


البند الثاني يقول: إن خطة السلام الإسرائيلية الشاملة ستكون مقابل «الخطة السعودية». ولا يقول مقابل الـ«الخطة العربية».


 


هنا بندان مهمان وسلبيان جداً. لأن البند الأول يعني أن الموقف الإسرائيلي الجديد لا يتجه نحو مبادرة السلام العربية، بل هو يتجه نحو إعلان مبادرة إسرائيلية شاملة ترد على المبادرة العربية. ولأن البند الثاني يعني أنه يقيم تفريقاً بين ما يسميه المبادرة السعودية وما يسميه المبادرة العربية. أما بالنسبة لنا نحن العرب جميعاً، فإن المبادرة السعودية والمبادرة العربية هما شيء واحد، وهي المبادرة المعلنة رسمياً (عام 2002). أما من خلال باراك هذا فإن ما يعنيه هو المبادرة كما أعلنها الصحافي الأميركي فريدمان، بعد أن حدثه عنها الملك عبد الله، وأوردها خلوا من بند يتحدث عن اللاجئين الفلسطينيين، بينما تضمنت المبادرة العربية بنداً محدداً حول هذا الموضوع. وباراك يريد مناقشة المبادرة العربية خالية من هذا البند.


 


ولكن الطرف الإسرائيلي الأبرز في هذه المعادلة، هي تسيبي ليفني رئيسة حزب كاديما والمكلفة رسمياً بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة. هل تؤيد ليفني مبادرة السلام العربية؟


 


الجواب الأول على هذا السؤال قدمه إيهود باراك، الذي قال إنه فاتح ليفني في الموضوع، ووجد لديها «انفتاحاً في استكشاف أي مسار، بما فيه هذا المسار».


 


الجواب الثاني على هذا السؤال تقدمه تسيبي ليفني نفسها، في مقابلة مع جريدة «الأيام» الفلسطينية بتاريخ 1/3/2007 وتقول فيه: لا يمكن ل”إسرائيل” القبول بمبادرة السلام العربية بصيغتها الحالية.


 


الجواب الثالث قدمته أيضاً تسيبي ليفني، بعد أن قررت لجنة تفعيل المبادرة العربية، تكليف الأردن ومصر الاتصال ب”إسرائيل” وشرح الأمر لها رسمياً. فقالت في بيان رسمي صادر عن وزارة الخارجية «إن على جامعة الدول العربية أن تبدي شيئاً من المرونة، وذلك بالموافقة على محادثات أوسع بدلاً من فرض الشروط».


 


والخلاصة أن تسيبي ليفني ترفض مبادرة السلام العربية لسببين: الأول دعوتها لإيجاد حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين. والثاني دعوتها لانسحاب “إسرائيل” إلى حدود العام 1967، كأساس لحدود الدولة الفلسطينية المقترحة. وبهذين التحفظين تكون ليفني قد نسفت بنود مبادرة السلام العربية كلها. وهي في جوابها الأخير لإيهود باراك لم تقل كلمة واحدة محددة تشير إلى غير ذلك. قالت إنها مستعدة لـ«استكشاف» أي مسار، والاستكشاف قد يؤدي إلى الشيء وعكسه.


 


ما الذي نستخلصه من كل هذه الإشارات؟


 


نستخلص أولاً: إن “إسرائيل” تعرف أكثر من غيرها أنها هي التي أفشلت المفاوضات مع الفلسطينيين، لأنها تساوم على الضفة الغربية ولا تريد الانسحاب إلى حدود العام 1967، ولأنها لا تريد أيضاً إنشاء دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة. وهي تعرف أيضاً إن المزاج الدولي الغالب حالياً يريد استمرار المفاوضات، ويريد نجاحها. وهي تعرف أيضاً وأيضاً أن الولايات المتحدة الأميركية قد تحدث تغييراً في درجة دعمها ل”إسرائيل”، إما بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية وتأثيراتها، أو بسبب التغيير في القيادة الجديدة التي ستدخل البيت الأبيض، وهي لذلك تريد أن تستعد لمواجهة ما قد تتعرض له من هجمات سياسية، ويتخذ استعدادها هذه المرة شكل تبديل في أسلوب التفاوض، تظهر فيه “إسرائيل” أمام العالم على أنها معنية بالتفاوض إنما بشكل جديد جماعي وشامل هذه المرة. وإذا كان التفاوض الثنائي المباشر قد احتاج إلى سبعة عشر عاماً ليستهلك نفسه، فلا بأس من بضع سنوات جديدة يستغرقها أسلوب التفاوض الجديد قبل أن يستهلك نفسه. ف”إسرائيل” لا تخسر شيئاً حين تدخل في عملية تفاوض لا تنتهي، وهي لا تخسر شيئاً حين تنتقل من تفاوض إلى تفاوض، وبخاصة حين تبقى مخططاتها الاستيطانية متواصلة على الأرض.


 


ما الذي نستخلصه من كل هذه الإشارات؟


 


نستخلص أن “إسرائيل” لم تغير موقفها المعرقل للتفاوض، ولم تغير موقفها من المطالب الفلسطينية أو المطالب العربية. وهي تسعى مجدداً إلى إقناع العرب بأن العرض الإسرائيلي الجديد ليس سراباً بل حقيقة، والأمل كل الأمل، أن يرى العرب حقيقة السراب الذي أمامهم، وألا ينخدعوا بمياهه غير الموجودة.


 


وهناك إشارة إيجابية أولى قدمها لنا لقاء شرم الشيخ، حين كشف شمعون بيريس للرئيس حسني مبارك، أن “إسرائيل” لا تستطيع أن تقبل المبادرة العربية كما هي، وأنها ستقترح تعديلات عليها (المبادرة الإسرائيلية)، وكذلك حين قال الرئيس مبارك لشمعون بيريس، إن المبادرة العربية صيغة اقتراح للحل وليست مجموعة مبادئ للتفاوض عليها، وقبولها بهذه الصيغة لا يعني فرض شروط مسبقة، بل يعني الاتفاق على هدف التفاوض وغايته، وهو ما هربت منه “إسرائيل” منذ 1967 حتى الآن، ولم تقبل به كمبدأ إلا في المفاوضات مع الرئيس أنور السادات، حين قبلت أن هدف المفاوضات هو الانسحاب الكامل من سيناء، ولا تزال حتى اليوم ترفض التسليم بالمبدأ نفسه في المفاوضات مع سوريا حول الجولان.


 


وجرى التوضيح في مفاوضات شرم الشيخ أيضاً، أن المبادرة العربية لا تعني التفاوض العربي الجماعي مع “إسرائيل”. أي لا تعني التطبيع العربي الشامل مع “إسرائيل” أولاً، إنما تعني القبول بما تطرحه المبادرة العربية، وإذا تم ذلك وطبق على الأرض تبادر الدول العربية إلى التعاون الطبيعي معها. والمسؤولية العربية الآن، وكذلك المسؤولية الفلسطينية، التمسك بالمبادرة العربية نصاً وروحاً، لكي يصبح التوضيح الذي تم في شرم الشيخ لازمة عربية تسمعها “إسرائيل” في كل مكان، فقد آن لزمن التشاطر الإسرائيلي أن ينتهي، وآن لدولة “إسرائيل” أن تواجه نتائج سياساتها.

مقالات ذات صلة